آفة “العقل” الاختزالي

أرجو ألا أسقط في مقالي هذا ومن خلاله في اختزالية أو اختزالات قد تكون مدمرة وقاتلة.

إن أي متتبع للشأن الثقافي والفكري في خصوصياته كما في عمومياته ستثير انتباهه “ظاهرة فكرية” – ان جاز لنا الحديث عن ظاهرة- ربما ليست بالحديثة ولا بالمستجدة لكنها تبدو مستفحلة ومستشرية بكثرة خاصة في السنين الأخيرة ،إنها ” آفة الاختزال والتقابلات الثنائية المطلقة”.

يمكننا الحديث عن الاختزال كمنهج علمي مكتسب عبر صيرورة تشكل وبناء العقل الانساني و مراكمته للمعارف العلمية أساسا في حقل العلوم الطبيعية (الرياضيات والفيزياء والكيمياء). لكن في حقل العلوم الانسانية هل بإمكاننا أن نتحدث عن استعارة وإقحام لهذا المنهج قصد الإستعانة بخدماته الجليلة؟ وهل يصلح تطبيقه على هذه العلوم أم أن استدعائه تم رغم أنفه وأنف المتلقي ؟ والإستعانة به هل هي ضرورة ملحة خصوصا في راهننا (عصر السرعة والميكروmicro-) وأن الخلل فقط في الاستعمال المفرط له ،إذ الملاحظ أن استهلاكه أصبح في عصرنا غير معقلن وبكثافة وفي مرات عديدة بعيدا عن ميادينه والإشكالات المطروحة وخارج تربته الأصلية، هذا الاستعمال المكثف والمستنزف حَوَّلَه إلى “ظاهرة” مرضية ،عقيمة ومعيقة للفهم وإلى منهج سهل المنال فالكل يلتجأ إليه كمخرج وكمسعف عند أي ورطة فكرية في إشكالات معينة.

إن استفحال فعل الاختزال واكتساحه لمجالات واسعة في عالم الفكر وتحوله الى رياضة محبذة لذى الجمهور العريض في عصرنا – من الفيلسوف الى العامي أكسبه صفة “ظاهرة” ملازمة للتفكير وأصبح قوة حاضرة، فاعلة ومؤثرة في جميع التحليلات العلمية والغير العلمية وفي التفكير اليومي ؟ ماذا عن خصائص المنهج الإختزالي وتجلياته وكيف يشتغل ؟ وما هي أسباب انتشاره بكثافة في عصرنا ؟ وهل هناك من أمثلة تجسد أشكال وأنواع الاختزالات والتقابلات والثنائيات المطلقة السائدة في ثقافتنا الراهنة ؟. ألسنا أمام هزالة فكرية مستشرية وخمول وكسل عقلي لا متناهي أو ربما أمام انسداد فكري و فكر مأزوم وأفق مظلم ؟ أم ضرورة عصر السرعة؟.

الاختزال هو إقصاء لمجموعة من العوامل المؤسسة والمساهمة والمؤثرة في تكوين ظاهرة ما أو حدث أو فعل أو حتى نظرية أو رأي، كما هي إلغاء لما هو تركيبي تعقيدي ومتنوع ولدقة المعارف وبالتالي هو ينزع إلى التعميم والتبسيط والسطحية والاستنتاجات السريعة والخلاصات النهائية و البداهات وانتقاءات تعسفية و إزاحة أكبر قدر ممكن من المعلومات والمعطيات واستعجال الخواتم والإرتكان إلى خلاصات السلف (الصالح) أو استيراد تجارب و نتائج معلبة من الغرب (الناجح). إن ومنطق ومنهج وأسلوب الاختزال يخترق جميع المذاهب سواء المادية أو الروحية.

وأصبح “ظاهرة “كونية دائمة عامة لا تخلوا من تأثيراتها جميع المذاهب الفكرية والفلسفية والسياسية. كما أنها تمتد من الفيلسوف إلى العامة. وكلما اتجهنا نحو القاعدة كلما إلتمسنا انتشارها أكثر.تمارس على جميع الأنشطة الذهنية وعلى جميع المعارف البشرية حتى في العلوم المسماة طبيعة . لماذا سقط العديد المثقفين والمفكرين حتى الفلاسفة منهم في اختزالات مريبة ؟ وماذا عن الاختزالية التي تمارس بشكل مقصود لأهداف إيديولوجية ولمصالح متعددة ؟ وماذا عن الاختزال لذى العامة ؟ هل الاختزال هو تكثيف المعرفة و”الحقيقة” مثلا الكلام المسمى “حكمة” ؟ أم اختصار للطريق و ربحا للوقت ؟ أم هو تبسيط وتسطيح وتعميم وأحادية وبالتالي إفراغ الفكر من عمقه وتنوعه و اختلافه ؟. الأسباب والعوامل كلها تنصهر في عنصر واحد وثابت، النظر إلى حركية التاريخ كسيرورة وكخط مستقيم متجه نحو غائية واحدة ومطلقة. ف”العقل” الاختزالي ينتزع الأحداث والوقائع من سياقها التاريخي والاجتماعي العام كما يتميز بالتفسير التآمري للتاريخ والأحداث بفعل تغييب المعرفة والعلم أو قصد توجيه الآخرين ( ما يسمى بالرأي العام ) إلى رأي وهدف محدد. كذلك ميله لاختصار مرحلة أو ظاهرة أو دين أو شعب في بعد واحد وكذا استصدار أحكام سريعة وعامة وجاهزة دون معرفة أو علم. وقد يتم العمل الممارس أي الاختزال تارة عن معرفة ووعي وفي مرات عديدة عن جهل وعفوية غير مقصودة وعدم قراءة المعطيات بتروي وبحد أدنى من “الموضوعية”.

إذن ما الذي يجعل مثقف أومفكر يستحضر في تحليلاته عنصر أوعنصرين دون الآخرين ويفرض عليه أن يمارس القراءة الأحادية الدلالة لجميع الظواهر والأحداث ؟. ولماذا الوقوع في تعميمات متسرعة ؟ هل هو نقص الدقة والكفاءة العلمية وفقر في المفاهيم ؟ هل من غياب وفرة المعطيات الموضوعية وعدم الإلمام قدر الإمكان بمختلف الجوانب المحيطة بالظاهرة أو بالحدث المطلوب دراسته ؟.أم تحت ذريعة غياب الوقت الكافي ؟ وماذا عن تغييب القراءة الخصبة المنتجة ؟. هل هو نقص معرفي وقصر في النظر؟ أم تغييب مقصود “للموضوعية” لهدف معين أو لخدمة فكرة محددة أو أجندة مقصودة ؟.

من خصائص هذا “العقل” : الوصف، السطحية، التجزيء، التعميم، التبسيط، الأحادية، وفي أقصى تقدير الثنائية، الكمال، الشمولية، اليقين المطلق، الصفاء، الانغلاق ،السكون، الاختصار، التضليل، غياب منطق التحري والبحث العلمي، التشويه، الذاتية، غياب النفس الطويل في البحث والارتكان إلى الوصفات الجاهزة، عدم القراءة الموضوعية، الكسل الفكري ،رفض الشك والارتماء في أحضان الوثوقية ،رفض أي اختلاف ،التضليل لأجل غايات إيديولوجية و مصلحية، أو لأهداف سياسية وعقائدية أو لسبب الجهل. عقل يتفادى: التحليل، البحث، التجريد، التفكيك، التركيب والبناء، عقل كسول يتفادى: الجهد والاجتهاد ثم الابداع والخلق.

لماذا سادت وطغت هذه الظاهرة في السنين الأخيرة؟

انتقال الحياة العصرية إلى السرعة المفرطة مما ولد البحث عن الجاهز في كل شيء من الأكل واللباس والتجهيز حتى التفكير. الزمن والتغيرات المتسارعة سيادة ثقافة الربح السريع و الوجبات السريعة “الفاست فود”fast food “، زمن الميكروmicro، زمن “الجوطابل “jetableأي المواد الغير قابلة لإعادة الاستعمال، المعلبات،البحث عن الربح دون جهد أو عناء ،سيادة ثقافة مرضية (الاستغفال ،الهمزة، لعبة حظ، الربح في ألعاب القمار بجميع تلاوينها) تفادي المشاكل العويصة، سيادة الصحافة كسلطة رابعة والإعلام السريع ،فالصحافة أصبحت تحت الطلب وبالتالي المقالات بدون تحليل وعمق، الحيز المخصص للمقال صغير وعدد الكلمات محدود سلفا، قصر الوقت، التركيز على الصورة كتكثيف واختزال للخطاب، الصيغ اللفظية الجاهزة، الصور النمطية، القوالب الجاهزة. ظهور المفكر الصحافي، والمحلل المعلق على الأحداث في وقت وجيز (عشر دقائق) مهما اكتسىت من أهمية وخطورة، ترامي عدد لا بأس به من المثقفين على جميع الاختصاصات لتفادي البطالة الفكرية ومن أجل المزيد من الكسب (مثقف يكتب ويفهم في جميع المواضيع و الإشكالات من الهندسية إلى الطب إلى الدين ربما حتى الشعوذة. حضور وهيمنة السينما الأمريكية ،الأبطال الخارقين للعادة: (سوبرمان،سبيدرمان ،باطمان، زورو) كصيغ ونسخ حداثية ل (خاتم سليمان، مصباح علاء الدين،عصا موسى) البحث عن “مفتاح عمومي passe partout “. الابتعاد وتفادي جهد وعناء التفكير والبحث و”صداع الرأس”.

قد يمارس الاختزال بشكل مقصود ومغرض ومفكر فيه من أجل التشويه والإقصاء للطرف الآخر سواء فكر أو رأي أو معلومة أو حزب أو قضية أو دين من أجل مصلحة ما وبالتالي يلتجأ إلى التضليل والتدجين وإستبلاد الطرف الآخر. وقد يمارس بشكل عفوي نظرا لغياب المنهج والمعرفة.

لقد نجح “العقل” الاختزالي بجميع تلاوينه الفكرية والمذهبية من إخفاء الأسئلة الجوهرية كذلك التنوع والتعدد والاختلاف الكامن في الموروث الثقافي الإنساني وجعل قاعدة واسعة من القراء والأنصار والأتباع والمريدين تنظر من زاوية واحدة بعين واحدة إلى نقطة واحدة وتخرج بنتيجة واحدة، وفي أقصى الحالات العمل على اختزال الأمور في ثنائية مفرطة،ومن هذه الاختزالات:

اختزال الدين في الأسطورة والخرافة. اختزال الفلسفة في الزندقة والالحاد. اختزال آفة التخلف وأسبابه في الدين “الدين أفيون الشعوب”. اختزال آفة التخلف وأسبابه في التخلي عن الإسلام ” الإسلام هو الحل”. العودة إلى الإسلام والاحتكام إلى الشريعة كحل سحري. إقصاء الدين والاحتكام إلى ما هو وضعي كحل علمي. الحل هو إحياء النموذج الجاهز السالف. الحل هو استيراد النموذج اختزال الشريعة في الحدود. اختزال الماركسية في الالحاد والمادية “الدين أفيون الشعوب”. اختزال الداروينية في حيوانية الإنسان “الإنسان أصله قرد”. اختزال الفرويدية في الجنس دوافع الإنسان ميول جنسية. اختزال فلسفة نتشه في صيحته “لقد مات الإله”.

اختزال الديمقراطية في الانتخابات. اختزال الديمقراطية في الشورى “وأمرهم شورى بينهم”. اختزال الأبناك في الربا ” وأحل الله البيع وحرم الربا”. اختزال الرجل في الذكورة والفحولة. اختزال المرأة في جسدها، هي عورة وعقلها في فرجها.اختزال شرف القبيلة والأسرة والرجل العربي بين فخدي المرأة. اختزال الحضارة الغربية في الانحلال الخلقي. اختزال المشاكل الداخلية في المؤامرات الخارجية.

اليهود أصل كل الشرور في الكون كله. وأمريكا هي سبب كل المصائب التي تصيب العالم من التخلف حتى التلوث.

بعض التقابلات الثنائية

– الإسلام والعلم – الاسلام والغرب – الاسلام والعلمانية – الاسلام والحداثة – الاسلام والديمقراطية -الاسلام والعولمة – المادة والروح- المادية والمثالية – الخير والشر- الأبيض والأسود- الشرق والغرب- العلم والدين – الإيمان والإلحاد- الحلال والحرام- المقدس والمدنس- العقل والنقل – الاصالة و المعاصرة.

تعليقات الزوّار (0)