رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ17)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
الخلاف هذه المرة لم يكن حول رقمٍ في فاتورة، ولا حول طريقة تربية، بل حول قلب واحد: هل يُترك وحيدًا مؤقتًا في انتظار مستقبلٍ أفضل، أم يُحمَى في الحاضر ولو على حساب ذلك المستقبل؟ كان اسم هذا القلب: يونس.
في البداية، لم تُطرح فكرة سفر زينب وحدها دفعة واحدة. جاءت كهمسٍ خافت في نهاية مكالمة، ثم كجملة اعتراضية، ثم صارت موضوعًا قائمًا بذاته.
قال محمد ذات مساء وهو في فرنسا، صوته يأتي عبر الهاتف متردّدًا بين رغبة وإحساس بالذنب:
ـ زينب… الانتظار يطول. باريس ليست سريعة في مثل هذه الملفات.
ـ نعرف هذا من البداية.
ـ ملفك جاهز، إن جئتِ الآن، يمكن أن نبدأ إجراءات جديدة من هنا ليونس. بعض المحامين يقولون إن وجود الأم في فرنسا يقوي ملف الطفل.
سكتت قليلاً، تساءلت:
ـ وماذا عن الأشهر، وربما السنوات، التي تفصل بين “الآن” وذاك “اليوم” الذي تتحدث عنه؟ أين سيكون يونس خلالها؟
في الأيام التالية، بدأت هذه الفكرة تتموضع في البيت كضيف ثقيل: لا أحد يرحّب به صراحة، لكن لا أحد ينكر وجوده.
زينب تضع الغداء على المائدة، تنظر إلى وجه يونس المنهمك في حديثٍ عن المدرسة، وتسأل نفسها: “كيف يمكن أن تترك هذا الكرسي فارغًا وهي في بلدٍ آخر؟”
محمد، في المقابل، يقف في شرفته الباردة في فرنسا، ينظر إلى بناياتٍ رمادية، ويتخيّل زينب تخرج من بيتٍ ضيق في المغرب إلى شقةٍ أفضل هنا، إلى عملٍ أكثر استقرارًا، إلى أوراق إقامة تمنحها أمانًا كان ينقصها دائمًا. ويقول في نفسه: “لو صارت أمورهما هنا مستقرة، سيسهل جلبه.”
كان بينهما، كعادتهما، حوار طويل على حلقات.
قال لها يومًا بصراحةٍ أكثر:
ـ أنا لا أطلب منكِ أن تتخلي عنه… أطلب أن تفكري في مصلحته على المدى البعيد.
ـ مصلحته… أن أتركه اليوم؟
ـ مصلحته أن يكون له مستقبل أفضل. هنا، التعليم مختلف، الفرص أخرى. لو كنتِ معي الآن، لكان ملفّه أقوى.
ـ وأيامه القادمة هنا؟ من يملؤها؟ من يوقظه للمدرسة؟ من يردّ عليه حين يخاف من ظلٍّ على الحائط؟
ـ يمكن أن تجدي من يرعاه. مثلاً… جارتك فاطمة. تعرفينها جيدًا، ويعرف بيتها.
اهتزت الجملة في أذنها:
ـ فاطمة؟
ـ نعم، امرأة طيبة، وابنها في عمره تقريبًا. يمكن أن يقيم لديها مؤقتًا، ونحن نرسل لها مبلغًا شهريًا. الأمر لن يكون دائمًا. شهورا قليلةـ سنة على الأكثر… ثم نضمّه إلينا.
فاطمة، الجارة، كانت امرأة معروفة في الحيّ بصبرها وبساطتها. أرملة منذ سنوات، تربي ولدين، تعيش من عمل تنظيفٍ متقطع ومن مساعدة بعض الأقارب. بيتها ليس فسيحًا، لكنه مفتوح دائمًا على ضحكات أطفال وحروف قرآنٍ تسمع من مذياعٍ قديم.
حين فاتحتها زينب بالفكرة، لم تُظهر فرحًا بالمبلغ الشهري المعروض، ولا ذعرًا من المسؤولية المقترحة. نظرت إلى يونس فترة طويلة، ثم قالت بهدوء:
ـ هذا ليس قِطًّا ولا دجاجةً أحتفظ بها حتى تعودي. هذا قلب.
أضافت بعد قليل:
ـ إن قررتِ السفر، سأفعل ما أستطيع. لكن اعلمي أن الألم لن يأتيه فقط من غيابك… بل من الإحساس بأنه “مؤجّل” إلى أجلٍ غير مسمى.
تأرجحت زينب بين هذا الكلام وبين كلمات محمد التي تتسلل إليها عبر الهاتف والرسائل:
ـ لن أعيش هنا مطمئنًا، وأنا أراك تنهكين في عملك هناك.
ـ إن حصلتِ على إقامة، ستتمكنين من دعمه من موقع أقوى.
ـ كل شهر يمرّ، نفوّت عليه فرصًا.
كل جملة تهزّ فيها وترًا مختلفًا: مرة وتر تعبها هي، مرة وتر مستقبل يونس، ومرة وتر شعورها بالذنب إن تجاهلت نداء حياةٍ أقل ضيقًا.
في المساء، كانت تجلس مع يونس في الصالون، يتظاهر كلٌّ منهما بأنه مشغولٌ بشيء: هو بدفتَرِه، وهي بتطريزٍ صغير. لكنّ سؤالًا واحدًا كان يدور في رأسيهما: “هل سترحل؟” و”هل سأتركه؟”
سألته مرة، دون أن تربط السؤال بخطة محمد:
ـ لو اضطررتُ أن أسافر لفترة، هل… تتحمل أن تبقى عند خالتك فاطمة؟
رفع رأسه ببطء، في عينيه ذكريات قديمة انبعثت فجأة: مستوصف، نعش، رجل غريب يقول: “ستعود، أيامًا ثم تعود.”
ـ فترة… كم تعنين؟
ـ لا أعرف… شهورًا، ربما عامًا أو أكثر.
ـ وأين ستذهبين؟
ـ إلى فرنسا.
سكت طويلاً، ثم قال بهدوء فيه نضج أكبر من عمره:
ـ سبق أن قالوا لي “ستذهب أيامًا ثم تعود”… ولم أعد.
تلك الجملة طعنت قلب زينب أكثر من أي حجة قالتها لنفسها. أحست أنها، دون أن تقصد، تعيد على سمعه نسخة مخففة من خيانة قديمة.
في مكالمتها التالية مع محمد، قالت بحدةٍ لم يعتدها منها:
ـ أنت تتكلم من فوق خريطة… وأنا أرى وجهه.
ـ أرى وجهه في خيالي أيضًا، زينب. لستُ حجرًا.
ـ لكنك في النهاية، حين تغلق الهاتف، تأكل وحدك، تنام وحدك، تذهب إلى عملك، حياتك تمشي في مسارها. أنا… إن ذهبت، سيتشقق هذا المسار من منتصفه.
ـ وإن بقيتِ، سيظل عالقًا هناك، تحت سقفٍ لا يقيه من كل شيء. كم مرة انقطع عندكم الماء؟ كم مرة خشيتِ أن يُغلَق باب المدرسة في وجهه لأنكم لم تدفعوا؟
ـ كثيرًا…
ـ فهل هذه هي الحياة التي نريد أن نُبقيه فيها، فقط لأننا نخاف من جرحٍ مؤقت؟
كانت حججه قاسية أحيانًا، لكنها حقيقية. المستقبل، من موقعه هناك، يبدو أقل ضبابية: قوانين واضحة، حقوق، تعليم، فرص عمل. ومن موقعها هنا، كان الحاضر أقوى: يد طفل في يدها، جسد في البيت، صوت يناديها “أمي” حين يضيع في حلمٍ موحش.
أيام طويلة مرّت وهما يدوران حول النقطة نفسها. فاطمة، الجارة، كانت ترى هذا الصراع بعينٍ ثالثة: لا تملك ثقل القرارات، لكنها تتحمّل جزءًا من نتائجها إن قبلت الدور. قالت لزينب ذات مساء، وهما تجلسان على العتبة:
ـ لن أنصحكِ أن تذهبي، ولن أنصحكِ أن تبقي. أنا لا أملك جلدك ولا قلبك. لكن اعلمي شيئًا واحدًا: مهما فعلتِ، سيتألم هو، وستتألمين أنتِ. الفرق فقط في نوع الألم وزمنه.
هكذا تعلّمت زينب أن أيًّا من الطريقين ليس طريقًا بلا شوك. أن البقاء يحمل ألمًا من نوع: “ماذا لو كُنّا هناك الآن؟” وأن الرحيل يحمل ألمًا آخر: “كيف ينام هذه الليلة دون أن أسمع أنفاسه؟”
في النهاية، بدأت كفّة محمد ترجح، لا لأن حججه أقوى عاطفيًّا، بل لأنها تستند إلى خوفٍ أعمق: خوف الفقر، ضغط الزمن، تزايد العمر، تضييق الفرص. قال لها في مكالمة حاسمة:
ـ زينب، اسمعيني جيدًا.
ـ أسمعك.
ـ إذا ضيّعنا هذه الفرصة الآن، قد لا تتكرر. ملفّك جاهز. إن تأخّرتِ، ربما تتغيّر القوانين، ربما يُشددون الشروط. هنا، على الأقل، يمكن أن أفتح لك بابًا، ومنه نفتح بابًا ليونس.
ـ وما الذي يضمن ألا يُغلق الباب في وجهه مرة أخرى؟
ـ لا ضمان في هذه الدنيا. لكن ما أضمنه لك هو أنني لن أكفّ عن المحاولة.
ـ وأنا؟ ماذا أضمن له؟
ـ تضمنين له أنك لم تتركيه من أجل حياة أسهل فقط، بل من أجل حياة أوسع له أيضًا.
كانت تلك الجملة، رغم قسوتها، بذرة القرار. لم تعد القضية في ذهنها “ذهاب أم وترك ابن”، بل “رهان أمٍّ على أن تؤمن لأبنها أرضًا أصلب تحت قدميه، ولو دفعت ثمن ذلك لوعة البعد.”
قضت ليالي كثيرة تفكر، تصلي، تبكي دون أن يراها يونس. أحيانًا، كانت تقف عند باب غرفته، تراه نائمًا، تتساءل: “هل ستستطيعين حقًا أن تغلقي هذا الباب وتذهبي؟” ثم تتذكر مستقبلًا بعيدًا تريده له: شهادة، عملًا محترمًا، بلدًا لا يعتبره رقمًا زائدًا.
في صباحٍ معيّن، بعد حديث طويل مع محمد، وبعد استشارةٍ مع فاطمة التي قالت أخيرًا: “إن قررتِ السفر، سأعتبره واحدًا من أبنائي”، جلست أمام يونس، قررت ألا تؤجل الكلمة أكثر.
قالت بصوتٍ حاولت أن تجعل فيه ثباتًا:
ـ يونس…
رفع عينيه، رأى في ملامحها شيئًا تغيّر.
ـ تحدثتُ مع محمد كثيرًا… ومع فاطمة أيضًا.
ـ أعرف.
ـ قررنا… أن أسافر أولاً.
سكت، شعر كأن الأرض تحركت قليلاً تحت قدميه.
ـ وأين سأكون أنا؟
ـ عند خالتك فاطمة.
ـ لفترة قصيرة؟
ـ لفترة… نأمل أن تكون قصيرة. سأعمل من هناك على ملفّك. محمد أيضًا.
تحجرت الكلمات في حلقه كأحجارٍ صغيرة. لم يصرخ، لم يبكِ فورًا. قال فقط:
ـ يشبه هذا ما قالوه لي أول مرة.
اغرورقت عيناها بالدموع:
ـ أعرف… وهذا ما كان يخيفني أكثر.
ـ ما الذي تغيّر الآن؟
ـ الذي تغيّر… أنني هذه المرة سأعرف أين أنت، وسأتصل بك كل يوم، وسأعود إن رأيت أن الأمر لن ينجح. حين ذهبتَ أول مرة، لم يسأل أحد عنك.
لم يكن في هذا التبرير شفاءٌ تام، لكنه كان كل ما تملك.
في الأيام التي تلت القرار، صار كل شيء يحمل طعمًا مختلفًا: وجبة الغداء، طريق المدرسة، حتى ترتيب الفراش. كلّ تفصيلٍ صار جزءًا من “الأخيرة”: آخر مرة تمشي معه إلى السوق معًا، آخر سهرة يشاهدان فيها برنامجًا في التلفاز جنبًا إلى جنب، آخر ليلة تفتح فيها عليه الباب لتتأكد أنه نام.
فاطمة بدأت تتحضّر بدورها: رتبت ركنًا في غرفة أبنائها، وضعت فيه فراشًا إضافيًا، علّقت فوقه آية “وهو معكم أينما كنتم” كأنها تقول له ولها: “هناك من يراقب هذه التجربة غيرنا.” أخذت من زينب تفاصيل دقيقة عن عاداته: ماذا يحب أن يأكل، كيف ينام، ما الذي يخيفه.
قالت زينب لها وهي تسلّمها ورقة فيها كل ذلك:
ـ هذا ليس دفتر تعليمات… هذا جزء من قلبي.
ردت فاطمة:
ـ سأحرسه ما استطعتُ، لكن الجرح الأكبر سيظل بينك وبينه، لا بيني وبينه.
في ليلة السفر، حين وضعت زينب حقيبتها قرب الباب، كان العالم يبدو كما لو أنه يعيد مشهدًا قديمًا، لكن مع اختلاف بسيط في توزيع الأدوار. هذه المرة، الأم هي التي تذهب، والطفل هو الذي يبقى.
اقتربت منه، احتضنته طويلاً، حتى كاد النفس يختنق بين ضلوعه وأضلاعها.
ـ أعدك…
همس بها في أذنه:
ـ ألا تنسيني؟
ـ ألا يكون لي على لساني في كل صلاةٍ إلا اسمك. وأن أفعل كل ما أقدر عليه لتكون معي قريبًا. وإن رأت عيني أن ما نفعله يدمّرك أكثر مما يبنيك… سأعود.
هزّ رأسه، لم يجد لغةً أكثر من الصمت. كان يعلم أن الزمن وحده سيحكم على هذا القرار: إما أن يكون جسرًا صعبًا إلى برٍّ أفضل، أو شرخًا جديدًا في حكايةٍ امتلأت بالشقوق.
يتبع…
اترك تعليقاً