الديكتاتوريات العربية والحركة الصهيونية وجهان لعملة واحدة

الديكتاتوريات العربية والحركة الصهيونية وجهان لعملة واحدة

15 أغسطس 2020 - 14:30

عندما ننظر إلى عَلَمِ الكيان الصهيوني الزائف، نرى خطان زرقاوان تتوسطهما نجمة سداسية، وهي إشارة توضح مملكة بني صهيون من النهر إلى النهر؛ أي من الفرات إلى النيل، لكن مع الانحطاط السياسي الذي تعرفه الدول العربية قد تنفتح شهية الكيان الصهيوني أكثر فأكثر، فيتحول الشعار إلى: “اسرائيل من البحر إلى البحر” أي من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي. وعندما نعلم يقينا أن عدد اليهود في العالم لا يتعدى 15 مليون والنصف المليون يهودي، وليسوا كلهم مع قيام كيان صهيوني، ينتصب أمامنا سؤال بل لغز مُحَيٌّرُُ للغاية مفاده: كيف يتصور الصهاينة حكم كل هذه الجغرافيا بهذا العدد القليل من السكان؟ والجواب أن المدعوة «إسرائيل» تطمح إلى خلافة تلمودية في المنطقة تعيد مملكة داوود وهيكل سليمان…، أي حكم مركزي في الشام وإمارات تابعة لها في باقي الدول المسماة عربية بعد تأكيد حكامها وأدائهم طقوس الولاء التام لهذا الكيان. من هذا المرتكز الاستراتيجي نفهم كل ما وقع من عمليات تقويض التجارب الديمقراطية في الوطن العربي(الجزائر كمثال)، وإفشال كل الحَرَاكَات والثورات، ثم نفهم لماذا الدعم المطلق لكل الانقلابات والسكوت على تبعاتها الإجرامية من قتل وسجن وتشريد وتهجير وإذكاء للحروب الأهلية…، كما نفهم لماذا دعم كل الديكتاتوريات المستبدة في هذه الجغرافيا دون غيرها. إن الكيان الصهيوني في أمَسِّ الحاجة إلى الحكام المستبدين في المنطقة لممارسة عملية “سَبْيِ الشعوب” وجعلها في خدمة خلافة أو مملكة بني صهيون المزعومة، فالحكام مهمتهم مزدوجة، الأولى قمع الشعوب كل حسب خصوصية بلده، والثانية جعل البلد مفتوحا أمام المخططات الاقتصادية والسياسية الصهيونية. وبهذا يحلم الكيان الصهيوني ذات يوم أن يكون الشرق الأوسط الجديد الذي يضم أيضا شمال إفريقيا تحت حكمه وإِمْرَتِهِ. إن الحرب المستعرة اليوم في اليمن وسوريا وليبيا، وحالة اللااستقرار القائمة في العراق والسودان ولبنان والأردن ومصر وفي غيرها من الدول العربية كلها تسير في خدمة المشروع الصهيوني الكبير الذي يتوخى تربية أجيال مقطوعة عن التاريخ لا غاية لها سوى البحث عن رفاهية العيش ولو مع الشيطان. إن استحضارنا لهذا التحليل الكلي (Macro) يجعلنا ندرك أهمية المقاومة الفلسطينية وما قدمته من إنجازات استراتيجية تمثلت بالأساس في تعطيل المشروع الصهيوني في مَشْتَلِهِ ومَنْبَتِهِ، وإشعاره بالفشل الذريع بل وإصابته باليأس تجاه الحلم الأزرق الموعود. إن المقاومة الفلسطينية في حقيقة الأمر لم تكن تدافع عن نفسها ولا عن أرضها فقط بل كانت بمثابة جبهة أمامية للدفاع عن كل الدول الواقعة بين الخطين الزرقاوين؛ وبالتالي فإن الشعوب الحرة عندما تقف مع المقاومة فإنها تدافع عن نفسها وتدرأ عنها نظام السبي الذي ينتظرها. إن معركتنا ضد الاستبداد والديكتاتورية القُطْرِيَة يندرج ضمن المعركة الكبرى التي تهدف تقويض المشروع الصهيوني الكبير الذي من أهم لبناته في المنطقة حكام ذوو قبضة حديدية وشعوب ذاعنة تمشي وراء حكام خانعين يمشون هم كذلك وراء الصهيونية المتسيدة. وبهذا فإن كل حركات التغيير والإصلاح والممانعة في الوطن العربي عليها أن تستحضر الآتي:

– تجنب إدخال الدولة في الفراغ والفوضى والعنف السياسي بمعنى ضرورة الحفاظ على كيان الدولة والسعي لتغيير النظم الفاشلة والمنتجة للفشل والتبعية.
– اعتبار أن السعي نحو تحقيق الديمقراطية و العدالة الاجتماعية هو تقويض لأهم أركان المشروع الصهيوني المتمثل في الاستبداد الرامي لصناعة حكام رعاة وشعوب قطعان.
– دعم كل حركة مجتمعية تحررية ممانعة تتبنى قيم الحرية المسؤولة والمساواة والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الاصطفافات الإديولوجية.
– الدفع بفصائل المقاومة الفلسطينية نحو رس الصفوف ووحدة الموقف في أفق توحيد وجمع فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات على كلمة سواء ومشروع تحرري واضح المعالم.
– الاقتناع أننا أمام معركة تحررية كبرى، إذ أننا لا نواجه فقط حكاما محليين بل إننا نواجه حركة صهيونية عالمية موحدة تسير بتخطيط قبلي وتنظيم محكم صوب مشروع الحلم الأزرق، وبالتالي على كل الممانعين والراغبين في التغيير أن يتكتلوا ويتوحدوا في تحديد عدوهم الاستراتيجي حتى لا يسقطوا في معارك هامشية تلهيهم عن الغاية الكبرى، وهو ما نراه من تسابق على الانتخابات، ومحاولة السيطرة على المجالس، واختزال الصراع في الإيديولوجيا… .

إن واجب الوقت السياسي اليوم هو الوعي بطبيعة هذا الصراع، والوعي بِكِبَرِ حجمه، والوعي بضرورة التكتل وتأجيل الصراعات الإيديولوجية الضيقة، والسعي لتجسير العلاقات بين سعاة التغيير، ثم تحديد الأولويات بدءا من تقويض الاستبداد ووضع دستور يخدم الشعب ويقوي الدولة في ظل حكومة وحدة وطنية لمدة معتبرة تكفي لمحو ما خلفه الاستبداد من طبقية، واقتصاد الريع، وتهريب للثروات، وتهميش للكفاءات… .

وزبدة القول إن معاداة الصهيونية تعني معاداة المشروع الصهيوني الذي ينظر إلينا وإلى الأجيال القادمة باعتبارنا سبايا علينا أن نؤدي ضريبة السبي الفرعوني الأول، والسبي البابلي الثاني، وباعتبارنا مجرد خدم في مملكة بني صهيون المزعومة والمدعومة من طرف الديكتاتوريات الحاكمة. بهذا التصور وهذه الخطة يأمل الكيان الصهيوني أن يحقق حلم تحكم 15 مليون يهودي من شداد الآفاق في أكثر من 260 مليون عربي وأمازيغي في جغرافيا سموها زورا بالشرق الأوسط الجديد. إن وظيفتها اليوم إلى جانب تقويض الاستبداد، تكمن في تربية الأجيال الصاعدة على معرفة العدو الاستراتيجي للأمة والمتمثل في الكيان الصهيوني، الذي شكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حجرة عثرة في وجه أي خطوة للوحدة او الإقلاع التنموي، ثم تربية هذه الأجيال كذلك على جعل القضية الفلسطينية بوصلة في القلوب والعقول نحو أي فعل تحرري. وفي الأخير أقول لكل اليائسين والفاقدين للأمل المستسلمين لجبروت الحكام، لا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الذين حكموا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم مزبلة التاريخ وبئس المصير!

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

فرنسا.. لماذا معاداة الإسلام؟

أزمة “ديمقراطيتنا” وثالوثها المحرم

كاتب رأي

استباحة جيوب المغاربة!

تابعنا على