منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الثانية)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

المستوصف غرفة بيضاء أُجبرت على أن تبدو بيضاء، تتقشّر جدرانها كجلدٍ أكثر ما يذكره من نفسه أنه طريّ. رائحة مطهر رخيص تختلط برائحة عرقٍ قديم ودواءٍ لا يصل دائمًا في الوقت المناسب. ممرّضةٌ بوجهٍ متعبٍ من المجيء باكراً، وسهر الليالي، وطبيبٌ شابّ يربّي شارباً ليبدو أكبر ممّا هو عليه.

قال الأب: “أفعى.” ولم يحتج إلى شرحٍ أكثر. في هذه المنطقة، تكفي الكلمة وحدها لتفتح باب الطوارئ بلا أسئلة. أشار الطبيب إلى السرير، طلب رباطاً وضغطاً، نظر إلى الساعة، ثم إلى النافذة، كما لو أن الزمن يقف هناك ويستطيع أن يساومه. كان هناك مصلٌ واحد في الثلاجة الصغيرة، لم يُستعمل منذ أشهر. قال الطبيب لنفسه: “ليكن.” ولم يقلها بصوتٍ مسموع، لئلّا يسمع خوفه أحد.

أُسند جسد أمناي الصغير على السرير المعدني البارد، ارتجف للحظة، ليس من البرد وحده، بل من غربة المكان. الأضواء العلوية ساطعة بشكل يؤذي عينيه، والأسقف عالية على غير ما تعوّد من سقف بيتهم المنخفض الذي يمكن لمسه بيدٍ واحدة.

أغمض الطفل عينيه. العالم عائم، كأن رؤوس الناس تعوم في وعاء ماء، تتقارب وتتباعد ببطءٍ مُقلق. يسمع صوت أبيه، لا يسمعه. يشعر بيدٍ تتفحّص حرارته، بأخرى تُبعد ذراعه عن جسده، وبإبرةٍ تتلمّس الوريد كمن يفتّش عن طريقٍ في غابة. وفي تلك اللحظة بالذات، وهي لحظةٌ يمكن أن تختصر عمراً، تذكّر الطفل بيتهم: السقف المائل، الغصن الذي يدخل من الشقّ الصغير ويلامس الهواء الداخلي كأصبعٍ محايدة، الكلب الذي ينام على العتبة ولا يستيقظ إلا حين ينام الجميع. تذكّر ضحكة حادة وهي تطرده من المطبخ حين يسرق قطعة خبز ساخنة، ونظرة باسو حين يراه يعود مغطى بالغبار من اللعب.

الوقت يتباطأ في وضع الانتظار. الأب يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، يسأل، لا جواب، يدعو، يصمت. كل بضع دقائق، يقترب من السرير، يلمس جبين ابنه، يتحسس حرارته كمن يحاول أن يقيس المسافة بين الحياة والموت بباطن يده. الطبيب يكتب شيئاً على ورقةٍ زرقاء، يرفع حاجبيه، يضع السماعة، يرفعها. يحاول أن يبدو ثابتًا أمام الأسرة، لكن عروقه في عنقه تكشف توتره. الممرّضة تضع إناء ماءٍ بارد قرب السرير، ترشّ قليلاً على جبين الطفل، تقول كلاماً عادياً: “اصبر.” كلمةٌ يسهل قولها حين لا يُطلب من قائلها أن يصبر عن شيءٍ يُنتزع منه.

في زاوية الغرفة، كانت حادة تجلس متربعة على كرسي خشبي، يداها مشبوكتان في حجرها، تعقد أصابعها وتفكها، كأنها تحوك دعاءً بإيماءات صامتة. مينة تقف خلفها، تمرر أصابعها في شعرها المبتل بالعرق، تهمس في أذنها بآيات قصيرة وتعيد عليها جملة واحدة: “لن يأخذه الله قبل أن يشفيه”. عسو كان ملازمًا للباب، عيناه تنتقلان بين وجه الطبيب والنافذة والساعة، كأنّه يقف في نقطة تفتيش أخيرة قبل منعطف خطير.

خارج الغرفة، ثمة رجلان يجلسان في الظل، لا يبدو أنهما ينتظران أحداً، ولا يبدو أنهما في عجلةٍ من أمرهما. أحدهما يحمل حقيبة جلدية صغيرة، يضعها بين قدميه ويضغط عليها بكعبيه من حين لآخر، والآخر يعبث بسبحته ببطءٍ مصطنع، يمرر حباتها الواحدة تلو الأخرى كما لو يعدّ نبضات زمنٍ لا يخصه. لم يلتفت إليهما أحد من أهل أمناي؛ فحين يستغرق القلب في مصيبته، لا يرى إلا الدائرة الضيقة التي يحتويها فراش من يحب.

لم يُعلن الطبيب شيئاً في البداية. قال إن الساعات الأولى حرجة، وإن القلب يجب أن يُراقَب، وإن اللدغة في القدم أسوأ مما لو كانت في اليد، وإن كل ذلك ليس نهائياً. كان يتكلم بنبرة من اعتاد الوقوف بين احتماليْن: أن ينجو الجسد فيُنسب الفضل إلى الله، وأن ينهار فيُنسب العجز إلى القدر. وبين الجمل المتقطعة، كان يسرق نظرات سريعة إلى شاشة الجهاز، يراقب خطّ النبض وهو يصعد ويهبط كما لو كان يُجري حسابات لا وقت لها.

في كل مرة ينتهي من جملة طبية، يلتفت إلى باسو وعيناه تبحثان عن شيء من الثبات. باسو بدوره كان يحاول أن يتشبث بأي كلمة يمكن أن تُفهم على أنها وعد بالنجاة، حتى لو كانت جملة عابرة مثل “ليس نهائياً”. حادة لم تعد تسمع التفاصيل؛ الكلمات تمر بقربها كريحٍ تعبر حقلًا، ترفع أطراف القمح وتسقطها، لكنّ الجذور تظلّ متشبثة بصمتها في الداخل.

ثم جاء الغروب وترك شريطه البرتقالي على حوافّ الجدران، وأصبح الهواء في الغرفة أدفأ بشكلٍ ملحوظ، كأن الأوكسجين قرر أن يُمازح الرئتين. تسلّل لون البرتقال إلى وجه أمناي عبر زجاج النافذة، لامس وجنتيه الشاحبتين، فأعطاهما للحظاتٍ مظهر طفل نائم في حضن أمّه بعد يوم لعب طويل. حادة التقطت تلك اللحظة بعينَيْ قلبها، ظنّت أن في الأمر علامة، أن هذا التورد الخفيف يعني أن الدم ما يزال يذكر طريقه.

في تلك الأثناء، تغيّرت ملامح وجه الطفل مرّتين: مرّةً بدا كمن غفا نوماً طويلاً، ومرّة كمن يغطس في ماءٍ عكرٍ ويعجز عن العثور على سطحه. شفته السفلى ارتجفت، جفناه انطبقا ثم انفصلا ببطء، وأنفاسه خرجت متقطعة كمن يصعد سلّمًا لا ينتهي. مينة كانت تلتقط كل هذه التفاصيل وتجمعها في قلبها، تهمس كلما رأته يفتح عينيه: “هو يسمعك يا حادة، قولي له شيئًا من ذكريات الحقل، من رائحة الخبز.”

الوقت في الممرّ المجاور كان يمشي بخطوات أخرى. أصوات العربات المعدنية على الأرضية، همس ممرضين يتبادلون المناوبة، بكاء طفل في غرفة مجاورة، احتكاك نعال مطاطية ببلاط بارد. كل تلك الأصوات دخلت الغرفة وخرجت منها دون أن يلتفت إليها أحد. بالنسبة لحادة وباسو وعسو ومينة، لم يكن في الكون سوى صوت واحد مهم: صفير الجهاز المعلّق فوق رأس أمناي، وخطّه الذي يرسم على الشاشة قصة قصيرة جدًّا عن ارتفاعٍ وانخفاض.

حين وقعت الجملة، لم تقع بحجمها الحقيقي. قال الطبيب للأب: “لقد فعلنا ما بوسعنا.” قالها بالعبارة التي يتدرّب عليها الأطباء حتى لا تشعر بأنها عبارة. نطقها بنبرة متعبة، يقف بين الرغبة في أن يبدو مهنيًّا وبين رغبة إنسانية في أن يُخفف الضربة، فخرجت لا هذه ولا تلك؛ مجرد كلماتٍ ثقيلة سقطت في فضاء الغرفة.

كان الأب ينظر في وجهه، وكلّ ما يراه هو فمٌ يتحرّك. الشارب الخفيف، النظارة الطبية، المعطف الأبيض، كل ذلك صار خلفية بعيدة لصوت لا يلتقط منه إلا تردّدًا واحدًا. أضاف الطبيب: “القلب توقّف.” كلمة “توقّف” تمشي على عصاً في الهواء، لا تعرف كيف تقف. التصقت في أذن باسو ولم تنزل إلى قلبه فورًا؛ بقيت معلقة في مكانٍ بينهما، كأنها ترفض أن تقطع المسافة الأخيرة.

ثبّت الأب عينيه على صدر الطفل ينتظر معجزةً متأخرةً ركضت من جهةٍ أخرى. مرّ وقتٌ لا يمكن وزنه، ثم انكسر شيء في ظهره دون صوت. لم يشعر باسو بنفسه وهو يجلس على الكرسي، لم يشعر بيد حادة تمسك بكتفه، ولا بصوت مينة وهي تردد “إنا لله وإنا إليه راجعون”، ولا بنظرة عسو التي تحوّلت من صلابة العسكري إلى هشاشة الأخ.

لم يتحدّث الأب كثيراً بعد ذلك. الكلمات صارت عبئًا إضافيًّا فوق عبءٍ لا يحتمل. توقيعات، ورقة وفاة، ختمٌ دائريٌ أزرق في زاوية الصفحة، وخزانةٌ حديدية تفتح وتغلق كما لو أنها لا تعرف ما الذي تحرسه. كان موظف الحالة المدنية يتعامل مع الأمر كجزء من عمله اليومي: يسأل عن اسم الطفل، تاريخ ميلاده، اسم الأب، اسم الأم، يكتب بيده التي اعتادت كتابة هذه البيانات حتى صارت الخطوط تُشبه بعضها. بالنسبة إليه كان الأمر خانة تُملأ، ورقمًا يُضاف إلى دفترٍ طويل، لكن بالنسبة لحادة وباسو، كان ذلك الدفتر كتابًا من جمر.

أخبروه أن الإجراءات تقتضي تسليم الجثمان لعائلته قبل حلول الليل. لم يعترض على كلمةٍ واحدة. لم يكن لديه ما يعترض به، إذ لم يعد شيءٌ في اللغة يصلح لتثبيت المعنى حين يتفتّت. كل الاعتراضات تحتاج إلى طاقة، وباسو استهلك طاقته كلها في الاعتقاد بأن ابنه سيعود معه على قدميه من المستوصف، لا في صندوق صغير يُحمل على الأكتاف.

في الخارج، كان الرجلان ما يزالان في الظل. لم يدخلا إلى الغرفة، لم يقتربا من حادة التي تبكي في حضن مينة، ولا من عسو الذي يناقش الطبيب عن جدوى محاولة إنعاش أخرى. اكتفيا بالجلوس عند نهاية الممر، عند زاوية لا يلتفت إليها أحد، كأنهما جزء من أثاث المستشفى. دُفعت العربة الصغيرة إلى بابٍ جانبي، خرج منها رجلٌ ثالث يرتدي معطفاً أبيض نظيفاً أكثر مما ينبغي لغرفةٍ لا تحتفظ بالنظافة إلا في السجلات. معطفه بلا بقعة، بلا تجعّد، كأنه لا يلمس المرضى بل يلمس الأوراق فقط.

وضع الورقة في يد الأب، وربت على كتفه كما يربت على خشبةٍ تتحمّل أكثر مما ينبغي. قال: “البقاء لله.” كلمةٌ عرجاء تمشي في كل مكان، لكنها هنا تعرج أكثر. سقطت بين أقدامهم ثم حاولت أن تقوم ولم تستطع؛ فهنا لا لغة تُقيم وزنًا لما يُقال بعد هذا النوع من الفقد.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *