ماكرون زار الجزائر ولبنان ثم المغرب

زار إمانويل ماكرون لبنان والجزائر خلال حملته الإنتخابية ثم زار المغرب بعد انتخابه. ترتيب الزيارات له دلالاته طبعا، وأن يخص رئيس فرنسا المغرب بأول زيارة في منطقة المغرب العربي له أهميته في ظل ظرفية خاصة تعيشها المنطقة منذ 2011 وحرص المستعمر القديم على لعبة توازنات دقيقة. وقد زار ماكرون الجزائر ولبنان قبل ذلك لأن الأمر يتعلق بأولويات حملته الإنتخابية وبمصالح فرنسا. ففي ما يخص لبنان، تبدو فرنسا العلمانية قلقة على وجود الأقلية المسيحية في زمن الإرهاب المعولم، وهي تسعى إلى حمايتها كما فعلت منذ قرون في هذا البلد. كما أنها تريد تقوية روابط الثقافة واللغة الفرنسية المتراجعة في لبنان. أما زيارة ماكرون للجزائر فقد فجرت قنبلة كبيرة وحركت جراح التاريخ الفرنسي الجزائري التي لم تبرأ بعد، وذلك عندما اعتبر ماكرون، بشجاعة، أن الإستعمار الفرنسي للجزائر كان بمثابة جريمة ضد الإنسانية وقدم ما يشبه الاعتذار عن ذلك.

زيارة ماكرون للمشرق قبل المغرب تثير وتسائل جانبا غائبا عن التحليل هو علاقتنا مع لبنان البعيد جغرافيا. فما يسميه بعض اللبنانيين بالعلاقة العاطفية التي تجمعهم بفرنسا يمكن أن ينطبق أيضا على المغاربة ولكنها في حالتنا علاقة ثقافية ومالية أكثر مما هي مرتبطة بالطائفة المسيحية التي توجد في لبنان. ما يجمعنا بلبنان أيضا هو اللغة العربية والتاريخ المشترك لمناهضة الإستعمار من خلال ما لعبه مثقفون مثل شكيب أرسلان في النضال من أجل استقلال المغرب. وما يجمعنا اليوم كذلك، إلى جانب الموسيقى والفن والثقافة الفرنسية، هو منهج في التعامل مع ماضي الصراع السياسي في بلدينا. فمثلما قام المغرب بتجربة للمصالحة مع سنوات الرصاص، قامت لبنان، على طريقتها الخاصة، بمصالحة مع سنوات الحرب الأهلية عبر مصالحة ثقافية من خلال تحويل بنايات وأماكن شهيرة ورمزية عاشت الحرب الأهلية وتحمل آثارها المدمرة، إلى متاحف مفتوحة أمام المواطنين بهدف قراءة التاريخ والتصالح معه وأخذ العبرة منه. فهما تجربتان متميزتان رغم نواقصهما وسلبياتهما، كما يكشف حراك الحسيمة اليوم.

أما علاقتنا مع الجارة الجزائر فتبقى محكومة بصراع جيوستراتيجي وتاريخي تبلور وترسخ حول القضية الوطنية سببها ما يمكن تسميته: جرح الجزائر النفسي المتمثل في التصالح مع تجربة الإستعمار الفرنسي وهي العقدة التي قد تكون جعلت السلطة في الجزائر تتبنى مواقف لاتاريخية من الصحراء ومن قضايا أخرى. إنه جار سياسي وجغرافي وثقافي مزعج لكن لا محيد من التعامل معه ومن حسن تدبير مظاهر ضعفه وقوته.
علاقات المغرب بفرنسا استراتيجية طبعا، ثقافية واقتصادية. كانت علاقة تتأرجح بين الحب والكراهية، واشتغل المغرب على طي صفحة الإستعمار بثقة عموما وإن كانت قراءة تاريخنا المعاصر، على ضوء ما يربط البلدين، ما تزال محاطة بالكثير من الصمت والمصالح المسكوت عنها. ويكشف الإهتمام الهائل في المغرب بفوز إمانويل ماكرون، سواء في الصحافة أو في وسائل التواصل الإجتماعي، عن ظاهرة تمثل، من جهة، تنفيسا عن مكبوتات سياسية واجتماعية وتطلعا ديمقراطيا. وتكشف، من جهة أخرى، عن مؤشر إيجابي هو عودة الإهتمام بالسياسة تدريجيا وبقوة في المغرب خلال السنوات الأخيرة. زيارة الرئيس الفرنسي للمغرب تحتاج إلى قراءة لدلالاتها ولإيجابياتها وسلبياتها بحذر بعيد عن القراءات ذات الإتجاه الواحد والبعد الوحيد مثل تلك التي كشف عنها الكاتب الطاهر بنجلون الذي له قدرة كبيرة على الإستمرارية في نقل لغات وأخبار الصالونات، وآخرها خبر يقول فيه إنه يفتخر بحضوره لحفل غذاء مع الرئيس الفرنسي إمانويل ماركون عندما كان مرشحا للإنتخابات. وكأن دوره هو الإفتخار والتباهي.

إن السياسة تنبني، أساسا، على الجوار. لأن “الجغرافيا تصلح أولا لشن الحروب” كما يقول إيف لاكوست. لهذا ينبغي ترتيبها ترتيبا استراتيجيا. والجوار أنواع وأشكال: هناك الجوار الجغرافي والثقافي والعاطفي… وأحسن ترتيب هو ذلك الذي يساعد على اتخاذ القرار المناسب والمتوازن في حالة المغرب بين التوجه إلى الشمال الأوربي، أو الجنوب الإفريقي، أو إلى المشرق العربي، وإن كانت خطوة إرسال مساعدات إلى قطر قد أثرت سلبا على الخطوة الإيجابية المتمثلة في تبني الحياد والوساطة في الأزمة القطرية. وهو ترتيب ينبغي أن يمر أساسا عبر اعتماد الديمقراطية والعقلانية والمقاربة التشاركية.

تعليقات الزوّار (0)