في حلقة جديدة من برنامج “صرخات من الهامش”، أكد الناشط الحقوقي سعيد ألعنزي تاشفين أن النقاش الدائر حول مشروع مدونة الأسرة الجديدة لم يسبق له مثيل في تاريخ التشريع المغربي، مشددا على ضرورة إدارة هذا النقاش بشكل مسؤول وتجاوز التوظيف الأيديولوجي.
وأشار ألعنزي تاشفين إلى أن إدارة هذا النقاش لم تكن متكافئة بين جميع الأطراف، حيث يرى أن طريقة وزير العدل لم تكن سليمة في التعامل مع هذا الملف الوطني الحساس. في المقابل، أدار الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين ورئيس المجلس العلمي الأعلى، النقاش بمنهجية احترافية تضمن إشراك جميع المؤسسات والهيئات المعنية.
وفي هذا السياق، يدعو ألعنزي الفرقاء السياسيين، سواء التيار الإسلامي الأصولي السلفي أو التيار الحداثي الديمقراطي العلماني، إلى التحلي بالنضج والمسؤولية، مشددا على ضرورة تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي بين الطرفين.
وقال الناشط الحقوقي أنه لا ينبغي للتيار الحداثي استخدام المدونة لتصفية الحسابات مع التيار المحافظ، كما لا يحق للأخير فرض وصايته على المجتمع، مؤكدا أن المغرب بلد متنوع يحتضن مختلف التيارات الفكرية، وعليه فإن الحوار يجب أن يكون وطنيا جامعا.
وشدد تاشفين على ضرورة بناء رؤية توافقية تأخذ بعين الاعتبار المرجعية الدينية للمغرب، مع الحفاظ على الخيار الديمقراطي المنصوص عليه في دستور 2011. وأكد أن الهدف يتمثل في صياغة مدونة أسرة تعكس الهوية الوطنية للمغاربة، دون أن تتعارض مع مساعي الاندماج في المنظومة الحقوقية العالمية.
وخلال الحلقة السادسة من برنامج “صرخات من الهامش” يطرح ألعنزي تساؤلا جوهريا حول مدى قدرة التشريعات وحدها على الحد من ظاهرة تزويج القاصرات، مؤكدا أنه رغم أهمية رفع سن الزواج ومنع تزويج الفتيات دون سن 18 عاما، إلا أن الواقع الاجتماعي في المناطق المهمشة لا يزال يدفع بعض الأسر إلى تزويج بناتها بالفاتحة.
وشدد على أن الحل لا يكمن فقط في سن القوانين، بل في معالجة الأسباب العميقة للظاهرة، وعلى رأسها الفقر والتهميش. فمدونة الأسرة ليست مسؤولة عن تعثر التنمية أو عجز الدولة عن توفير الخدمات الأساسية، إلا أن القضاء الأسري يجد نفسه في مواجهة تداعيات هذا الواقع. لذا، فإن فرض قيود قانونية دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية سيكون غير مجد.
في سياق متصل، انتقد ألعنزي النظرة الانتقائية لبعض الحقوقيين الذين يركزون على قضية زواج القاصرات، بينما يغضون الطرف عن معاناة الفتيات اللواتي يتم تشغيلهن في المنازل منذ سن 15 عاما، أو العاملات المغربيات في حقول الفراولة في إسبانيا، حيث تُترك أطفالهن في القرى دون رعاية، مؤكدا أن أي إصلاح للمنظومة الحقوقية يجب أن يكون شاملا ومتكاملا، بعيدا عن الاستغلال الإعلامي أو الأدلجة.
وخلص الباحث في سوسيولوجيا الهوية إلى أن المطلوب اليوم هو مقاربة واقعية وعملية لإصلاح مدونة الأسرة، تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع المغربي، إذ لا يمكن فرض قوانين تعكس واقع النخبة في المدن الكبرى على مجتمع يعيش تحديات معيشية يومية، كما لا يمكن تبرير استمرار بعض الممارسات التقليدية بحجة أن “الواقع لا يرتفع”.
وأكد على أنه يجب أن يكون الهدف هو سن تشريعات تحقق العدالة وتحمي الحقوق، دون أن تكون مجرد نصوص نظرية منفصلة عن الواقع، مضيفا أن بناء نص قانوني متوافق مع المرجعية الدينية والأخلاقية للمغاربة، مع مراعاة مستجدات العصر، هو السبيل الأمثل لإصلاح حقيقي يحقق التوازن بين القيم الدينية والحقوق الكونية.