“الفراقشية” من إسطبل البقر إلى قبة البرلمان: قراءة في تحول مفهوم شعبي إلى أداة صراع سياسي
هناك مفاهيم تنشأ في قلب الخطاب الأكاديمي أو السياسي، تصاغ بعناية، ثم تحقن في المجال العمومي. في المقابل، هناك مفاهيم أخرى تولد من التربة الخام للثقافة الشعبية؛ مفاهيم تنبثق من هوامش العيش اليومي، من حقول القرى، من كل ما هو غير مرئي في خرائط الحداثة. من هذا الطراز، انبثق مصطلح أو مفهوم “الفراقشية”.
في أصله، اللفظ مجرد علامة على جماعة متخصصة في سرقة الأبقار ليلا من إسطبلات الفلاحين. صورة محلية شعبية متواضعة تبدو بعيدة كل البعد عن أي نقاش سياسي أو برلماني. لكن المفارقة أن هذا المفهوم على بساطته بفضل قوة المخيال الشعبي ونجاح مسلسل “الدم المشروك” الذي سلط الضوء على هذا المفهوم وإعادة إبرازه في الواجهة الفنية، تسلل من اسطبل البقر إلى منصات التواصل، ثم إلى البرلمان، ثم إلى معجم النقد السياسي اليومي.
هكذا صار ما يصطلح عليه ب “الفراقشية” مرآة تعكس فقدان المجتمع الثقة في اللغة الرسمية التي تسعفه في وصف وتسمية الفساد، فاستنجد بقاموسه الشعبي كي يعبر عن الأشياء كما يشعر بها لا كما تدون. فانتشار هذا المفهوم الشعبي يعكس بالأساس تحولات علاقة المجتمع بالسياسة من جهة، وتحولات بنية، أنساق ووظائف الخطاب السياسي من جهة ثانية.
في إطار تحليل أبعاد الأنساق اللغوية الاستعارية ودلالاتها لا بد من استحضار تحليل جورج لايكوف للاستعارة وبناء الإطار قبل تحليل علاقتها بالخطاب السياسي. وهكذا نستحضر ما دعي بتيار الدلالة المعرفية في كتابه المشترك مع مارك جونس “الاستعارات التي نحيا بها”. وقد أتاح هذا التيار بلورة أنموذج عام يحاول مقاربة كيفية حصول المعاني وما يحفزها، وذلك انطلاقا من خصوصيات الإدراك البشري وعوامل التجربة التي تفعل فيه. فحسب لايكوف جزء هاما من تجاربنا وسلوكاتنا وانفعالاتنا استعاري من حيث طبيعته، وهكذا فإن نسقنا التصوري يكون مبنيا جزئيا بواسطة الاستعارة. بهذا لن تكون الاستعارات تعابير مشتقة من “حقائق” أصلية، بل تكون هي نفسها عبارة عن “حقائق” بصدد الفكر البشري والنسق التصوري لهذا الأخير.
فتحليل هذا البعد المعرفي يحيلنا على استحضار عدة طروحات ونظريات معرفية حاولت تأسيس نظر مميز يحاول تفسير المعاني وحصولها. أولا ما عرف بالقيد المعرفي في نظرية الدلالة، تظهر هذه النظرية كما يقدمها جاكندوف أن المعنى ليس معطى لغويا جاهزا، بل هو نتاج القيود المعرفية التي يفرضها الإدراك البشري، أي أن الإنسان يفهم العالم عبر بنيات تمثيلية حسية–تجريبية يعيد بها تنظيم المعلومات القادمة من حواسه وتجاربه. هذا المبدأ يجعل اللغة أداة لتصوير التجربة أكثر من كونها وسيلة محايدة لوصف الواقع، لأن التعبير اللغوي يتأسس على «أطر» ذهنية تستخدم مخزون الخبرة الإنسانية لتأطير المعنى وتوجيهه. ومن هنا يصبح المعنى مرتبطا بطريقة البشر في معالجة العالم وفهمه، لا بطريقة الأشياء في وجودها المادي. وانطلاقا من هذا الأساس، يمكن تفسير التحول الدلالي الذي عرفه مفهوم “الفراقشية” في السياسة المغربية؛ فالكلمة لم تغير معناها عبر تطور لغوي عفوي، بل لأنها أدرجت داخل بنية تمثيلية جديدة تعبر عن التجربة الجمعية في إدراك الفساد والريع. وتماما كما تفترض النظريات التصورية أن الإدراك البشري يدمج خبراته السابقة في تمثيلاته للمعنى، فإن المخيال السياسي استدعى صورة «اللص القروي الذي يسرق البقر» ليعبر بها عن تجربة أشد تعقيدا؛ نهب المال العام، والاستفادة غير المشروعة من الثروة، وخرق قواعد العدالة. لقد تمكن هذا المفهوم من الانتقال إلى الخطاب البرلماني لأنه يستجيب لبنية دلالية غنية قادرة على ترميز تجربة سياسية–اجتماعية لا تستطيع اللغة التقنية الرسمية أن توصلها. وهكذا يصبح «الفراقشي» استعارة تجسد رؤية المواطن للعالم السياسي؛ رؤية تسقط إدراكا حسيا ملموسا (السرقة الليلية، السطو على رزق الفلاح) على ظاهرة بنيوية (الفساد)، فيتحول الفهم السياسي من معالجة عقلانية تجريدية إلى فهم تجريبي–تصويري يستمد قوته من توافقه مع مخزون الوعي الجماعي. وهذا يجعل المفهوم مثالا بارزا على أن اللغة السياسية لا تنتج المعنى بمعزل عن الإنسان، بل هي امتداد لطريقته في بناء العالم داخل ذهنه، واستثمار خبراته الحسية ليحولها إلى أدوات احتجاج ونقد وكشف.
من جانب آخر نستحضر نظرية “دلالة الأطر والفهم الموحد” التي وضع أسسها فيلمور والتي تحيل على أن المعنى لا يستخلص من الألفاظ ذاتها، بل من الإطار الدلالي الذي توضع فيه، وأن الجملة لا تكون «صادقة» أو «دالة» إلا داخل شبكة العلاقات التي تربط بين مفرداتها وسياق استعمالها. هذا المعطى يتيح مدخلا حاسما لفهم التحول الدلالي لكلمة «الفراقشية» في الخطاب السياسي المغربي؛ إذ لم يعد اللفظ يحيل إلى سرقة الأبقار في معناها الحرفي، بل أعيد إدماجه داخل إطار دلالي جديد تهيمن عليه صور الفساد والريع ونهب المال العام. فكلمة «الفراقشية» اكتسبت صدقية سياسية–اجتماعية لأنها استوفت شروط الإطار الجديد؛ إطار الغضب الشعبي من مظاهر الاختلال، والرغبة في تسمية الفساد باسم يكشفه وفق التمثلات المجتمعية السائدة ونظرتها للصور البلاغية. وهكذا لم يعد معنى «الفراقشية» مرتبطا بمرجعيتها الأصلية، بل صار معنى مؤطرا بسياق سياسي ينتج دلالاته الخاصة ويعيد توزيع الصدق والكذب على عبارات الخطاب تبعا لانسجامها مع توقعات الجمهور ووعيه السياسي. وبذلك تقدم الحالة مثالا حيا لفكرة أن المعنى ليس صفة للجملة بل لـ «الإطار» الذي يشرعن صدقيتها، وأن اللغة السياسية تعيد تشكيل الألفاظ كلما تغير النسق الذي يحتضنها، تماما كما يعيد العقل الدلالي إنتاج الحقيقة داخل كل إطار معرفي في نظريات اللسانيات.
في نفس السياق، نستحضر نظرية «الطرح الموضوعي للمعنى» التي تكشف عن رؤية تعتبر الذهن البشري عنصرا مشتركا بين البشر جميعا، وأن الرموز اللغوية ليست سوى انعكاس لعمليات ذهنية داخلية تتيح للإنسان تمثيل العالم وتمييز معطياته. غير أن هذا التصور الذي يرى المعنى نتاجا لمحاكاة ذهنية أو لتمثيلات رمزية محايدة، اصطدم بانتقادات عديدة أبرزها إشكال الانفصال بين العلامة وما وراءها؛ إذ إن العالم ليس بنية جاهزة تنتظر من الإنسان كشفها، بل هو معاد تشكيله دائما من خلال تصورات الإنسان وخبراته. ومن هنا انفتحت النظريات الحديثة على رؤية ترى أن المعنى يصنعه الذهن عبر تجارب حسية وثقافية، وأن فهم الرموز ليس عملية ميكانيكية، بل هو اندماج بين التصورات الداخلية والمرجعيات الاجتماعية التي تشكل خلفية الفهم. هذا التحول يسمح بقراءة جديدة للكيفية التي تغير بها مفهوم «الفراقشية» في المغرب؛ فالمعنى الذي اكتسبه المفهوم سياسيا لا يمكن فهمه باعتباره انعكاسا «موضوعيا» لظاهرة الفساد، بل باعتباره نتاجا لعمليات ذهنية–اجتماعية أعادت تركيب الرمز داخل إطار جديد تحركه مشاعر الغضب، والخيبة، والتجربة المشتركة مع مظاهر الريع. وتماما كما تفترض النظريات الدلالية المعاصرة أن الإنسان يسهم في خلق المعنى أكثر مما يكتشفه، فإن المجتمع المغربي لم «يجد» معنى «الفراقشية»، بل أنتجه عبر إسقاط خبرات جماعية على اللفظ، وتحويله إلى رمز مكثف يحمل ثقل التجربة السياسية ويعكس تصورا للواقع أكثر مما يصفه. وهكذا يتبين أن دخول المفهوم إلى الخطاب السياسي هو نتيجة قدرة المخيال الاجتماعي على خلق تصورات دالة، تحول كلمة بسيطة إلى أداة نقد سياسي، وتبرز أن المعنى السياسي – مثل الدلالة اللغوية – يصاغ داخل عقل المجتمع قبل أن يلفظ على لسان السياسي.
من زاوية تحليل الخطاب السياسي، حين ندخل وصفا مثل “الفراقشية” إلى المجال السياسي، فنحن ننتج واقعا لممارسة السلطة عبر الخطاب – كما صور ذلك المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله للخطاب – فوكو هذا يصر على أن الخطاب ليس مرآة ولا انعكاسا للسلطة بالضرورة بل أداة من أدواتها. فحين تطلق المعارضة على فئة من المستفيدين من الريع وصف “الفراقشية” داخل مؤسسة رسمية “البرلمان” فالخطاب في جوهره لا يعكس فقط وصف الفساد باستخدام مدلولات لغوية استعارية، بل تمارس نوعا من التجريم الرمزي؛ هنا يشتغل الخطاب كآلية للسلطة؛ فالخطاب يشكل جزءا من السلطة، إنه يحتويها وتحتويه. وذاك هو ما يقصده فوكو في قوله: ” ليست الخطابات بالمرة خاضعة للسلطة أو موجهة ضدها، إذ ينبغي افتراض لعبة متعددة وغير ثابتة، حيث يكون الخطاب في الوقت نفسه أداة ونتيجة للسلطة…” بهذا المعنى، تتحول الكلمة إلى تقنية سلطة بالتمام والكمال؛ تعيد توزيع مواقع المتكلمين (من يحق له اتهام من؟)، وتعيد ترتيب الحقول الممكنة للقول (ما الذي يمكن أن يقال حول الصفقات والريع، وبأي لهجة، وبأي شحنة أخلاقية)، وتنتج في النهاية شكلا مخصوصا من «الحقيقة» عن الفساد، هو الحقيقة التي يعترف بها الجمهور ويتبناها. لذلك، مصطلح «الفراقشية» بالإضافة لكونه استعارة شعبية، هو موقع جدل بين الخطاب والسلطة والمعرفة؛ خطاب يسلط الضوء على الفساد، لكنه في الوقت نفسه يبني «خريطة أخلاقية» للمجتمع، يرفع فيها البعض إلى مقام الضحية النبيلة، وينزل آخرين إلى مرتبة «الفراقشي» الذي لا يستحق سوى النبذ والملاحقة. في الأفق الفوكوي، كل هذا يعني أن معركة المفاهيم ليست بريئة أبدا؛ من ينجح في فرض الكلمات التي نصف بها الفساد، ينجح في فرض شكل السلطة التي سنمارسها على الفاسدين… وربما على غير الفاسدين أيضا!
اترك تعليقاً