منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الرابعة)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

في نهاية الممر، كان رجلٌ بعباءةٍ داكنةٍ ينتظر. لا يحمل حقيبةً هذه المرة، بل يحمل وعداً بمبلغٍ يعيد ترتيب ديونٍ متراكمة، ويفتح أبوابًا في أماكن أخرى. وجهه من النوع الذي ينسى بسهولة، لا ملامح حادة، لا ندبة مميزة، فقط حياد مدروس. يحدق في الفراغ أمامه، لكن أذنيه تلتقطان كل حركة، وكل همسة. كان يعرف أن هذه الليلة يجب ألا تطول، وأن كل تأخير يزيد احتمالات أن يتسلل الشك إلى عيون لم تتعلّم بعد كيف ترى في الظلام.

حين أُخرج الطفل من الباب الخلفي، كان الهواء هناك مختلفاً. لا رائحة للكافور، ولا همهمات دعاء، بل رائحة وقودٍ قديم ومعدن، وصدى خطواتٍ قليلة تعرف إلى أين تذهب. السماء فوق الساحة الخلفية للمستشفى كانت بلا نجوم تقريباً، كأن الغيم قرر أن يغطي هذه البقعة بالذات من السماء.

وضعوه في المقعد الخلفي لسيارةٍ رمادية، وغطّوه ببطانيةٍ سميكة. البطانية خشنة الملمس، تفوح منها رائحة مخزنٍ مغلق منذ مدة. تململ قليلاً، عضّ على شفتيه، همس بشيءٍ لم يسمعه أحد. ربما نادى أمه، ربما نادى الماء، ربما لم ينادِ سوى نفسه. الرجل ذو العباءة وضع يده على رأسه، راقب حرارة جبينه، وقال للآخر: “سيقوى.” لم تكن الجملة دعاءً، بل تقريراً عن بضاعةٍ ستُسلّم سليمة للزبون.

السيارة تحركت ببطء في البداية، كأنها تخشى أن يسمع رحيلها أحد. ثم ما لبثت أن اندمجت في طريقٍ جانبيٍ يغادر البلدة من جهة لا يكثر فيها العابرون ليلاً. الشوارع التي مرّت بها كانت نائمة، النوافذ مغلقة، والكلاب نصف يقِظة تميل رؤوسها وهي تتابع أضواء المصابيح الخلفية. أمناي أحسّ بالاهتزاز تحت جسده، وبالبرودة تلتصق بوجهه، فضمّ ركبتيه إلى صدره بقدر ما تسمح به البطانية، وغاب في نومٍ ثقيل لا يشبه نوم الحقل ولا نوم البيت.

داخل المستشفى، بعد أن غادرت السيارة، عاد كل شيء إلى رتابته الظاهرة. الطبيب أكمل مناوبته حتى الصباح، كتب في السجل أنّ الطفل “توقف قلبه بعد محاولات إنعاش فاشلة”، وقّع باسمه، وأغلق الملف. الممرضة هناء مسحت سرير أمناي بقطعة قماش معقمة، غيّرت الشرشف، وتفقدت قائمة الأدوية الباقية في الثلاجة. بالنسبة لها، كانت هذه ليلة صعبة، لكنها ليست الأولى التي ترى فيها طفلاً يخرج من المستوصف ولا يعود.

في الممرّ، مرّ الرجل النحيل الذي سيظهر لاحقًا في بيت باسو بورقة “ناقصة”. سلّم صاحب المعطف الأبيض ورقة أخرى، حمل توقيعًا جديدًا وختمًا دائريا واضحًا. لم يتبادلوا الكثير من الكلام؛ الكلمات في هذه الدائرة بالذات تُستخدم بقدرٍ محسوب.

 

في القرية، في تلك اللحظات نفسها، كان العزاء يدور حول نعشٍ فارغ، وقلوبٌ امتلأت بالبكاء حتى لم تعد قادرة على استقبال فرضيةٍ أخرى غير الموت. لم يكن في خيال أحد أن المستشفى الذي يُفترض به أن يكون آخر حصون النجاة قد فتح بابًا خلفيًّا لحياةٍ أخرى لا تشبه الحياة بشيء سوى أنها تستمر.

الطريق إلى المدينة البعيدة لم يكن قصيراً، لكنه لم يكن طويلاً بما يكفي لينضج السؤال في رأس الطفل. أفاق أمناي مرّاتٍ قليلة أثناء الرحلة، فتح عينيه على ضوءٍ أصفر يتدلّى من سقف السيارة، وعلى وجهيْن غريبين فوقه. مرةً سأل: “أين أبي؟” لم يجبه أحد. مرةً أخرى سمع أحدهما يقول للآخر: “لا تقل شيئاً الآن، عندما نصل سيتكفلون به.”

شيئًا فشيئًا، بدأت الأصوات التي يعرفها تتراجع في ذاكرته إلى الخلف: صوت الجدول، نباح الكلب عند العتبة، نداء حادة من باب البيت، ضحكة عسو وهو يحكي عن المدينة، حتى رائحة الزعتر الذي “يصطاد الأقدام” صارت بعيدة؛ كأنها حلمٌ قديم يصعب استعادته عند الطلب.

في مكانٍ ما على طرف مدينة أكبر، توقفت السيارة أمام باب حديدي عالٍ، فوقه مصباح واحد يعلن أن للّيل هنا قوانينه الخاصة. فُتح الباب من الداخل دون سؤال، دخلت السيارة إلى فناءٍ شبه معتم، إلا من ضوءٍ يتسرّب من نافذةٍ في الطابق العلوي.

حُمِل أمناي من جديد، هذه المرة لم يكن بين يدي أبيه، بل بين ذراعي رجلٍ لا يعرف اسمه. عبروا به ممرًا آخر، رائحته خليط من مطبخ قديم ودخان سجائر وأقمشة مخزونة. في غرفة داخلية أُضيء مصباح، ووضِع الطفل على سريرٍ ضيق بغطاء نظيف. كان المكان مرتبًا على نحو بارد، بلا صور على الجدران، وبلا شيء يخصّ طفلاً سوى هذا السرير.

لم يكن أحد في بيت باسو يتخيل في تلك اللحظة أن أنفاس ابنهم تنسحب في غرفة أخرى في مدينة أخرى، وأن صوته الذي ظنوه انقطع ما يزال عالقًا بين سقف غريب وأرض لا تعرف خطاه. كل ما كان لديهم نعشٌ فارغ، وورقة وفاة مختومة، وحفرة جديدة في مقبرة القرية ستظلّ شاهدةً على غيابٍ لم يحدث كما قيل.

أما أمناي، فكان على وشك أن يتعلم، من أقسى الطرق، أن الموت ليس دائمًا حفرة في الأرض، وأن الفقد لا يكون دائمًا لمن يُشيَّع في جنازة، بل أحيانًا لمن يُسحب هادئًا من اسمه وبيته ووجه أمه، ليُعرض في بابٍ خلفيٍ لحياةٍ أخرى.

نهاية الفصل الأول

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *