منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الثالثة)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

فُتح الباب الجانبي لحجرةٍ باردة، وأخرجوا النعش الخفيف، لا خشب فيه، كأنه علبةٌ من كرتون سميك، يليق بفقر الموت عندما يُسرع. لونه باهت، حوافه متهالكة قليلًا، لكن لا أحد كان في مزاج يسمح بملاحظة التفاصيل. كل ما رآه باسو هو حجم الصندوق: أصغر بكثير مما يليق بحلمٍ امتدّ لسبع سنوات.

اقترب الأب، مدّ يده يريد أن يرى وجه ابنه للمرّة الأخيرة. كانت يده ترتجف، لا يدري إن كان يخشى رؤية ما قد يكون غيّرته اللدغة في الملامح، أم يخشى أن تؤكد الرؤية الحقيقة التي يحاول رفضها في داخله. منعه الرجل ذو المعطف بنظرةٍ خبيرة في المنع، وقال بسرعةٍ مدرّبة: “اللدغة كانت شديدة، والانتفاخ لا يليق بالذاكرة. الأفضل… الأفضل أن يبقى هكذا.”

لم تكن للجملة أسنان، لكنها عضّت قلب الأب. هناك جمل ناعمة في ظاهرها، لكنها إذا لامست جرحًا صارت أكثر قسوة من الشتائم. تراجع خطوةً واحدة، وكان بينه وبين الليل خطوة. شعر أن الغرفة ضاقت فجأة، أن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق، وأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمل جسده، ومع ذلك ظل واقفًا.

قال أحد الرجلين الجالسين في الظل: “سنساعدك في حمله إلى البيت.” قالها كأنه جارٌ كريم، كمن يتطوع بحمل أمتعة مسافر أثقله الطريق. صوته عادي، لا حزن فيه ولا تعجّل، لكنه مدهون بطبقة خفيفة من مهنية باردة. لم يشكّ الأب، لأن الشكّ يحتاج فراغاً في الداخل، وهو الآن ممتلئٌ بالخسارة.

عسو، بعينه المدربة، التقط نبرة غريبة في عرض المساعدة، لكنه لم يجد في اللحظة نفسها ما يمسك به. الألم يعطل المنطق أحيانًا، ويجعل حتى أكثر العيون حذرًا تُغمض جفنًا واحدًا على الأقل.

انطلقت العربة. في الطريق، بدت القرية كما لو أنّها صارت أضيق بقليل، البيوت أقرب إلى بعضها، والناس أقلّ حركة. كأن المكان كله يشدّ نفسه ليواجه استقبال نعش صغير. الأذان ينساب من مسجدٍ صغير، ينهى عن المنكر وهو يمرّ بأبوابٍ مفتوحة على مطابخٍ تفور، وروائح العدس والكسكس تختلط برائحة الغبار الباقي من النهار.

في خلفية العربة، جلست حادة، يدها مثبتة على الغطاء الأبيض، تهمس بالأذكار، تكلّم ابنها كما لو أنه يسمع: “لن أتأخر عنك، سنكون معًا، لا تخف من الظلام.” مينة إلى جانبها، تمسح على كتفها وتبكي بصمت، وعسو في المقدمة يتابع الطريق بعينين لا تتركان شيئًا يفلت، يتذكر قصص الجنود الذين فقدوا رفاقهم في لحظات خاطفة، ويشعر أن هذه الخسارة أثقل من كل الخسارات التي رأى.

وصلوا إلى البيت، ووُضع النعش في الغرفة التي لم تكن مهيأة لكفنٍ ولا زائرٍ من هذا النوع. كانت الغرفة حتى الأمس غرفةَ ضيوف بسيطة، فيها حصيران، ورفّ عليه بعض الأواني النحاسية، وصورة قديمة لجدٍّ يرتدي جلبابًا أبيض. فجأة، صار كل ذلك ديكورًا لمشهد لم يتخيّله أحد.

النساء بدأن يأتين من البيوت المجاورة، يحملن أطباق الشاي، وأوعية الحساء، وأهازيج التعزية القديمة. الأصوات تنخفض ثم ترتفع عند ذكر اسم أمناي، كأن الاسم نفسه بات اختبارًا لحبال الصوت. رائحة الكافور تتسلّل دون أن يُدعى لها، يوزَّع في زوايا الغرفة، يُرش على الأغطية، وتختلط رائحته برائحة التراب القادم على نعال الداخلين.

في زاوية الغرفة، جلس الرجلان نفسهما، يتهامسان. أحدهما أخرج ورقةً من جيبه، طواها ثم أعادها. كانا ينتظران شيئاً لا يعرفه أحد. لم يقتربا من النعش، لم يشاركا في الدعاء، اكتفيا بالمراقبة الهادئة، كأن وجودهما جزء من تصميم غير مرئي للمشهد.

عسو لاحظ وجودهما، همس لمينة: “من هذان؟” هزّت كتفيها بأنها لا تعرف. حادة لم ترهما أصلًا؛ كانت عيناها معلقتين على الصندوق، تُحصي في ذهنها الأيام التي عاشها أمناي، تفكر إن كانت قد أحسنت احتضانه بما يكفي، أو إن كان من شيء لم تقله له بعد.

بعد ساعة، أو أقلّ، طرق باب البيت رجلٌ نحيل بوجهٍ مشذّبٍ بقسوة. قال إنه جاء من “المستوصف” لإتمام ورقةٍ ناقصة، وأن الطبيب يطلب توقيعاً أخيراً لإجراء دفنٍ سريع قبل الفجر. الكلمات تسير على سكةٍ معروفة، فلا يلتفت إليها أحد. الإجراءات دائمًا لها آخر ورقة، وآخر ختم، وآخر توقيع.

لكن الأب فتّش في أغراضه عن قلم، ولم يجده. قدّم الرجل قلمَه. كانت يداه باردتين بشكلٍ مبالغ فيه، برودة لا تناسب جسدًا تحركه عضلات حية. أمسك باسو القلم، وقّع حيث أشار الرجل دون أن يقرأ، كما لو أن القراءة ترف لا يحتمله الحزن. أخذ الرجل الورقة، شكرهم بعبارة قصيرة، وغاب في ليل القرية كما يغيب ظلٌّ عند انطفاء المصباح.

في وقتٍ متأخّر من الليل، حين نامت الهمهمات وبقيت الدموع في عيونٍ أنهكها الملح، اختفى النعش. لم يختفِ أمام العيون، بل اختفى من الداخل: رفعت امرأةٌ طرف الغطاء لتصلح شيئاً، فلم تجد وجهاً ولا قطعة قماش. كان الفراغ يبتسم ابتسامةً واسعةً لا أسنان لها.

صرخت. تدافعت الأجساد نحو الغرفة، ودوّى اسم الطفل بين الجدران كطائرٍ اصطدم بزجاجٍ نظيف. سألوا، لم يجدوا جواباً. اتّهموا، ولم يجدوا متهماً. وفي الزاوية التي جلس فيها الرجلان طيلة المساء، كان الغبار فقط يلمع. لا ورقة، لا حقيبة، لا سبحة. كأنهما دخلا من شق في الليل وخرجا من الآخر.

وقف باسو أمام النعش الفارغ كمن يقف أمام مرآة لا تعكس شيئًا. حادة تشبثت بحافة الصندوق، تصرخ: “أين ابني؟” مينة تحاول أن تمسك بها كي لا تسقط، وعسو يدور في البيت كمن يبحث عن بابٍ آخر لم يره من قبل. القرية كلّها استقيظت على تلك الصرخة، تناقل الناس الخبر في دقائق: “النعش اختفى… الصندوق فارغ…”، وتدخّل الشيوخ ليخمدوا رعب الأسئلة بجمر التفسير الجاهز:

سيقال في الصباح إن الجنّ تدخّل. ستقسم امرأةٌ أنها رأت ظلّاً أسود يحمل شيئاً كالنعش يخرج من البيت من دون أن يفتح الباب. سيقول آخر إن الكلب نبح طوال الليل على لا شيء. سيهتزّ رأس الشيخ الكبير ويقول: “الأرض تُرجِعُ ما ليس منها.”

وستمضي الأيام، كما مضت كل الأيام من قبل، لكن في صدر الأب حفرةٌ لن يردمها شيءٌ إلا يقينٌ واحد: أن اليد التي ربتت على كتفه كانت أبرد من اللازم، وأن الورقة التي وقّعها لم تكن تحتاج إلى توقيعٍ إن كان الموت موتاً فقط.

لم تكن تلك رواية عن اختفاء نعش. تلك بدايةٌ لحياةٍ تم سحبها من مسمياتها الأولى قبل أن يلتقط الحزن أنفاسه في بيت الطين. ما بدا في القرية كمعجزةٍ مظلمة، أو لعبةٍ من ألعاب الجن، كان في المستشفى مجرد بابٍ جانبي فُتح في ساعة متأخرة على مصير طفل لم يُسأل عن رأيه.

في المستشفى، قبل ساعاتٍ من ذلك، وفي ممرٍّ ضيّقٍ معتمٍ مثل روحٍ تحاول التوفّق بين خيارين، دُفع سريرٌ صغير إلى غرفةٍ لا تحمل اسماً، دخلها الطبيب الشاب وهو يبلع ريقه كما لو يبتلع تردّده. كان الممرّ مختلفاً عن ذاك الذي مرّت منه حادة وباسو؛ أضيق، أقل ضوءًا، وأبرد كأن الهواء فيه يُستورد من مكانٍ لا تعرفه الشمس. على الجدار، لوحة قديمة مائلة، وساعة متوقفة لا تشير إلى وقتٍ بعينه، وكأنها ترفض أن تكون شاهدةً على ما يحدث هنا.

هناك، كان الطفل يفتح عينيه ويغلقهما ببطءٍ مشؤوم، كمن يقيس المسافة بين شفيرين. لم يكن واعياً تماماً، ولا غائباً تماماً؛ يطفو في منطقة بين النوم والصحو، يسمع أصواتاً بعيدة لا يفهم معناها، ويحسّ ببرودة المعدن تحت جسده، وبرائحة دواء حادّة تكاد تخترق جلده. سُحبت إبرةٌ من ذراعه، ورُبطت قدمه برباطٍ جديد لا لون له. كانت يد الممرضة تتحرك بحذر، تتجنب لقاء عينه، كأنها تخاف أن ترى فيها سؤالاً لا تملك له جواباً.

سأل الطفل بصوتٍ لا يسمعه أحد: “أبي؟” لم يجب أحد، لأن الكلمات في تلك الممرّات تُستعمل لأغراضٍ أخرى. خرجت الكلمة من بين شفتيه مثل نفسٍ قصير، ذابت في هواء الغرفة قبل أن تصطدم بجدار أو أذن. لو كانت حادة هناك، لالتقطتها من أول ذبذبة، ولركضت بها عبر الممر كله حتى تضعها في صدر باسو، لكنها كانت في ذلك الوقت تبكي أمام نعش لا يحمل جسداً.

الرجل ذو المعطف الأبيض الذي بدا نظيفاً أكثر مما تسمح به الغرفة، لم يكن ممرّضاً ولا طبيباً. كان يعرف كيف يبتسم حين يجب ألا يبتسم، وكيف يعبس حين يكون العبوس واجباً. ملامحه حيادية أكثر من اللازم، عيناه لا تلتصقان بوجهٍ بعينه، كأنهما تعوّدتا النظر إلى الأشياء من بعيد كي لا تتلوثا بالتفاصيل. أخذ الورقة المختومة من يد الطبيب، قلّبها بين أصابعه كما يُقلب تاجر قطعة قماش في السوق، ثم قال للطبيب بصوتٍ منخفض: “لا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به. أنقِذْ ما يمكن إنقاذه.”

كانت الجملة عامة بما يكفي لتكون بريئة، وخاصة بما يكفي لتكون جريمة. “ما يمكن إنقاذه” لم يكن بالنسبة للطبيب حياةً تُستعاد، بل راتبًا يتأخر، وترقيًة لا تأتي، ومصلحةً يضغط عليها مديرٌ يعرف كيف يُغلق الأبواب ويفتحها. في عيني الرجل ذي المعطف الأبيض، كانت المسألة أبسط: توقيع هنا، توقيع هناك، وطفل واحد يُغيّر اسمه وبيته مقابل مبلغٍ يعيد ترتيب أشياء كثيرة في هذا المستوصف الذي يتقشّر لونه منذ عام.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *