منتدى العمق

القرار الأممي يقترب… والمغرب يدخل زمن القوة الهادئة

الحسين خاوتي

تتجه الأنظار في الأيام الأخيرة من هذا الشهر إلى مجلس الأمن، ويتوقع أن يصدر قرار جديد حول قضية الصحراء المغربية يحمل ملامح تحول نوعي في مسار هذا الملف المعقد. فالتوازنات الدولية الراهنة، والتقارب الأمريكي الأوروبي حول مقاربة الحكم الذاتي، إلى جانب تراجع قدرة الجزائر على المناورة داخل المنظومة الأممية، تشكل جميعها مؤشرات على أن القرار المرتقب سيعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة ويقرب لحظة التسوية تحت سقف السيادة المغربية.

الموقف الروسي، الذي ظل طويلاً متأرجحًا بين الحذر والتحفظ، يبدو اليوم أقرب إلى خيار الامتناع عن التصويت حفاظًا على توازنه بين شركائه الغربيين وحلفائه التقليديين. هذا الخيار، وإن اتخذ مظهر الحياد، يفتح الباب أمام صدور القرار دون عرقلة، ويعكس إدراكًا متناميًا داخل موسكو بأن استمرار النزاع لم يعد يخدم مصالحها في ظل سباق النفوذ الدولي في إفريقيا.

إغلاق ملف الصحراء وفق مقاربة الحكم الذاتي سيغير المشهد المغاربي جذريًا. فالمغرب، وقد تخلص من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخه الدبلوماسي، سيتجه إلى ترسيخ مكانته كقوة اقتصادية صاعدة في غرب إفريقيا والمتوسط. فالبنية الاقتصادية التي تشكلت خلال العقدين الأخيرين، من صناعة السيارات والطاقة المتجددة إلى الفلاحة الذكية والموانئ العملاقة، تمنحه موقعًا متقدمًا في معادلات الاستقرار الإقليمي، وتجعل حضوره في القارة السمراء عامل توازن جديدًا تتعامل معه القوى الكبرى بجدية متزايدة.

في المقابل، سيواجه النظام الجزائري وضعًا داخليًا بالغ الصعوبة. فالقسم الأهم من شرعيته يقوم منذ عقود على قضية الصحراء باعتبارها رمزًا للوحدة الوطنية ومصدرًا للتعبئة السياسية. ومع اختفاء هذا الرصيد الرمزي، ستبحث السلطة هناك عن خطاب بديل يعيد إنتاج فكرة الخطر الخارجي. وقد تتخذ هذه المحاولة أشكالًا متعددة، من الترويج لما يسمى “التمدد المغربي في إفريقيا” إلى التحذير من “الخطر الاقتصادي القادم من الرباط” أو “نموذج الحكم الذاتي القابل للانتشار”.

أما المصالحة الكاملة بين المغرب والجزائر، فرغم أنها تظل أمنية عميقة لدى شعبي البلدين، تبدو في منطق السلطة الجزائرية مخاطرة يصعب التحكم في نتائجها. ففتح الحدود سيؤدي إلى ضغط كبير على المواد المدعمة التي تثقل ميزانية الدولة بما يفوق 38 مليار دولار سنويًا، كما سيخلق اختلالًا واضحًا في الميزان التجاري، لأن السوق الجزائرية تعاني نقصًا حادًا في المنتجات الصناعية والغذائية التي يبرع فيها المغرب إنتاجًا وتصديرًا. هذا الوضع سيستنزف احتياطي العملة الصعبة ويُفاقم عجز المالية العمومية، في وقت لم تعد مداخيل الطاقة تضمن استقرارًا دائمًا.

وتتجاوز المعضلة الجانب الاقتصادي إلى البعد الاجتماعي والسياسي، إذ إن المناطق الغربية من الجزائر، خاصة وهران وبشار وتندوف، ترتبط بالمغرب بروابط عائلية وثقافية ضاربة في التاريخ. إعادة فتح الحدود ستنعش هذه الروابط بطريقة يصعب على النظام ضبطها، مما يهدد السردية الوطنية التي قامت طويلاً على تمييز الذات عن الجار الغربي. لهذا، قد تلجأ الجزائر في المرحلة المقبلة إلى مصالحة محدودة تشمل عودة العلاقات الدبلوماسية ورفع القيود الجوية، دون أن تمتد إلى فتح الحدود أو إعادة تدفق الغاز عبر الأنبوب المغاربي.

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمارسان في هذه المرحلة ضغوطًا متزايدة لدفع المنطقة نحو التهدئة والتكامل. فالعواصم الأوروبية ترى أن استمرار الخلاف يعطل مشاريعها الأورومتوسطية الكبرى منذ مبادرة برشلونة إلى التصورات الجديدة للجوار الجنوبي، فيما تنظر واشنطن إلى التسوية باعتبارها مدخلًا لترتيب حضورها في إفريقيا في مواجهة الصين وروسيا. ولهذا، يُتوقع أن يحظى القرار الأممي المرتقب بدعم غربي واسع وتنسيق متقدم مع الرباط.

بعد التصويت نهاية الشهر، سيستمر التوتر المغربي الجزائري، لكنه سيتخذ شكلاً جديدًا. فالمواجهة ستنتقل من نزاع قانوني حول السيادة إلى تنافس بين رؤيتين متباينتين للدولة والمجتمع. المغرب يسير في اتجاه دولة منفتحة على الشراكات والإصلاح الاقتصادي، في حين يصر النظام الجزائري على نموذج مركزي مغلق قائم على التحكم والريع. وبهذا المعنى، قد يتحول المشهد المغاربي إلى ما يشبه الحالة الكورية: حدود مغلقة وعداء بارد طويل المدى، تعكس تناقضًا بين منطق التطور والانفتاح ومنطق الانكماش والارتياب.

إغلاق ملف الصحراء سيكون لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، لا لأنه ينهي نزاعًا إقليميًا مزمنًا فحسب، بل لأنه سيفتح أمام المغرب أفقًا جديدًا للريادة الاقتصادية والاستقرار السياسي في محيطه القاري والمتوسطي، بينما سيضع النظام الجزائري أمام اختبار حقيقي لمرونته وقدرته على التكيف مع عالم يتغير بسرعة.

فالمرحلة المقبلة لن تكون صراع جغرافيا وحدود، بل سباقًا على من يملك رؤية للمستقبل ويقدر على تحويلها إلى واقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *