أية حرية في ظل رقابة الأجهزة الرقمية؟

أية حرية في ظل رقابة الأجهزة الرقمية؟

01 أغسطس 2020 - 22:08

ربما بدأنا نعيش حاليا لحظة تحول عميقة بدأت تهز كيان المجتمع، لعل من أبرز تجلياتهــا الانتشار الواسع لوسائل الاتصال والتواصل الحديثة، المقترنة بوجود أدوات تكنولوجية ذكية ومتطورة تتسم بخاصية التعدد والتنوع، هاتف نقال، حاسوب، تلفاز… وحتى إذا ما أضيف إليها وسائل الربط بالأنترنت تحولت هذه الأجهزة، رغم “تنوعها الظاهري” إلى جهاز واحد يكمل بعضه البعض ويلعب نفس الأدوار فيما يخص الإسهام في تدفق المعلومة ودورانها وتخزينها بأشكال وأنواع مختلفة نصوص مكتوبة، صوت، صورة.

في ظل هذه الأجواء، صارت للمعلومة “البريئة” الملتقطة، عبر هذه الأجهزة الرقمية، أهميتها الخاصة باعتبارها قد أضحت حلقة أساسية في مسار تشكيل الصورة النهائية “لأي حدث” كيفما كان نوعه، كما استطاعت بموجب الذكاء الاصطناعي الذي تحظى به ومع اعتبار خاصية التخزين والبرمجة والسرعة وإمكانية معالجة المعلومات إلى زحف هذه الأجهزة إلى مجالات أكثر دقة مرتبطة بالتوقعات والتخطيط، وصارت لها كل الأهمية فيما يخص تسهيل مأمورية اتخاذ القرار، هذا التحول المجتمعي الكبير صار له توصيف ثلاثي الأبعاد يصطلح عليه بعصر البيغ داتا، أنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي.

في هذا السياق، وإلى جانب الاستخدامات الإيجابية لهذه التكنولوجيات في عصرنا الحالي، صارت الرقابة “مضروبة” على الإنسان إلى حد كبير، إذ بفعل “تسمر” جهاز “التلفاز الذكي” وسط الصالة الكبرى للمنزل، صارت معلومات البيت المرتبطة بالإحداثيات الجغرافية وبمكان تواجد البيت والإقامة معروفة عبر الأنترنت على وجه الدقة والتحديد، بفعل الكاميرات المثبتة أمام مخارج البيوت وفي الشارع العام والمحلات، صارت صور الشخص وتحركاته متاحة، وبفعل الاستعمال والإبحار في الأنترنت سواء عبر الحواسيب أو الهواتف النقالة صار يتم التعرف على مجموع العلاقات التي ننسجها مع بعضنا البعض، كما صار بالإمكان معرفة الاهتمامات، الاختيارات، والأذواق.

لقد بدأ يوتيب على سبيل المثال فقط يقدم لنا قائمة ما نعشق من أخبار وفن عبر ماضينا في الإبحار الذي يحفظه عن ظهر قلب، كما أصبح “يقرأ” نوايانا عبر تقديمه لوجبات تقترب مما نريد، إذ أصبح يعرف بحسب الإحصائيات التي يمتلكها، أن من يستمع إلى أم كلثوم مثلا يعشق كذلك الاستماع إلى عبد الحليم، ولذلكم ما أن يتم البحث في محرك بحث يوتيب عن أم كلثوم حتى يقدم إليك عبد الحليم وكأنه قد قرأ فنجانك.

استخدام التكنولوجيا، أصبح يسهم أيضا في إعطاء صورة ربحية لفائدة المقاولة، بحكم أن هذه الأخيرة وعبر العديد من التطبيقات وتقاطع المعلومات عنا أصبحت تقترب من اختياراتنا ورغباتنا، بحيث صارت تقترح علينا العديد من المنتوجات التي قد نكون نفكر فيها ونحن نبحر في الفضاء الرقمي، كما أصبحت المعلومات الملتقطة عبر التكنولوجيات تسهم في تنظيم عمليات المرور، إذ أصبحت تدخل في معادلات رياضية، تعطي بموجبها الأسبقيات فيما يخص إشعال الضوء الأخضر أو الأحمر حسب الضغط على الطرقات، لقد دخلت التكنولوجيا أيضا إلى مجال التأمين، بحيث أن التأمين أصبح يتم مع الفرد انطلاقا من مجموع المعلومات المتوفرة عنه، ملفه، سوابقه الصحية، مستواه الدراسي، متوسط عمر أفراد عائلته وليس بالمنطق السابق المستند على المعلومات المرتبطة بحياة المجموعة.

نفس الأمر أصبح يتم مع التخزين، تخزين المعلومات، إذ أن أبسط شيء أصبحنا نقوم به أصبح يخزن في جهاز كبير، وبإمكان هذا الجهاز الكبير أن يتحدث عنا في أي وقت وحين، نتذكر هنا ما وقع في حادثة قطار مدريد، بحيث وفي سياق المحاكمة جيء بأحد المحادثات السابقة التي كان قد أكد فيها سائق القطار في النت على عشقه للسرعة، وبموجب هذا “الاعتراف” تعزز سجله الذي قضا بالإدانة، إسهام التكنولوجيا بدأ يتجه أيضا صوب المجال السياسي، وإلى قراءة الميولات والرغبات واتجاهات الرأي، وقد بدأت التكنولوجيا عبر ما تيسر لها من معلومات، تقربنا من معرفة الحزب الذي يحظى بالشعبية، وقد يكون لها “رأيها” في توجيه هذا الرأي العام، من خلال ما يمكن أن تقره من سياسات من داخل نفس الفضاء الرقمي.

باختصار، لقد صار كل ما نقوم به عبر مختلف الوسائط والآليات الرقمية يدفع في اتجاه تشكيل وتحديد نوع من الهوية الرقمية عنا، نوع من “السجل المركز” الذي بإمكانه أن يحكي عنا في غيابنا، وبإمكانه أن يقدم عنا صورة “عن بعد” أكثر دقة مما يمكن أن نحكي عنه حضوريا، ولذلكم فقد بدأ السباق يتم على أمثال هذه السجلات في الخفاء من أجل الفهم والرصد ورسم الاستراتيجيات وتحريك مجمل العجلات الاقتصادية والأمنية وو.

ولذلك تبدو أهمية أن نمعن في التفكير مليا قبل الإقدام على الكتابة أو التعليق أو “رمي” صورنا الشخصية من داخل الويب أو مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها تبقى مثبتة مع الزمن ويمكن لأيادي السوء أن تستغلها سلبيا في أمور قد تهم حياتنا ومستقبل أبنائنا، وهو ما يعطي كذلك راهنية لمسألة احترام الخصوصيات ولحماية المعطيات الشخصية ويطرح ألف سؤال حول حدود حريتنا ومستوها في ظل كل هذه الرقابة المضروبة علينا من طرف هذه الأجهزة الرقمية.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مقاطعة فرنسا وتأديب ماكرون وبذور الحقد والكراهية والتعصب الديني!

الحوار الليبي بالمغرب والتفاعل الدولي

حديث في ما جرى

تابعنا على