منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ12)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

قبول محمد بسفر يونس مع زينب بعد الزواج لم يكن قرارًا سريعًا ولا لفتة كرم عابرة، بل خلاصة مسارٍ طويل من الأسئلة التي طرحها على نفسه قبل أن يطرح أي شيء على زينب أو على الطفل الذي لم يلتقه بعد. كان يعرف أن دخوله إلى هذا البيت لن يكون دخولًا إلى حياة امرأة فقط، بل إلى حياة صبيّ يحمل في وجهه حكايات لم تُروَ كلها.

منذ أن بدأت مكالماته مع زينب تأخذ منحى أعمق، صار اسم يونس حاضرًا في كل حديث تقريبًا. لم تكن تذكره كـ”تفصيل”، بل كركنٍ ثابت في الجملة:

ـ عدتُ من العمل… يونس كان في الامتحان اليوم.

ـ تأخرْتُ قليلًا عند الطبيب… يونس كان ينتظرني في البيت.

ـ أفكر في الانتقال إلى عملٍ آخر… المهم ألا تتأثر دراسة يونس.

حتى حين سألته عن حياته في فرنسا، عن وحدته هناك، وعن شقته الصغيرة قرب المصنع، كان يقول لها أحيانًا:

ـ أعود من العمل، أفتح الباب، فلا أجد إلا صمتًا. لا كرسيًا يتحرك، ولا دفترًا على الطاولة. لو كان عندي ولد، لكان وجهه أول ما أراه حين أدخل.

كانت هذه الجملة تلمع في ذهن زينب كأنها فتحت نافذة لم تكن موجودة من قبل.

بينهما، كان هناك سرّ أكبر من الغربة والعمل: عجز زينب عن الإنجاب. لم تكن تحبّ أن تلمسه بالكلمات، لكنه كان حاضرًا في خلفية كل قرار. محمد لم يكن غريبًا عن هذا الجرح؛ فقد عرف من أول مرة فتحت له قلبها عن سبب تبنّيها ليونس، وعن سنوات الانتظار التي قضتها بين طبيبٍ وآخر، وأملٍ وآخر، حتى قررت أن الأمومة ليست بالضرورة فعلًا بيولوجيًا، بل اختيار دائم للانحياز إلى كائن ضعيف يحتاجك.

حين سمع قصتها كاملة، صمت طويلًا على الطرف الآخر من الخط. لم يقل جملة التعاطف الجاهزة، ولا حاول أن يقدّم عزاءً من النوع الذي يُقال في الجلسات العائلية التقليدية. قال فقط:

ـ من يختارك أمًّا، يكون محظوظًا، سواء خرج من رحمك أو من باب مستشفى.

الجملة كانت بسيطة، لكنها وقعت في قلبها كإقرارٍ بأنها ليست “أقلّ” من غيرها في شيء، وبأن يونس ليس “بديلًا” عن طفل مفقود، بل طفل حقيقي له مكانه.

حين بدأ الحديث الجدي عن الزواج، لم تُخفِ عنه شرطها الأول:

ـ إن فكّرنا في الزواج، يجب أن تعرف أن حياتي ليست لي وحدي. هناك يونس.

أجاب بهدوء من اختبر وحدته الطويلة:

ـ أعلم. سأتزوجك أنتِ ومعك حياتك. لم أكن أبحث عن بيتٍ فارغ أملأه من الصفر، بل عن بيتٍ فيه روح.

ترددت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

ـ لن أتركه. لا أستطيع، ولا أريد.

سألها برفق:

ـ وهل طلب منك أحد أن تتركيه؟

ـ العالم… الواقع… كثيرون سيرون في وجوده عبئًا.

ـ أنا لا أراه عبئًا. ربما أراه… فرصة متأخرة لأكون أبًا.

في إحدى المكالمات، بعد اتفاق مبدئي على أن يأتي إلى المغرب في الصيف، قالت له بوضوحٍ صريح:

ـ أنا لا أستطيع الإنجاب. تعرف هذا.

ـ أعرف.

ـ يعني أن الطفل الوحيد في حياتي الآن هو يونس.

ـ وربما يكون الطفل الوحيد في حياتي أنا أيضًا.

ـ هل تقبل أن يكون هو ابنك، لا “ابن زينب” فقط؟

كان السؤال صريحًا إلى حدّ يخيف. لم تِلْفّ ولم تُجمّل. انتظرت الجواب كما ينتظر المدان حكم المحكمة.

جاء صوته من وراء البحر، ثابتًا، لا حماسيًّا ولا متردّدًا:

ـ لن أكون عادلًا معكِ إن قلت غير هذا: إن لم أستطع أن أراه ابني، فلا حقّ لي أن أدخل حياتك أصلًا.

هذا القبول لم يكن رومانسية كلامية فقط. في مكالمات لاحقة، بدأ يتحدث عن يونس بضميرٍ مختلف:

ـ كيف حال ابننا في المدرسة؟

ـ هل يحتاج شيئًا للشتاء؟

ـ أريد أن أبعث له شيئًا… قولي لي مقاسه.

في البداية، كانت كلمة “ابننا” تربك زينب؛ تتوقف عندها، ثم تبتسم لنفسها. كانت تعرف أن اللغة، حين تتغير بهذه الطريقة، تكون قد سبقت المشاعر بخطوةٍ صغيرة، وربما تكون تمهّد لها طريقًا.

من جانبه، كان محمد يعيش صراعه الخاص في فرنسا. زملاؤه في المعمل بعضهم متزوّج وأبناءهم يذهبون إلى المدارس هناك، أو في قراهم الأصلية بالمغرب. يسمعهم يتحدثون عن مصاريف، عن زيارات صيفية، عن رسائل فيديو مع أطفالٍ يكبرون من خلال الشاشات. هو، في شقته الصغيرة، يفتح الباب على غرفة وحيدة، وسرير واحد، وطاولة لا يشاركها معه أحد.

حين وصله أول تسجيل صوتي قصير بصوت يونس، كانت زينب قد طلبت من الطفل أن يرسل “سلامًا” بسيطًا للرجل الذي سيسكن، ربما، في حياتهما. جاء الصوت مترددًا، لكن حقيقيًّا:

ـ السلام عليكم عمي محمد…

توقف لحظة، ثم أضاف كجملة حفظها من زينب:

ـ نتمنى أن تزورنا قريبًا.

أعاد محمد تشغيل التسجيل أكثر من مرة. لم يكن في الجملة شيء استثنائي، لكن سماع صبيّ ينطق اسمه بأريحية ترك أثرًا في قلبه أعمق مما توقع. أحسّ، لأول مرة، أن الأبوة يمكن أن تُبنى من هذه التفاصيل الصغيرة، من “السلام عليكم” متلعثمة، ومن توقّع طفل لزيارة رجل غريب لا يعرف عنه سوى أنه “يحب أمّه”.

في المغرب، كانت زينب تحاول، بحذر، أن تُدخل صورة محمد إلى ذهن يونس دون أن تفرضها. تحكي عنه كقريبٍ بعيد، كرجل تعب في الغربة، كأسئلة يطرحها على نفسه أيضًا:

ـ يقول إن الثلج في مدينته جميل، لكنه قاسٍ… لا يرحم من لا يملك مدفأة جيدة.

ـ يقول إن البحر من هناك يبدو مختلفًا، كأنه يلمع أكثر، لكنه أبعد عن رائحة الشاي وصرخات الباعة.

ذات ليلة، قالت له:

ـ محمد لم يتزوج هناك.

ـ لماذا؟

ـ لا أعرف كل شيء، لكنني أظن أنّه لم يجد ما يستحق أن يبني فوقه بيتًا.

سألها بتلقائية صافية:

ـ وأنتِ… هل وجدتِ ما يستحق؟

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:

ـ ما زلت أبحث عن شكلٍ لا يجعلني أخسرك.

حين جاء الحديث عن السفر، لم يكن مفاجئًا تمامًا، لكنه كان ثقيلًا في ميزان القرارات. محمد لمح إلى فكرة أن يأخذ زينب معه إلى فرنسا إن تمّ الزواج، لأن وضعه القانوني هناك يسمح له بذلك، ولأن العودة النهائية للمغرب ليست ممكنة بعد لأسباب مادية ومهنية.

قال لها في إحدى المكالمات:

ـ أنا غريب هنا، لكنني صرت أعرف الشوارع، اللغة، القوانين. يمكنني أن أفتح لك حياةً أقل قسوة مما تعيشينه الآن.

ـ وماذا عن يونس؟

ـ هو السؤال الأول، ليس الأخير.

ـ يستطيع أن يسافر معنا؟

ـ من الناحية القانونية، نعم، إذا تمّ ترتيب الأمور على أنه في كفالتي.

سكتت قليلًا، فالجانب القانوني ليس هو ما يقلقها.

ـ ومن ناحية القلب؟

ـ من ناحية القلب… لن أقطعك عنه، ولن أقطعْه عنك.

جلست تلك الليلة أمام نافذتها، تنظر إلى سماء المدينة التي اعتادت هواءها. فكرت: “هل يمكن أن تكون فرنسا، البعيدة الباردة، مكانًا آمنًا لطفلٍ لم يعرف حتى الآن سوى الفقد والتنقّل؟” لكنها فكرت أيضًا في الدخل المستقر، في نظام التعليم، في فرصة أن يكبر يونس في بيئةٍ لا يطارده فيها ماضيه ولا ظروف تبنّيه.

وفي مكانٍ آخر، في شقته الفرنسية، كان محمد يعدّ ميزانيته على ورقة: راتبه، مصاريفه، إمكانية استقبال زوجة وطفل. لم يكن قرار “قبول يونس” بالنسبة إليه رفاهية عاطفية فقط، بل مسؤولية حياة كاملة. ومع ذلك، كلما جرّب أن يضع خطًّا يفصله عن هذا الطفل، تذكّر وحدته الطويلة، والفرصة التي تعنيها كلمة “ابن” لرجل عاش نصف عمره يسمعها من أفواه الآخرين فقط.

عندما واجهت زينب يونس للمرة الأولى بفكرة السفر، لم تقدّمها كأمرٍ واقع، بل كسؤال مفتوح:

ـ محمد… إن تزوجنا، ربما سيطلب أن نذهب معه إلى هناك.

ـ إلى فرنسا؟

ـ نعم.

ـ وسأذهب معكِ؟

ـ بالتأكيد.

توقف لحظة، كأنّ ذاكرته أعادت له فجأة مشهدًا قديمًا: سفره الأول من القرية إلى المدينة، من حضن حادة إلى سيارة رمادية، من باب المستشفى الخلفي إلى بيتٍ لا يعرفه. قال ببطء:

ـ لا أريد أن أبقى هنا وحدي.

ـ ولن تفعل.

ـ لكن… فرنسا بعيدة.

ابتسمت:

ـ الجبل أيضًا كان بعيدًا، ومع ذلك حملته معك هنا (وأشارت إلى صدره).

صمت، ثم سأل السؤال الذي يختصر مخاوفه كلها:

ـ ومحمد… سيعتبرني حقًا ابنه؟

جثت زينب أمامه، نظرت في عينيه وقالت:

ـ لن أكون مع رجلٍ لا يراك كما أراك أنا. هو يعرف أنني لا أستطيع الإنجاب. ويعرف أن قلبي اختارك من قبل أن يختاره هو. إن قبل بي، قبل بك.

في هذه اللحظة، لم يكن محمد حاضرًا بجسده، لكن روحه كانت على الطاولة بينهما. كان قرار قبوله أن يكون ليونس أبًا، لا مجرد “مرافق” لأمّه هو الخيط الذي يربط بين أطراف هذه الحكاية. لو أنه اشترط أن يكون الطفل في الخلفية، لربما كانت زينب قد أغلقت الملف كله. لكنها رأت فيه، رغم كل مخاوفها، رجلاً لم يهرب من فكرة أن يعيش مع ابنٍ ليس من دمه، بل اقترب منها وهو يعرف أن هذا الابن سيكون، بحكم العجز عن الإنجاب، ابنَه الوحيد أيضًا.

لم يكن يونس يفهم كل طبقات هذا التعقيد، لكنه التقط شيئًا واحدًا: أن وجوده في قلب زينب، وفي مشروع حياتها القادم، لم يعد قابلًا للتفاوض. وأن محمد، الذي يأتي من بلادٍ لا يعرف بردها ولا لغتها، لن يدخل البيت من بابٍ خلفي هذه المرة، بل من الباب الأمامي، وهو يمدّ يده لصبيّ يعرف أنّ اسمه الأول كان “أمناي”، وأن اسمه الحالي “يونس”، وأن اسمه القادم، في فرنسا أو في أي مكان، سيبنى لا على عقد بيع، بل على عقدٍ يوقّع عليه القلب قبل القلم.

 

يتبع…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *