https://al3omk.com/324133.html

أعروص .. شاب يستعين بـ”الكاليغرافي” للتعريف بتراث الأمازيغ والعرب معارضه تزيد عن الأربعين معرضا

بدأ في سن مبكرة مسيرة البحث عن الذات والهوية في مجال الفن التشكيلي، تنقل بين الانطباعية والتجريدية والخط العربي، معارضه تزيد عن الأربعين معرضا، لوحاته تحكي غنى التنوع وتمزج بين الثقافتين الأمازيغية والعربية، ساهم بخبراته في تنظيم مهرجانات وملتقيات دولية للفن التشكيلي بمدينته إمزورن، إضافة لتأطيره لعشرات الورشات وانجازه لمئات الجداريات بأزيد من 23 مؤسسة تعليمية رفقة فريق جمعية أونلاين.

في هذا الحوار، يتحدث الفنان الكاليغرافي “عماد أعروص” عن بداياته الأولى ومسار نجاحه في العمل الفني والجمعوي، محاولا من زاويته تشخيص واقع ومستقبل العمل الجمعوي عامة والفن التشكيلي خاصة بمنطقة الريف.

تحدث لنا عن ميلادك ونشأتك ودراستك؟

ولدت في 10 فبراير 1997 بمدينة الحسيمة، التحقت بمدرسة وادي الذهب الابتدائية بامزورن ثم تابعت دراستي بثانوية القدس الإعدادية، كنت كمثل زملائي تلميذا نشيطا مجتهدا بالرغم من أن مساري الدراسي عرف تعثرات وربما اخفاقات مرحلية.

كنت شغوفا بمادة اللغة العربية حتى أني كنت أفكر بمسار مستقبلي فيها. مادة التربية التشكيلية لم تكن بداية تعني لي الشيء الكثير، لا أدري لماذا وكيف؟ لكن ما أود الاشارة إليه هنا، أن الأستاذ باعتباره إطارا موجها ومحفزا وحتى ربما ملهما يمكن له أن يلعب دورا في تحبيب المادة للمتعلمين أو نفورهم منها، معي أنا حصل العكس، درست مادة التربية التشكيلية مع نفس الأستاذ طيلة أربع سنوات، بدأت متحمسا جدا لاكتشاف عالم الفن التشكيلي وسبر أغواره إلا أني لم أجد في طريقي من يعينني، انخرطت في مسار التعلم والاكتساب الذاتي إيمانا مني بأن العلم لا حدود له وأن التعلم ليس حكرا على فئة دون أخرى.

من ساهم في تشجيعك وتوجيه مسارك للفن التشكيلي؟ وماذا حدث حتى انقطعت عن دراسة شعبة الفنون التطبيقية؟

المصدر الأول لتشجيعي طبعا هما والدي الحبيبين أطال الله في عمرهما، اذ منذ بدايتي في هذا المجال لم أسمع منهما إلا الكلام الطيب والحث الدائم على مواصلة المشوار. فالبيئة الحاضنة للفرد تساهم بدرجة معينة في تكوينه وتوجيهه لأفق معين، هذا ما حصل معي بالضبط، فأنا أنتمي لأسرة علمتها تجارب الحياة الشيء الكثير، لم تعمل أبدا على تحطيمي بل وقفت جاهدة على تنمية أماني وقدراتي، أسرة اقتنعت بأفكاري وأعجبت من البداية بفني الهادف وساهمت بإبراز ابداعاتي في مجال الفن التشكيلي للوجود.

موازاة مع دراستي، كنت أنجز أعمالا تشكيلية عبارة عن جداريات في بعض المؤسسات التعليمية، صادف مرة أن اطلع حارس عام اعداديتي، الأستاذ حسن، على بعض أعمالي المنجزة، الأمر الذي لقي إعجابا واستحسانا وتنويها منقطع النظير منه، فثناؤه وتقديره لي واستشرافه لي بمستقبل زاهر وسط الأطر الإدارية وزملائي التلاميذ، شجعني وحفزني على البذل والعطاء في هذا الميدان.

إلى جانب الأستاذ حسن هناك الأستاذة، غزلان الصغير، لا زلت أتذكر يوما أنها قالت لي ”إذا انقطعت عن الدراسة، سيكون الأمر أكبر خطأ وجريمة ستقترفها في حقك وفي حق المحيطين بك”، أمدتني بالكثير من الأمل والحقيقة والوضوح، ساهمت بمعلوماتها النيرة في نجاحي وتوجهي لشعبة الفنون التطبيقية بثانوية مولاي علي الشريف التأهيلية.

كنت أول المقبولين من أصل دفعة فوجي، درست عاما واحدا هناك، حدث أنه بعد اجتيازنا للامتحانات وصلتنا رسالة من الإدارة بقرار ايقافنا بدعوى حدوث حالات غش كنا نحن طرفا فيها حسب ما جاء في بيان تبريرهم للقرار، بعدها مباشرة تلقينا اتصالات لعدد من أساتذتنا يستنكرون ما حدث في حقنا.

قرار الإيقاف لم يؤثر شبرا واحدا في مواصلة طموحنا وآمالنا في مجال الفن التشكيلي، على العكس من ذلك تماما، حفزنا وزادنا ايجابا وإصرارا على شق طريق النجاح ولو تطلب الأمر ذلك أن نقطع المسار منفردين.

الكثير من لوحاتك تحكي غنى التنوع والتسامح. ما هي النوعية أو الأسلوب الذي تشتغل به في مجال الفن التشكيلي ؟

بداية تأثرت بفناني الانطباعية ثم التجريدية، بعدها لفت انتباهي جمال وبهاء الخط العربي، الذي أضحى الآن حضوره شبه دائم في لوحاتي.

أشتغل بالضبط على فن الكاليغرافي، الذي يمزج بين واقع المجتمع والخط العربي، هذا الأمر اقتنعت به في مسيرة البحث عن الهوية والتوجه في الفن التشكيلي، لوحاتي تمزج بين الثقافة الأمازيغية والثقافة العربية، محاولا فك تلك الحدود المتشعبة والمتشابكة بين الثقافتين ولو برسالة الفن، لإيصال مبدأ لا محيد عنه، بكوننا شعب واحد، أصيل، متسامح ومنسجم بأعراقه وأجناسه المختلفة.

أقمت عشرات المعارض الفنية محليا وجهويا ووطنيا، تحدث لنا عن هذه التجربة؟ وعن لوحة ربما استثنائية، أبدعتها ولقيت تنويها من العامة؟

شاركت في إقامة العديد من المعارض الفنية منذ سنة 2013، فيما يزيد عن 40 معرضا. خلال السنتين الأخيرتين نظمت بتنسيق مع عدة فعاليات أزيد من 10 معارض احترافية، أسعدتني كثيرا وارتحت لها، لأني بفضلها استطعت أن أتحدث عن واقع منطقتي بلغة الفن التشكيلي، وهذا في حد ذاته شرف عظيم.

عرضت لوحاتي في مدن: الحسيمة، تارجيست، امزورن، تطوان، بني بوعياش، وجدة، الناظور، كاسيطة، طنجة….، جميع اللوحات التي أنجزتها تطلبت مني الكثير من الوقت، الجهد، التفكير والتأمل. أورد هنا لوحة لسيدة أمازيغية، أنهيت العمل بها خلال العام الماضي من اليوم العالمي للمرأة.

اللوحة تجسد تاريخ سيدة متمسكة بثقافتها وهويتها رغم ما عانته وما تعانيه ليومنا هذا من مختلف أشكال الظلم والتهميش… ربما جزء من ثقافة الذاكرة أو مجموع أحاسيس الذات من وجه يداي لتحكم بشكل بارز على ملامح تلك السيدة الأمازيغية.

أستحضر هنا أن مسؤولا كبيرا زارنا يومها في المعرض، وقال لي “أحسنت عماد، لخصت في هذه اللوحة تاريخ مجتمع وأمة”.

أنت أيضا فاعل جمعوي في مدينة امزورن، تحدث لنا عن هذه التجربة؟

انطلقت مسيرتي في العمل الجمعوي مع فريق “ألوان للثقافة والفنون” كمنخرط في بداياتهم الأولى، ساهمت من موقعي إلى جانب الفريق الذي كنت معه في تنظيم مهرجانات وملتقيات دولية للفن التشكيلي في الكثير من النسخ والمحطات.

بدأنا تجربة جديدة مع فريق “مجموعة أونلاين” منذ ما يزيد عن سنتين، بايمان ومجهود جماعي، لا زلت أتذكر أن أول عمل تطوعي قمنا به جاء صدفة، كان في أول أيام عيد الأضحى قبل سنتين، حين لاحظنا الوضع السيء للكثير من الأحياء، حيث يغيب عمال النظافة في تلك الفترة لقضاء إجازة العيد وتتكدس القمامة والجلود…

اقترح الزميل “سفيان العشير” فكرة القيام بحملة لتنظيف الأحياء وتوعية المواطنين بواجبهم، لقي الأمر استحسان الجميع ومن ثم بدأنا، فتلك المبادرة الطيبة التي جمعتنا على فعل أعمال الخير والتطوع ونشر الوعي كانت بمثابة الانطلاقة الحقيقية للمجموعة التي جمعت ربما ولأول مرة في تاريخ المنطقة خيرة الشباب المبدعين في مجال الفن التشكيلي، حيث اجتهدنا للقيام بمبادرات نموذجية تمثلت أساسا في تأطير عشرات الورشات في مجال الرسم بأزيد من 23 مؤسسة للتعليم الأولي في المجال القروي، مع إنجاز مئات الجداريات والرسومات، اضافة إلى نشر ثقافة المحافظة على البيئة والتربية الفنية والمسرح من خلال القيام بالعديد من المسابقات في هذا الإطار.

شخصيا لم يمنحني العمل الجمعوي لا مالا ولا مادة، نحن آمنا بقيم التطوع والتضامن والعدل والتسامح، إضافة لأخذ المبادرة والفعل والمساهمة من موقعنا في بناء محيطنا ومجتمعنا للسير به نحو الأفضل.

هذا المجال يمنح للفرد شخصية وتجارب انسانية لا يمكن أن تنمحي أو تغيب، نضحي بالكثير من وقتنا وجهدنا ومالنا، لكن حين تقدم عملا أو فكرة أو منتوجا معينا للعامة وتحس فعلا بأن الرسالة وصلت وبأن الكثيرين استحسنوا عملك وينظرون إليك بعين الرضا فهذا أمر مشجع ويدفعك لبذل المزيد من الجهد والعطاء رغم كل شيء.

ماذا عن المشاكل والإكراهات؟ وكيف تشخص لنا وضعية الفن التشكيلي بصفة خاصة في منطقة الريف؟

قطاع الفن التشكيلي بالمنطقة يعيش لحظات عصيبة وظروفا خانقة ومريرة، السبب ربما غياب ثقافة الفن والاعتراف بالفنان مؤسساتيا ومجتمعيا، في ظل وجود فئات وأطراف تحاول أن تحتكر المجال لنفسها دونا عن غيرها.

هذا القطاع يعاني من عبثية وغياب رؤية وقرارات أحادية تتسم بعدم الإشراك، إذ أني أثناء إقامتي للكثير من المعارض التشكيلية كان العديد من المسؤولين الكبار في الكثير القطاعات يفدون تباعا لمشاهدة لوحات المعرض، القاسم المشترك بين غالبيتهم أنهم يتفننون في إبداع الكلام المعسل، الكثير منهم يحسنون بيع الوهم للأسف، والدليل على ذلك أني حين جهزت لاقامة معرض جديد للوحاتي، بجهدي الفكري والمالي والزمني لم أجد حتى قاعة مناسبة للعرض بمدينة امزورن ولذلك اتجهت صوب دار الثقافة بالحسيمة ثم إلى مدينة تطوان.

كان لي لقاء سابق مع مسؤول كبير في وزارة الثقافة، تبادلنا أطراف الحديث عن الوضعية العامة للفن بالريف، شخصت له الوضع وطرحت الكثير من النقاط التي لا نعرف نحن فناني المنطقة جوابا عنها لحدود اللحظة، منها:

– مصير ملفات فناني الحسيمة الذين تقدموا بطلباتهم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في أطار الإقامة الفنية، والذين لم يتلقوا جوابا لحدود اللحظة.

– الاقصاء المتعمد لفناني المنطقة من تنظيم معارض دولية لهم خارج أرض الوطن وسيادة مبدأ التمييز وعدم تكافؤ الفرص للأسف.

– غياب قاعات للعرض ودور الثقافة باستثناء دار الثقافة الوحيد بمدينة الحسيمة.

– عدم تقدير وتشجيع مجهودات الفنانين، فأنا مثلا نظمت عشرات المعارض في الكثير من المدن، أنفقت من جيبي ووقتي وجهدي الشيء الكثير، وقفت على مرارة المواقف، حين يأتي لقاعة العرض مسؤولون كبار ضمن الزوار، تجدهم يتوددون إليك بالكثير من الوعود الفارغة الكاذبة.

ماذا يلزم لتطوير الفن التشكيلي بالمنطقة؟ وماهي رسالتك للشباب؟

كثير ممن يشخص ويبدي تقييمه لمعالجة الأمور وفق تدابير معينة، البعض يعدد مصطلحات كثيرة من قبيل أننا نفتقر لرؤية ومرجعية واسترتيجية وخارطة طريق واضحة المعالم فيما يخص الفن بجميع فروعه وطنيا…

أنا أقول بأن هناك أشخاص في مناصب المسؤولية هم ليسوا أهلا له، لا يعملون ولا يتركون من يعمل. يجب أن نعترف بجزء من الحقيقة، وهي أن النهوض بقطاع معين يلزمه إرادة مشتركة في العمل، إرادة من يملك سلطة القرار في القطاع وإرادة فئات المجتمع كذلك، المسؤولية مشتركة بطبيعة الحال، هذا كل ما في الأمر.

وجب كذلك، إعطاء الفرصة للفنانين التشكيليين ودعمهم لإظهار ابداعاتهم والتعريف بها مع سن قانون واضح لحماية الفنان وضمان شروط أمثل لاستقراره الاجتماعي والنفسي ضمانا لاستمراريته في ترسيخ قيم الثقافة وتبليغه لهموم ورسائل المجتمع بلغة الريشة. إضافة إلى ضرورة تحييد وتجاوز منطق التمييز واستحضار مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص.

رسالتي للشباب وهي العمل ثم العمل والعمل، مع الانخراط بشكل جاد ومسؤول في طرح الفكرة وأخذ المبادرة والقيام بالفعل لأنهم جزء محوري ومفصلي في المجتمع، لا يمكن أن ننفي أو نتجاوز وجودهم. أحثهم أيضا على المساهمة في العمل التطوعي، لما له من دور في بناء شخصية الفرد واكسابه لقيم الأمانة والعدل والتسامح والتضامن.

في النهاية أقول بأن الوصول للنجاح يلزمه المحاولة مرات ومرات، فشل المحاولة الأولى لا يعني أبدا وبتاتا شيئا اسمه النهاية، النجاح يولد من قلب المعاناة أو كما يقال “من ذاك الألم يولد الأمل”.

حاوره: جلال الغلبزوري

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك