العلام يكتب: مَنحُ “الكريمات” مخالفٌ للفصليْن 35 و36 من الدّستور

بصرف النّظر عن التعريفات الأكاديمة لاقتصاد الرّيع، ودون الاستفاضة في ما تطرّق له علماء الاقتصاد من آدم سميت إلى كارل ماركس، وبدلا من التوسّع في التحديدات المفاهيمية للاقتصاد الرّيعي، والتي إن طبّقناها على الكثير من الإقتصاديات الموجودة في المغرب، فإنها لا محال ستدخل ضمن دائرة الاقتصاد الريعي، والذي يتناقض مع الاقتصاد الإنتاجي. نقول بصرف النظر عن كلّ ذلك، فإن التعريف البسيط لـ “الرّيع” يمكن تلخيصه في الكلمات التالية:”هو المدخول المادي المتحصَّل عليه من خلال وسيلة غير متاحة للجميع، كما أن الرّيع هو كل ربح مادّي لم يَنتُج عن عملٍ أو مشقّة”. وإذا ما أردنا إسقاط هذا التحديد على الموضوع الذي نحن بصدده، وهو ما يتعلق بالرّخص الممنوحة لبعض المواطنين لاستغلال سيارات الأجرة أو الصيد أو مقالع الرمال، فإن النتجية هي أن مَنح أيّ مواطن لهذه الرّخص التي تسمى في اللغة العامية بـ “الكريمات” يدخل ضمن دائرة اقتصاد الريع، الذي رامت العديد من الدول الديمقراطية القضاء عليه وتشجيع روح العمل والتنافس الحر كبديل عنه.

ورغم الملاحظات الكثيرة على الدستور المغربي، إلا أن قراءة متمعّنة لبنوده تُظهر بأنه يوجد في الوثيقة الدستورية ما يجرّم “الرّيع”. فكثيرا ما تحدّث الدستور عن المساواة بين المواطنين، وعدم استغلال النفوذ، وتشجيع المبادرة الحرة، والحفاظ على التنافسية. ويمكن الاقتصار لتوضيح ذلك على الفصلين 35 و36 من الدستور، إذ ينصّان بشكل صريح على منع أي عمل من شأنه التّعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق كما في الواجبات. جاء في الفقرة الثانية والثالثة من الفصل 35 ما يلي: “تضمن الدولة حرية المبادرة والمقاولة، والتنافس الحر.

كما تعمل على تحقيق تنمية بشرية مستدامة، من شأنها تعزيز العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الثروات الطبيعية الوطنية، وعلى حقوق الأجيال القادمة؛ تسهر الدولة على ضمان تكافؤ الفرص للجميع، والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا”. وهذا ما يفيد بأن أي تصرّف يتعارض مع مسألة العدالة الاجتماعية، والحفاظ على ممتلكات الدولة، يكون فاعله مخالفا للدستور ومنتهكا لحقوق المواطنين من الفئات الاجتماعية الغير محظوظة، كما أن من شأن أي خطوة تضرّ بالمساواة في الفرص بين المواطنين للحصول على دخلهم، أو مَنح بعضهم امتيازا على حساب البعض الآخر، تبقى مبادرة فاقدة للقانونية ومكرّسة لاقتصاد الريع، ونشر روح الاتّكال والتّكاسل.

وللمزيد من الإلحاح في الموضوع، وحتى لا يبقى مضمون الفصل 35 عبارة عن كلمات إنشائية، جاءت الفقرة الثالثة من الفصل 36 من الدستور لكي تحسم في الموضوع، وتحوِّل المبدأ إلى قانون “يعاقِب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية”. الواضح من هذه الفقرة، أنها تمنع على أي مسؤول عموميّ كيفما كانت هويته – لأن الدستور فوق الجميع – بأن يَستغِلّ منصبه، لكي يُقدِم على أي عمل من شأنه المساس بحرية المنافسة.

الواقع، أن إفراد بعض المغاربة بمِنح ريعية، يخالف مبدأ التنافسية، ويُدخل العملية ضمن دائرة الوصولية واستغلال علاقات القرب، سيما أن أغلب الذين يتحصّلون على تلك “الكريمات” هم بالقطع ليسوا أسوأ حالا من كثير من المغاربة، والدليل على ذلك أن البيانات التي نشرتها وزارة النقل في ما يخص مالكي تلك الرخص، أظهرت بأن جل من يتوفر على رخص النقل مثلا، هم ضمن الأوساط الميسورة، من قبيل ممثلين يعيشون في رفاهية، أو برلمانينن تقاضوا أجورهم طيلة مدة انتدابهم، أو لاعبي كرة قدم يملكون مقاهٍ ونواد رياضية، أو شركات مجهولة الإسم، كما أن روايات سائقي سيّارات الأجرة وحافلات نقل المسافرين تبين أن أصاحب “رخص النقل” التي يكترونها، عائدة إلى أطفال صغار بعضهم لا يزال في حِجر “أمّه”، وبعض الرّخص عائدة إلى زوجات مسؤولين في بعض المؤسسات.

إن مبدأ التنافسية الحرّة الذي ينصّ عليه الدستور، لا يقتضي منح المزيد من “الرخص” وتشيجع المواطنين على الربح الرّيعي، وإنما يقتضي تحرير قطاع النقل والصيد في أعالي البحار، وجعل إخضاع استغلال المقالع والأراضي المملوكة للدولة لقوانين الصّفقات العمومية. دون أن يمنع ذلك الناس أو المسؤولين من الإقدام على فعل خير، لكن لا ينبغي أن يكون فعل الخير على حساب ثروات البلاد، التي أمر الدستور بحمايتها، وإنّما يكون عمل الخير من الأموال الخاصّة.

كما أن التدرّع بقضية الخدمات التي قدّمها من تحصّلوا على “الكريمات”، يُعتبَر أمرا متهافتا من عدة نواحٍ؛ فهل ما يقدّمه الريّاضيون للمغرب، أفضل مما يقدّمه عاملو المناجم والمستخدمون في قطاع الفوسفاط مثلا؟ وهل ما يسديه الفنّانون للعلم المغربي، خير من الذي تسديه الجالية المغربية في الخارج التي تتعب من أجل تحويل العملة الصعبة لميزانية المغرب؟ وهل ما يقدّمه البرلمانيّون وبعض القيادات المتنفّذة في بعض المؤسسّات أفضل مما قدّمه رجال التعليم ونساؤه؟ وهل خمسة أدوار لممثّلة خير للمغرب من عشارات المؤلّفات ومئات الدراسات العلمية المنشورة في كبريات المجلات العالمية التي أنجزها رجل عانا التهميش في صحّته ويعاني النسيان في مماته مثل العالم الكبير المهدي المنجرة والذي لم يُتذكّره ولو بإطلاق اسمه على مدرسة أو مدرّجٍ؟

أما مسألة حاجة أصحاب الرّخص، لدخل يؤمّن تقاعدهم من الرياضة أو الفن أو السياسة، فهذا أمر أيضا متهافت، مادام أغلب المغاربة قد قدّموا تضحيات كبيرة لبلدهم، إلا أن مستقبلهم يضل مجهولا، ومنهم مَن على الرغم مِن إفناء جل عمره في الدّفاع عن أرض المغرب، إلا أنه لا يتوفّر على مسكن يأوي فيه أولاده.

فإذا ما أردنا أن نضمن التقاعد المريح للمواطنين المغاربة فيجب أن يكون ذلك بالنسبة للجميع، لا أن يقتصر على أولئك الذين كانت لديهم فرصة لطلب الرّخص، وإلا فإننا سنحوّل جميع المغاربة لمطاردِين للسيارات التي لا تحمل لوحات، علّهم يجدون من يمنحهم رخصة لسيّارة أجرة أو حافلة نقل، أو بقعة سكنية، أو كم هكتار من أراضي صوديا وصوجيطا. إن السؤال القائل: أعطيك سمكة وتعيش ليوم واحد، أم أعلّمك صيدها لكي تعيش باقي أيامك، يجب أن تؤول الاجابة عنه لصالح الشقّ الثاني منه، إذ ينبغي أن يسود أي اقتصاد يروم التطوّر، منطق مراكمة الانتاج، وصيانة الثروات، وتكريس مبدأ المال لمن يعمل عليه. أما استدامة “الريع” والتشجيع عليه، فهو لن يزيد التدهور إلى تدهورا.

تعليقات الزوّار (0)