النزاع العسكري الروسي الأوكراني نزاع امتد أكثر من ثلاث سنوات، تداعياته الاقتصادية والسياسية لا زالت مستمرة إلى الان، تأثيراته على مواقف وسياسة الدول كانت عميقة، ونتائجه المباشرة كانت هي العودة القوية لسباق التسلح والاستعداد للتحولات الجيوسياسية التي تعرفها بوابة أوربا غرب أسيا شرق أوروبا.
التوصيف القانوني لهذا النزاع، تغير من الغزو الذي ينتهك قواعد القانون الدولي ويعرض الدولة المعتدية للعقوبات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، إلى وصف النزاع بالحرب الروسية الأوكرانية، والحرب ليست حربا إقليمية ولا حدودية ولا عرقية أو دينية، إنها حرب جيوستراتجية وجيوقتصادية.
إنها النتيجة المباشرة لنقض الدول الغربية لتعهداتها غير الرسمية لروسيا أثناء المفاوضات بشأن توحيد ألمانيا سنة 1991، مفاوضات نتج عنها تفاهم أساسي يقوم على تخلي روسيا عن هيمنتها على أوربا الشرقية، مقابل الاعتراف من طرف الغرب بروسيا كشريك سياسي وعسكري متساو لها، مقابل تخلي روسيا (الاتحاد السوفييتي آنذاك) عن هيمنتها على أوروبا الشرقية.
فأهداف الغزو الروسي لأوكرانيا هو حماية الأمن القومي والنفوذ التاريخي والعمق الاستراتيجي والمجال الحيوي لروسيا، التي أصبحت محاصرة في حدودها وأمنها بسبب تمدد الحلف الأطلسي شرق أوربا، وكما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق بريجينسكي سنة 1994 أنه بدون أوكرانيا ستفقد روسيا صفة الإمبراطورية.
هذا التمدد مس في العمق أحد العناصر الجوهرية للقوة الجيوستراتجية لروسيا، التي كانت تطمح بداية في الانضمام للحلف الأطلسي، حيت اعتبر وزير خارجية روسيا في عهد الرئيس يلتسين في مذكراته التي نشرت سنة 2019، “أن مسألة عضوية روسيا في الحلف الأطلسي كانت مثابة اختبار حاسم بالنسبة له، فهو تحالف للدفاع عن العالم الحر، وإن لم يتم قبوله فهو تكتل ضد روسيا”.
فهذه الحرب التي لم تحسم بالعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، ولا بالجيوش والعتاد العسكري والصواريخ والطائرات الحربية التقليدية والدرونات. لأن أطرافها ليست هي روسيا وأوكرانيا، بل هم روسيا والولايات المتحدة ألأمريكية ودول أوروبا، وأوكرانيا هي الحلقة الأضعف في المعادلة العسكرية والدبلوماسية.
فأكرانيا على امتداد ثلاث سنوات لم تستطع أن تسترجع المناطق التي ضمتها روسيا، رغم الدعم العسكري والمالي والفني واللوجيستيكي الذي حصلت عليه من الدول الغربية، وطموحها هو أن تقايض المناطق التي فقدتها مقابل السلام. وحسب الأستاذ داني مؤلف كتاب كيف تنتهي الحروب في حوار له قال: أن روسيا تنتظر رفض الغرب والولايات المتحدة الأمريكية مساعدة أوكرانيا حتى تضعف، كما أن أوكرانيا تنتظر أن تبدأ روسيا بمواجهة مشاكل في الأسلحة والاقتصاد.
فلا روسيا انهار اقتصادها بسبب العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية، ولا اضطرب نظامها السياسي بسبب هذه العقوبات والعزلة التي فرضت عليها، ولا أو كرانيا استطاعت أن تحقق مكاسب عسكرية ولا استرجاع الأراضي التي فقدتها رغم الدعم العسكري والمالي الذي حصلت عليه من طرف الدول الغربية. لأنها حرب لا تتعلق بالنزاع على الحدود ولا بالنزاع على النفوذ ولا بنزاع حماية الأقليات، إنها حرب لها أبعاد وأهداف متنوعة تتجاوز ما هو أمني وسياسي إلى ما هو جيو سياسي واستراتيجي و جيوقتصادي.
أمام هذا التشابك في الأهداف وعدم قدرة كل طرف في تحقيق السلام من خلال القوة، فتح الباب أمام الدبلوماسية لتحقيق السلام من خلال التسوية.
الأهداف الجيوستراجية:
المفاوضات الجارية من أجل السلام في أوكرانيا، تخفي ورائها أهداف جيوستراتجية للقوى الكبرى في العالم التي تعمل على تحقيق مكاسب استراتيجية من مخرجات هذه المفاوضات، وفي مقدمتها المكاسب العسكرية.
الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن الصفقات التجارية والعسكرية من بوابة الدبلوماسية، انطلاقا من مبدأ أمريكا أولا، وتدرك جيدا إلى أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا ستؤدي إلى حرب عالمية ثالثة تستعمل فيها أسلحة الدمار الشامل، وهذا سيؤدي بشكل حتمي إلى نتائج كارثية للطرفين والعالم، لأنها حرب لا يمكن التكهن بنتائجها وبآثارها وتأثيراتها.
دول أوروبا وخاصة دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يطمحون إلى الخروج من المأزق الذي يوجدون فيه من بوابة ما يسمى بالضمانات الأمنية لبناء جدار عسكري رادع للفكر التوسعي لروسيا.
فالاتحاد الأوروبي يعتبر أو كرانيا درع أوربا ومنطقة متقدمة للدفاع عنها من التهديدات المحتملة لروسيا، وبريطانيا وفرنسا عرابتا الضمانات الأمنية عملتا على تأسيس تحالف عسكري دولي سمي بتحالف الراغبين وهو تحالف خارج الحلف الأطلسي ويضم ثلاثين دولة لدعم أوكرانيا في حربها مع روسيا.
وأكرانيا تحاول أن تقوم بربط عضوي واستراتيجي بين أوكرانيا وأروبا، وتعتبر أن الضمانات الأمنية لأوكرانيا هي ضمانات أمنية لأوروبا، وأن السلام في أوكرانيا هو السلام في أوروبا وأن مستقبل أوكرانيا هو مستقبل أوروبا. واعتبر الرئيس زيلينسكي أن أمن أوكرانيا يتكون من عنصرين جيش قوي وضمانات من دول كبيرة بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فالبيت الأبيض يعتبر أن القوات الأوروبية سوف تكون خط الدفاع الأول.
وأن ضمان أمن روسيا هو مسؤولية الدول الأوروبية بالدرجة الأولى وخارج الحلف الأطلسي.
فالدولتان الوحيدتان التي ضمنت لهما الولايات المتحدة الأمريكية أمنهما في وثائق حكومية استراتيجية، وحافظت معها على علاقات سياسية وعسكرية وثيقة للغاية منذ خمسينيات القرن الماضي هما: كوريا الجنوبية وهي دولة تابعة لأمريكا في منطقة المحيطين الهندي والهادي وإسرائيل وهي دولة تابعة لأمريكا في الشرق الأوسط.
روسيا تحاول أن تطرح الموضوع من الزاوية الجيوسياسية في انسجام مع عقيدتها السياسية الجديدة، القائمة على العودة إلى الساحة الدولية كدولة عظمى للتأثير في بنية النظام الدولي والأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وجعل موضوع السياسة الدولية بيد الدول الكبرى، من خلال التقارب مع الولايات المتحد الأمريكية والتعاون معها لحل القضايا الدولية الأساسية.
فمن خلال بعض الإشارات الرمزية التي صاحبت لقاء ترامب وبوتين يظهر أن روسيا لا تتفاوض من موقع الدولة الضعيفة ولكن من موقع الدولة الكبرى، فوزير الخارجية الروسي لافروف حضر إلى قمة ترامب وبوتين ببدلة رياضية كتب عليها الاتحاد السوفياتي ، حيث اعتبر وزير خارجية ألمانيا السابق، يوشكا فيشر “أن اختيار لافروف كان مدروسا لأنه أراد أن يظهر أن روسيا الكبرى عادت إلى الساحة السياسة العالمية، فقد تم تجاوز انهيار الاتحاد السوفيتي وإمبراطورتيه في أوربا الشرقية بين عامي 1989 و1991، وعادت الإمبراطورية إلى الحياة واستعادت أراضيها المفقودة، بحيث لم يكن شعار لافروف يتحدث عن الحر ب الباردة، بل عن العالم الذي تسعى روسيا لصنعه”.
عالم تصبح فيه القوى الكبرى هي صاحبة القرار في السياسة الدولية، وما خطاب بوتين أثناء لقاء ترامب إلا تجسيدا لهذه الفكرة بقوله ” مع أن المحيطات تفصلنا، إلا أن بلدينا في الواقع جاران قريبان، عندما التقينا ونزلنا من الطائرة قلت مساء الخير يا جار العزيز، من دواعي سروري رؤيتك بصحة جيدة وعلى قيد الحياة. وهذا يبدوا جارا كريما في رأيي ولطيفا للغاية لا يفصلنا سوى مضيق بيرينغ”.
الأهداف الجيوقتصادية:
وجود أهداف جيوقتصادية كان واضحا منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت البيض في الولاية الثانية، حيث تحدث عن عزمه إبرام صفقة المعادن النادرة مع أوكرانيا، وهي المعادن التي تستعمل في التكنولوجيا الحديثة والصناعات الدقيقة المدنية والعسكرية.
فأوكرانيا غنية بالمواد المعدنية النادرة فضلا عن الغاز والبترول، ومن ثمة فإن الصراع في أو كرانيا بين روسيا ودول الاتحاد الأوربي ليس فقط صراعا حول القضايا الأمنية ولكن كذلك صراعا حول المواد النادرة والتي توجد في المناطق التي تحتلها روسيا، حيث يقول مدير المركز الجامعي لبحوث العلوم الاجتماعية والإرشاد وعميد العلاقات الدولية في جامعة ماهاتما غاندي أن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وأروبا تتفق على نقطة واحدة:
مستقبل أوكرانيا يكمن فيمن سيتحكم في ثرواتها المعدنية، هذه هي الجائزة الحقيقية للحرب، الحدود وعضوية الحلف الأطلسي، والضمانات الأمنية كلها أمور مهمة. لكنها أيضا تشكل غطاء دبلوماسيا لحرب موارد ستشكل نتائجها مستقبل أوربا الاقتصادي وليس مجرد صراع على الأرض، بل هو صراع على الأسس المادية للقوة العالمية، وسواء حسمت النتيجة في الخنادق أو في قاعات الاجتماعات، فإن الرهانات واحدة: السيطرة على الموارد.
وأهمية أوكرانيا في الاقتصاد العالمي ظهرت بشكل ملموس في تداعيات غزو روسيا لها، حيث ارتفع أسعار مواد الطاقة وظهر أن أوكرانيا هي مزرعة العالم بضخامة إنتاجها للقمح والحبوب، حيث وقع في إسطنبول سنة 2022 اتفاق مبادرة حبوب البحر الأحمر بحضور منظمة الأمم المتحدة وروسيا وأوكرانيا وتركيا لإنشاء ممر آمن لتصدير الحبوب والأغدية والأسمدة الأوكرانية عبر البحر الأسود، واعتبر ممثل الأمم المتحدة أن الاتفاق يهدف إلى ضمان الأمن الغذائي العالمي والحد من خطر المجاعة ومساعدة الدول المحتاجة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.