منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ16)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الفصل الخامس:

إقلاع بنصف قلب..

سفر محمد بعد الزواج لم يكن مجرّد رحلة عابرة، بل كان أشبه بخطٍ فاصل بين حياةٍ آمنت زينب ويونس أنها بدأت تستقر، وبين مستقبلٍ معلّق على ختمٍ فوق ورقة في إدارة بعيدة. بعد أسابيع قليلة من حفلٍ بسيط جمعهما، بدأ العدّ العكسي ليوم عودته إلى فرنسا لاستكمال ما سمّاه دائمًا “معركة الأوراق”.

في الأيام الأخيرة قبل سفره، كان البيت الصغير يعيش بين نقيضين: دفء اللحظات المشتركة، وظلّ الرحيل الذي يتمدّد على الجدران. محمد يحاول أن يُكثر من التفاصيل العادية: أن يصلح صنبورًا يسرّب ماء، أن يغيّر مكان خزانة، أن يشتري مصباحًا جديدًا للصالون، كأنه يريد أن يترك في البيت آثار يده في كل زاوية، ليشعر أن روحه ستبقى فيه حين يغيب.

زينب، من جهتها، تحفظ في ذاكرتها كل حركة: طريقة جلوسه على الكرسي القريب من النافذة، صوته وهو ينادي “يونس” من باب الغرفة، حتى ضحكته القصيرة حين يعجز عن نطق كلمة دارجة مغربية كما ينبغي.

أما يونس، فكان يقيس الوقت بعيون طفل يعرف أن السفر ليس نزهة، وأن الطائرة هذه المرة لا تحمل سائحًا سيعود بعد أسبوعين، بل تذهب برجلٍ يحمل معه مشروع خروجهم جميعًا من هذا الحيّ، وربما من هذا البلد.

في ليلة السفر، جلسوا ثلاثتهم حول مائدة بسيطة. لم يكن في العشاء ما يُذكر: طبق عدس، خبز، إبريق شاي. لكنّ ما كان يدور في الصمت بين اللقمات أثقل من أن يُحكى. قال محمد محاولاً أن يكسر الصمت:

ـ في فرنسا، العدس بلا كمون لا يُؤكل.

ابتسمت زينب:

ـ وهنا من دونه لا يُغفر للطبّاخ.

ضحك يونس بخفّة، كانت تلك طريقته في أن يقول: “أنا هنا، أسمعكم، وأخاف أن تسافروا عني.”

عند الباب، وهو يستعدّ للذهاب إلى المطار، ركع محمد قليلاً أمام يونس، وضع يده على كتفه وقال:

ـ ستواصل دراستك، وتساعد أمّك، حتى نُرتّب كل شيء.

سأله الطفل بصوتٍ مبحوح:

ـ ومتى سنسافر؟

تنهد محمد:

ـ الأوراق لها وقتها… لكنّي لن أنسى.

ثم التفت إلى زينب، وفي عينيه وعدٌ أكبر من الكلمات:

ـ لن أبدأ حياةً هناك بدونكما.

في فرنسا، عاد محمد إلى غرفته الصغيرة، لكنّ وحدته هذه المرة كانت مزدوجة. لم يعد فقط رجلًا مغتربًا يفتقد أهله البعيدين، بل زوجًا وأبًا بالتبنّي ترك وراءه روحين معلّقتين على ما ستقوله الإدارة الفرنسية.

بدأت الدورة الطويلة للملفات: استمارات تُملأ بدقّة، وثائق تُترجَم وتُوثَّق، صور شمسية، شهادات زواج، شهادات سكن، كشوف رواتب تثبت أنه يملك دخلاً ثابتًا، عقد إيجار يثبت أن لديه مسكنًا يكفي لاستقبال “الأسرة”.

ملف زينب كان، رغم تعقيده، واضح المعالم: زوجة مغربية لرجلٍ مقيم بصفة قانونية في فرنسا، تستوفي شروط لمّ الشمل من حيث الزواج والسنّ والسكن والدخل.​

أما ملف يونس، فكان شيئًا آخر: طفلٌ لا يحمل اسمه في خانة “الأب”، مكفولٌ لا مُتَّخذٌ بالتبنّي الكامل، ورواية قانونية لا تشبه قصص الأسر العادية.​

حين جلس أمام موظف الهجرة لأول مرة، كان يحمل ملفين في يده: واحد باسم زينب، وآخر باسم يونس. فتح الموظف الملف الأول، نظر إلى الأوراق، سأل عن تفاصيل الزواج، عن مدة إقامة محمد، عن دخله. كانت الإجابات جاهزة، موثقة، قابلة للنقاش الإداري فقط.

ثم فتح الملف الثاني، ألقى نظرة سريعة على الورق، على شهادة الكفالة، على وثائق الميلاد، على التوضيحات التي كتبها محمد بخطّه: “هذا الطفل في كفالة زوجتي، لا تستطيع الإنجاب، وهو يعيش معها منذ سنوات.”

رفع الموظف رأسه، قال بجملة رتيبة كمن يكرّر تعليمات مكتوبة:

ـ في فرنسا، الكفالة ليست تبنّيًا.

ردّ محمد بهدوء حبس فيه قلقه:

ـ أعلم… لكنّه يعيش معها كابن، وليس له غيرنا الآن.

ـ إجراء لمّ الشمل للأطفال يخصّ الأبناء البيولوجيين، أو المتبنَّين قانونيًا وفق شروط معينة… وضعه معقَّد.

ـ لكن مصلحته أن يكون مع أمّه…

أغلق الموظف الملف مؤقتًا، قال بصوتٍ خالٍ من العواطف الشخصية:

ـ سننظر فيه، لكن لا أعدك.

خرج محمد من المكتب بذهنٍ أكثر ثقلًا. لم يكن يجهل صعوبة الأمر؛ سمع قبلًا عن تعقيدات “الكفالة” في القانون الفرنسي، وأنها لا تُعامل معاملة التبنّي الكامل، وأن لمّ الشمل للأطفال المكفولين يمرّ من ثقب إبرة “المصلحة العليا للقاصر” وتقدير الإدارة والقضاة.​

لكنّ سماع هذا بوضوحٍ من فم الموظف شيءٌ آخر. كان يعني أن ما كان يراه منطقيًا وبديهيًا ـ أن يعيش طفلٌ مع من ربّوه وحملوه في قلوبهم ـ ليس بديهيًا في نظر الأوراق والأنظمة.

أسابيع تحوّلت إلى شهور.

في المغرب، كانت زينب تنتظر اتصالًا من محمد يخبرها بأن الأمور تسير كما يجب. كلما تأخّر، كانت تخترع لنفسها أعذارًا له: “ربما العمل يأخذ وقته”، “ربما الإدارة بطيئة”، “ربما لا يريد أن يقلقني قبل أن يتضح شيءٌ ملموس.”

كانت تخفي عن يونس تفاصيل الانتظار، تكتفي أحيانًا بجملة:

ـ محمد قال إن الأمور تتقدم… لكن علينا أن نصبر.

لم تكن تكذب تمامًا، لكنها لم تكن تقول الحقيقة كاملة أيضًا: أنه، في كل مكالمة، يصطدم بجدار جديد من الشروط والملاحظات والاحتمالات المفتوحة.

في أحد الأيام، جاء الاتصال المختلف. كان صوت محمد أثقل، ونَفَسُه أطول قبل كل جملة.

قال بعد تمهيدٍ قصير عن العمل والجو:

ـ عندي خبر… نصفه جيّد، ونصفه…

سكت، كأنه يختار كلمات يصعب ترتيبها.

ـ تحدّث.

ـ ملفّك… تمت الموافقة عليه.

مرّت لحظة صمت في الطرف الآخر. زينب شعرت بقلبها يقفز بين أضلاعها: هذا يعني أن حلم الخروج من ضيق الحيّ إلى أفقٍ أوسع صار قابلاً للتنفيذ. لكنها لم تُطلق صيحة الفرح مباشرة، كأنها كانت تعرف أن “النصف الآخر” من الجملة يحمل وزنه.

ـ وماذا عن يونس؟

تغيّر صوته:

.ملف يونس… رفضوه في هذه المرحلة.

كلمة “رفض” وقعت في أذنها كحجرٍ في زجاج رقيق. تمسكت بسؤال واحد، رغم أنها كانت تريد أن تسأله ألفًا:

ـ لماذا؟

ـ يقولون إن وضعه القانوني معقّد… وأن الكفالة لا تكفي وحدها. يطلبون قرارات قضائية إضافية، إثباتات، وربما… يقولون إن الأفضل أن يبقى حيث هو الآن.

ـ حيث هو الآن… يعني بعيدًا عني؟

ـ هكذا يرون الأمور، لا كما نراها نحن.

في تلك الليلة، حين أغلقت زينب الهاتف، شعرت كما لو أنها عادت سنوات إلى الوراء، إلى اللحظة التي قررت فيها أن الأمومة ليست ورقة ولادة، بل التزام قلب. اليوم، يتحدّاها العالم مرة أخرى بورقةٍ مختلفة، تقول لها: “أنتِ زوجة يمكن أن تنتقل، لكنّ أمومتك لطفلٍ مكفول لا تعبر الحدود بسهولة.”

جلست في الصالون، ووجهها بين يديها. دخل يونس من غرفته، سأل بعفويةٍ قلقة:

ـ هل من جديد؟

نظرت إليه. للحظة، فكّرت أن تؤجل، أن تخفي عنه نصف الحقيقة. لكن عينيه، اللتين شهدتا من قبل كيف يتغيّر مصيره دون استئذان، لم تسمحا لها بالكذب.

ـ محمد… حصل على الموافقة لأجلي.

ابتسم نصف ابتسامة:

ـ يعني ستسافرين؟

ـ من حيث المبدأ… نعم.

ثم أضافت بصوتٍ انخفض فجأة:

ـ لكن ليس الآن.

ـ ولماذا؟

تنفست بعمق، قالت:

ـ لأنهم… لم يوافقوا بعد على سفرِك معنا.

تجمّدت ملامحه لحظة، كأن المشهد يعيده إلى مستشفى بعيد، إلى توقيع ورقة دون أن يُستشار.

ـ يعني… ستسافرين وحدك؟

ـ لا… لن نسافر الآن.

ـ لكن… كان حلمك أن تخرجي من هنا.

ـ وحلمي الآخر ألا أتركك هنا، وحيدًا، في عالمٍ لا يرحم.

في فرنسا، كان محمد يخوض معركة أخرى: مراسلات مع محامين، استشارات مع جمعيات حقوقية، أسئلة عن إمكانية استئناف القرار، عن إثبات “المصلحة العليا للطفل”، عن استصدار حكمٍ يعترف قانونيًا بالعلاقة بين يونس وزينب. الردود كانت تقنية، باردة، مليئة بالمصطلحات: “إعادة دراسة الملف”، “استكمال الوثائق”، “احتمال ضئيل”، “زمن انتظار طويل”.​

لكنه، رغم كل ذلك، لم يغلق الباب. كتب أكثر من مرة في طلباته:

ـ هذا الطفل ليس رقمًا في ملف، هو الابن الوحيد لامرأة لا تستطيع الإنجاب، وأنا ألتزم أمام القانون أن أعتبره ابني أيضًا.

مرت شهور أخرى بين أمل يتقد كلما تحدّث محامٍ عن “ثغرة ممكنة”، وبين إحباطٍ يشتدّ كلما جاء جواب إداريّ آخر يؤكد رفضًا أو يطلب مزيدًا من الوقت.

في المغرب، كانت زينب تحاول أن تعيش يومها دون أن تترك الانتظار يلتهمها. قالت ليونس في إحدى الأمسيات:

ـ ألمانيا، فرنسا، أي بلد… كلها أسماء فوق الخريطة. المهم عندي الآن ألا تُعاد كتابة قصتك دون أن تكون حاضرًا.

سألها بصوت خافت:

ـ يعني… لن تذهبي بدوني؟

نظرت إليه نظرة أمٍّ اخترقت كل قوانين “الفرصة الثانية”:

ـ لن أذهب وحدي وأترك ظَهرك عاريًا كما فعلوا بك أول مرة. إن كتب الله لنا سفرًا، يكون معًا. وإن لم يُكتب، نبقى معًا هنا.

في تلك اللحظة، شعر يونس بشيءٍ جديد: أن هذه المرة، إذا فُتح باب خلفي في مكانٍ ما، ستكون زينب واقفة عنده، لا تسمح لأحد أن يدفعه إلى العتمة دون أن تمسك بيده.

أما محمد، وهو يتنقل بين مكاتب الإدارة الفرنسية، يحمل ملفين أحدهما يمضي بسلاسةٍ نسبية والآخر يتعثّر عند كل خطوة، فكان يعرف أن اختباره الحقيقي ليس فقط في قدرته على إخراج أوراق، بل في قدرته أن يختار: هل يُسرّع خلاصه الشخصي وزوجته، أم يصرّ على أن يكون الخلاص جماعيًّا، حتى لو كلّفه ذلك سنوات إضافية وحيدا في بلدٍ بارد؟

هكذا عاش الزوجان أول فصل من حكايتهما على صورةٍ مركّبة: زينب في بيتها، ترفض قرارًا يفرّق بينها وبين ابنها؛ يونس الذي تعلّم من قبل أن الأبواب الخلفية تخطف الأطفال، يرى هذه المرة أمّه وزوجها يحاولان أن يحمياه من تكرار التجربة؛ ومحمد، في فرنسا، أمام ملفّين: واحد تمت الموافقة عليه، وآخر ينظر إليه القانون بعينٍ باردة، فيما ينظر إليه هو بعين رجلٍ قرّر أن يكون أبًا لطفلٍ لا يحمل اسمه في الأوراق، لكنّه يحمل اسمه في الدعاء.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *