تبّاً لزمن يَسجُن فيه المتعلمُ المعلمَ !

تبّاً لزمن يَسجُن فيه المتعلمُ المعلمَ !

30 يناير 2020 - 22:41

عشنا منذ أزيد من ثلاث أسابيع ، على وقع محاكمة أقرب إلى السوريالية منه إلى الواقع.

محاكمة أستاذ تارودانت .

تبدأ الحكاية ، حين ينتقل فاعل جمعوي إلى دوار بإقليم تارودانت ، فيرى قريبة له بعينين متورمتين فيسألها ذاك السؤال البديهي :

من ضربك؟ فتجيب قائلة " ضربني المعلم"

ينقلها الفاعل الجمعوي إلى المدينة القريبة للعلاج, و تأتي الجرائد الإلكترونية لتغطية الحدث، و هنا نسأل عن ماهية الصدفة أم أنه كان إستدعاء ؟

فتتناقل المنابر الإعلامية الجادة منها و الخبزية ، الحدث ، دون أن يعيد أحد النظر في صحة الإدعاء، فنقرأ عناوين مستفزة و قادحة : نعم إنه الأستاذ ... ذاك الوحش اللآدمي الذي يضرب الأطفال الأبرياء، الذين يسبحون في بحر من السعادة و التفاهم الأسري ، و يعيشون طفولة مسالمة يأتي الذئب الشرير ليرخي عليها بظلال همجيته.

فيهيج الرأي العام ، فيبدأ قصف ممنهج للأسرة التعليمية، أساسه الحقد الدفين المبني على " ما كان ليكون " ، من طرف من يعلق شماعة فشله الدراسي على عرقلة أستاذه في السلك الإبتدائي منذ عشرات السنين.

ثم يأتي بعض السياسيين ليصبوا الزيت على النار، لتدفئة طموحاتهم الانتخابية، و تأتي حاشيتهم لمؤازرتهم طلبا لحماية آنية و مستقبلية .

ثم يخرج الأب بتصريحات مدينة لا يلتفت لها أحد في زخم المضاربات على شبكات التواصل الإجتماعية، إذ يصرح قائلا أن رجال الدرك نصحوه باستبدال الشهادة الطبية ذات ال 18 يوما ، بشهادة طبية تفوق العشرين يوما كي ينال "جيدا" من الأستاذ .

و هذا بحد ذاته جرم مبين، فشهادة أب "الضحية" إعتراف بتزوير ، مبني على تحريض من طرف رجال الدرك الملكي، على حد قوله، بصفتهم ضابطة قضائية وجب فيها التحلي بالحياد، و مؤازرة من طرف الطبيب الذي سلم الشهادة الثانية التي بنيت عليها القضية.

و إذ أن القضية مبنية على تغيير للحقائق، فلا قضية، و سجن أستاذ تارودانت ظلم مبين , وما هو في حقيقة الأمر إلا محاولة بئيسة لتدمير المدرسة العمومية.

انتقلت الرابطة المستقلة لأساتذة المغرب، لمؤازرة أستاذ تارودانت في مصابه و مصاب الأسرة التعليمية الجلل، فحضرت أطوار الجلسة الثانية لمحاكمة " المدرسة العمومية" ، فوجدت كما هائلا من فعاليات المجتمع المدني و النقابات ، و زملاء و أصدقاء و عائلة الأستاذ المظلوم، ووقفت مشدوهة أمام عمق الإيمان ببراءة ، كانت بالنسبة لها مسألة وقت حتى يظهر الحق و البيان، فإذا بالمحكمة تقرر مواصلة إعتقاله لأسباب بقيت مجهولة إلى حد اليوم.

كتبت الصحف و الجرائد و أسهبت في السؤال و الجواب، و لم يهدأ لها بال حتى صدر الحكم بسجن أستاذ تارودانت لمدة 10 أشهر، أربعة منها نافذة ، بالإضافة لغرامة مالية قدرها 40000 درهم، حكم نزل كالصاعقة على مسانديه، و كقطرات غيث على أعداء التعليم العمومي، الذين خرجوا في تدوينات فايسبوكية ليشمتوا في عدوهم اللذوذ: معلم في ضواحي تارودانت.

فقرأنا على صفحات جريدة معلومة التوجه و المسار مقالا، نفثت من خلاله كاتبته السم الزعاف، فهاجمت الأسرة التعليمية قاطبة متهمة إياها باستقاء هيبتها من التعنيف، منادية بالعدالة و الحياد، و الحال أن صاحبة الإفراز الصحفي المقيت، قد يقال الكثير عن انعدام حيادها و تحاملها المشين على المدرسة العمومية، و مؤازرتها لقضايا تضرب بعرض الحائط القومية العربية.

في حين تدافع الأسرة التعليمية عن أستاذها وهي متأكدة من براءته -التي تشبث أيما تشبت بها، و أعلنها في مقابلة يتيمة إعلامية، و خلال كل أطوار محاكمته الطويلة المريرة- فإنها غارقة في بحر من التساؤلات:

أو ليس التعليم رسالة مقرونة بالتضحية؟ أم هو حساب عقلاني مبني على أخذ و عطاء ممنهج مدروس لا مكان فيه للقيمة المضافة التربوية؟

أين الوزارة الوصية من مساندة شغيلتها التي بالإضافة للتدريس، تقوم بصباغة الأقسام و تنظيم أنشطة ثقافية و تربوية و فنية و بيئية، غير مؤدى عنها ، إذ أنها مبادرات شخصية إنسانية ؟

أين دعم الأسرة التي استقالت من دورها في التربية و أصبحت سجانا و هي شريكة أساسية في العملية التعليمية؟

من يحمي الأستاذ من تهم ستنسب إليه ظلما و عدوانا، لأنه الدرس الذي استفادته بعض الأسر الإنتهازية، فقد سمعوا عن مطالبة بغرامة تصل إلى حدود العشرين مليارا في ثانية؟

كيف سيعمل الأستاذ بأريحية و هو سجين في حالة إطلاق سراح ، يمكن أن يغدو في خبر كان بشهادة طبية مزورة باطلة؟

كيف سيتعامل مع أوضاع هشة تضرب بعرض الحائط، رسالته التعليمية؟ هل يكمل في التضحية و يداه ممدودتان لقيود إفتراضية ، قد تتحول في أي لحظة لأغلال حقيقية؟ أم أنه سيراجع حساباته، ويحمي نفسه من ممارسات نبيلة لكنها غير قانونية ؟

تتأرجح الآراء و المواقف، و يبقى التوجس سيد الموقف ... فالأمل في الإستىئناف كبير، و إن غدا لناظره قريب.

كلنا أمل في نزاهة و حياد القضاء الذي نؤمن بعدله و تبصره، و كم من ملف تمت فيه تبرئة ساحة متهم، تيقنت العدالة لاحقا من صدق أقواله وأضيفت لملفه قرائن جديدة تفيد براءته.

تحية عالية للمنابر الصحفية والإعلامية النزيهة التي لم تتبع رياضة ركوب الأمواج، فأبانت عن حياد ومصداقية ، تجذرت بمواقف كانت الإستقامة توجهها و البحث عن الحقيقة نضالها.

تحية عالية للأسرة التعليمية، التي أبانت عن تضامن لا مشروط، و مساندة حقيقية و فعلية، فوقفت وقفة رجل واحد لتتصدى لتجبر و طغيان أعداء المدرسة العمومية.

دام المعلم نورا يضيء ظلمات الجهل، و دامت التضحيات و التفاني عناوين عريضة لرسالة إنسانية نبيلة، رسولها الأستاذ، و حجها المدرسة، و عقيدتها المعرفة و العلم.

دمتم و دمنا جسدا واحدا، ملتحما، متضامنا، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له الجسد بالسهر و الحمى !

و لا عزاء للحاقدين .

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

منطق فئة من المغاربة ومنطق القانون

ستبقى ذكراك يا عدنان في قلوب جميع المغاربة

المجرم الذاتي

تابعنا على