الحداثة بين الهشاشة والوعي: امتحان النخب
لماذا تفشل المجتمعات في حماية المعنى عندما تتكاثر الأزمات؟ وكيف يتحوّل الفراغ القيمي إلى بوابة للفوضى والتطرف؟
يشتد القلق الجماعي عندما تتسع مناطق الضباب، وتفقد القيم قدرتها على تنظيم المعنى وتوجيه السلوك. و يؤدي تمدد الريع خارج منطق الاستحقاق إلى إضعاف الإحساس بالعدالة، فتتراجع الرغبة في حماية الصالح العام، ويخبو الشعور بالانتماء إلى مشروع مشترك. ومع تراكم هذه الشروط، ينكمش العقل الجماعي، ويتراجع إشراق الحياة المشتركة، ويتحوّل الحوار العام إلى مساحة مشحونة بالغضب والتناقض، ما يجعل الحاجة إلى وعي نقدي مسؤول أكثر إلحاحًا.
في المغرب، تظهر قابلية شبكات المصالح الضيقة لتحويل الاحتجاجات الاجتماعية إلى ساحة صراع رمزي، مستفيدة من ضعف قنوات التواصل بين المجتمع المدني والحكومة، ومن اهتزاز مصداقية بعض المؤسسات الوسيطة. هذا التحويل يفرغ الاحتجاج من أبعاده الإصلاحية، ويدفعه نحو الاستقطاب، فتضيع المطالب الاجتماعية بين الضجيج والمزايدات.
الفراغ القيمي المصحوب بالهشاشة الاجتماعية يخلق بيئة مواتية لصعود خطابات عدمية وفوضوية، تجد في الإحباط المتنامي مادة لتعبئة الغضب واستثماره. هذه الخطابات تعيد صياغة الخذلان الجماعي في صورة رؤية قاتمة للعالم، تُغذّي الانكفاء واليأس، وتمنح أصحابها حضورًا رمزيًا يتجاوز وزنهم الفكري. ومع غياب أدوات الفهم العميق، يتحوّل المواطن إلى متلقٍ منساق، فتغدو المبادرات الفردية محدودة الأثر، ويظل المجال العام أسير صراعات ثانوية.
تتضح هذه الديناميات في حالات احتلال الحيز العام من طرف مجموعات تستثمر الاحتجاجات الاقتصادية أو الجامعية لترويج أجندات خاصة، ما يعرقل تشكّل مشهد مدني متين، ويقوّض إمكان بناء تراكم إصلاحي هادئ. في هذا المناخ، يضعف التمييز بين الفعل الاحتجاجي المشروع والممارسات التي تُفرغه من المعنى.
في الاتجاه نفسه، تستثمر تيارات الإسلام السياسي الظلامي هذا الفراغ القيمي والسياسي عبر تقديم نفسها كحارس للقيم في مجتمع مرتبك. هذا الادعاء يمنحها شرعية ظرفية لدى فئات تشعر بانهيار المعايير، فتعمل على بناء تبعيات دينية وسياسية تُوسّع نفوذها الرمزي وتُقيّد النقاش العام. ومع تراجع الخطاب المدني، تتسع مساحة تأثير هذه التيارات، فتتحوّل بعض الفضاءات الاجتماعية والفكرية إلى أدوات لإعادة إنتاج السلطة الرمزية، على حساب العقل النقدي والإبداع.
تُظهر تجارب محلية قدرة جماعات منظّمة على استثمار الفجوات الاجتماعية في مدن صغيرة وأحياء شعبية، وتحويل ضعف الرقابة القانونية إلى نفوذ فعلي على فئات شابة تبحث عن المعنى والدور. هذا النفوذ يتغذّى من هشاشة السياسات العمومية، ومن غياب برامج متكاملة تُواجه الفقر والتهميش بفعالية.
أمام هذا المشهد، تواجه النخب المعنية بالتنوير تحديًا مزدوجًا: منافسة محتدمة على الحضور الإعلامي تطغى على إنتاج الأفكار، وضغط متزايد يدفع نحو الانخراط في الضجيج بدل التحليل. ومع ندرة القدوات الأخلاقية، يترسّخ انحدار سلوكي في المجال العام، فتضعف الثقة في الخطاب العقلاني، ويصعب التمييز بين القيم الراسخة والشعارات الجوفاء.
توسّع الريع يعمّق الإحباط، ويغذّي الاعتقاد بعدم جدوى الجهد الفردي، ما ينعكس سلبًا على الوعي المدني والمشاركة الجماعية. في ظل هذا الواقع، تبدو المبادرات المدنية معزولة، فتفقد قدرتها على التأثير المستدام. تستثمر التيارات المتطرفة هذا الإحساس لتسويق رؤية تُقصي الأمل، وتُبعد الناس عن الفعل العام، فتزداد دائرة الانكفاء.
تتحمّل الحكومة مسؤولية مركزية عندما يُدار ملف الفساد بانتقائية، أو تُهمل آليات المحاسبة الفعّالة. عندها يفقد القانون هيبته، ويترسّخ الشعور بعدم المساواة، فتتحوّل السلطة إلى أداة ضغط، ويجد الخطاب الظلامي مجالًا أوسع للتمدد. ضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني يزيد من حدّة هذا الاختلال.
الحداثة مشروع لإعادة ترتيب صورة الإنسان داخليًا، وتحرير طاقته الأخلاقية، وتهذيب السلوك قبل تشييد المؤسسات. التقدّم يتحقق عبر بناء وعي فردي وجماعي يُدرك أثر الأفعال ومسؤولية الاختيار. عندما تتوافق الممارسة اليومية مع المبادئ الأخلاقية، تتراجع قابلية المجتمع للاختراق، ويقوى حضوره المدني، وتكتسب المبادرات الإصلاحية قدرة أعلى على النفاذ.
بناء مجتمع حديث يتطلب ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع والنخب. الدولة تُفعّل القانون بشفافية وتحمي العدالة. المجتمع يدعم المبادرات النزيهة ويُعلي قيمة التضامن والمشاركة المسؤولة. النخب ترتقي بالخطاب، وتُقدّم نموذجًا عمليًا للقيم التي تدافع عنها. عند تلاقي هذه المسارات، يتشكّل وعي جماعي يعيد الإنسان إلى قلب مشروع حضاري قادر على مواجهة الهشاشة والانحراف.
في هذا الإطار، تفقد الخطابات المتطرفة أهم أدواتها: الخوف واليأس والتشويش. يضيق المجال أمام الهيمنة الرمزية، ويغدو المواطن أكثر قدرة على تحويل طاقته المكبوتة إلى إنتاج اجتماعي وفكري يحفظ الكرامة. المستقبل يكتسب وضوحًا، ويتحوّل الفضاء العام إلى مجال للنقد البنّاء والإبداع.
الحداثة مسار طويل يتطلب إرادة صادقة ومثابرة يومية. تراكم الممارسات الواعية يُنشئ جيلًا قادرًا على تجاوز الأزمات، وإعادة الحياة المشتركة إلى مسارها، وصون المشروع الحداثي أمام كل أشكال التطرف والهشاشة
اترك تعليقاً