المجموعات الصحية الترابية من التجريب إلى التعميم: منعطف حاسم في إصلاح المنظومة الصحية الوطنية
تشكل مصادقة مجلس الحكومة على أحد عشر مشروع مرسوم تتعلق بتحديد تاريخ الشروع الفعلي في ممارسة اختصاصات المجموعات الصحية الترابية بمختلف جهات المملكة، خطوة مفصلية في مسار إعادة تنظيم المنظومة الصحية الوطنية على أسس ترابية جديدة. بما يعكس توجها واضحا نحو تعميم هذا النموذج المؤسساتي بعد التجريب على مستوى جهة طنجة – تطوان – الحسيمة. ويكشف هذا التعميم عن إرادة سياسية لإرساء تحول بنيوي في تدبير القطاع الصحي، قوامه الانتقال من منطق مركزي تقليدي إلى منطق ترابي يراهن على الجهة كوحدة مرجعية للتخطيط والتنفيذ.
ويأتي هذا التحول في سياق هندسة مجالية جديدة منحت الجهة موقعا محوريا ضمن البناء المؤسساتي للدولة، انسجاما مع مقتضيات الدستور واختيارات الجهوية المتقدمة. فتعزيز مكانة المؤسسات العمومية التي تنشط على المستوى الترابي أضحى ضرورة مؤسساتية لضمان نجاعة السياسات العمومية وفعاليتها ضمن إطار ما يسمى في التنظيم الإداري باللامركزية المرفقية. وفي هذا الإطار، تبرز المجموعات الصحية الترابية كآلية تنظيمية جديدة يعول عليها لإعادة توزيع الأدوار بين المركز والمحيط، بما يسمح بتقريب القرار الصحي من المواطن، وربط التخطيط الصحي بالخصوصيات المجالية والديمغرافية والاجتماعية لكل جهة مع ضمان استقلالية هذه الوحدات على المستوى الإداري والمالي بما يسمح بمباشرة المرامي المنوطة بها.
ويتعزز هذا المنحى بما ورد في الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى الأمة بتاريخ 29 يوليوز 2025، حيث أكد على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية. كما شدد على توحيد جهود مختلف الفاعلين حول أولويات واضحة ومشاريع ذات أثر ملموس، مبرزا في مقدمتها تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، خاصة في مجالي التربية والتعليم والرعاية الصحية، بما يصون كرامة المواطن ويكرس العدالة المجالية.
وفي انسجام مع هذه التوجيهات السامية، حددت المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة رقم 2025/11 المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 أربع أولويات استراتيجية كبرى، في مقدمتها التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية؛ مواصلة تكريس ركائز الدولة الاجتماعية؛ وكذا مواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى والحفاظ على توازنات المالية العمومية. وهو ما يعكس إرادة واضحة لجعل البعد الترابي إطارا ناظما للسياسات العمومية.
وموازاة مع ذلك، يكرس مشروع قانون المالية لسنة 2026 هذا التوجه من خلال إسناده دورا محوريا للبعد الترابي في السياسات العمومية، استجابة للدعوة الملكية إلى القطع مع مغرب يسير بسرعتين. إذ يتم تقديم العدالة المجالية كرافعة مهيكلة للتنمية الوطنية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية. وفي هذا السياق، تندرج المجموعات الصحية الترابية كأداة عملية مؤسساتية لتنزيل هذه الاختيارات، من خلال إعادة توزيع العرض الصحي وفق منطق الإنصاف المجالي والحاجيات الفعلية للساكنة.
كما تندرج هذه الدينامية ضمن التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تدشين مرحلة جديدة من الإقلاع الاقتصادي والتنمية الترابية الأكثر عدالة واندماجا، كما ورد في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025، والخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء البرلمان بتاريخ 10 أكتوبر 2025، الذي دعا إلى تسريع وتيرة تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية وتعزيز أثرها. وقد تم التأكيد في هذا الإطار على قضايا ذات أولوية، من ضمنها النهوض بقطاع الصحة، باعتباره شرطا أساسيا لتحقيق التنمية البشرية وتقوية الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن المرجعية الملكية المؤطرة للجهوية منذ خطاب عيد العرش لسنة 2015، الذي شدد فيه جلالة الملك على أن صيانة كرامة المواطن تشكل الهدف الأسمى لكل الإصلاحات، وأن المؤسسات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحسين ظروف عيش المواطنين. كما أكد الخطاب على أن الجهوية المنشودة يجب أن تقوم على إيجاد حلول ملائمة لكل منطقة وفق خصوصياتها، وأن تشكل الجهة قطبا للتنمية المندمجة، بما يحد من الفوارق المجالية والهجرة القروية، وهو ما يمنح للمجموعات الصحية الترابية بعدا تنمويا يتجاوز الإطار القطاعي الضيق.
وفي هذا السياق العام، يبرز النهوض بالقطاع الصحي كمسؤولية جماعية لم تعد تقتصر على الدولة وحدها، بل تشمل الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، إلى جانب باقي الفاعلين والشركاء. فالإصلاح العميق للمنظومة الصحية الوطنية أضحى أولوية وطنية ضمن الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة، الرامية إلى تثمين الرأسمال البشري وصون صحة المواطنين، باعتبارها شرطا جوهريا لنجاح النموذج التنموي المنشود.
وقد أسس القانون رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية لهذه الرؤية، من خلال إرسائه لمجموعة من المبادئ المؤطرة، في مقدمتها المساواة في الولوج إلى العلاج، والاستمرارية في أداء الخدمات الصحية، والإنصاف والتوازن في التوزيع المجالي للموارد والبنيات والخدمات الصحية، إلى جانب الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتترجم هذه المبادئ على المستوى العملي عبر إسناد أدوار استراتيجية للمجموعات الصحية الترابية، خاصة على مستوى وضع الخرائط الصحية الجهوية.
وفي هذا الإطار، ينص القانون على إلزام كل مجموعة صحية ترابية بإعداد خريطة صحية جهوية لعرض العلاجات، في إطار التوجهات العامة للخريطة الصحية الوطنية، تتضمن جردا شاملا للعرض الصحي بالقطاعين العام والخاص. وتهدف هذه الخريطة إلى الاستجابة المثلى لحاجيات الساكنة على المستوى الجهوي، وتحقيق الانسجام والإنصاف في توزيع الموارد البشرية والمادية، وتقليص التفاوتات داخل الجهة الواحدة في مجال عرض العلاجات، بما يجعل من المجموعات الصحية الترابية فاعلا مركزيا في تحقيق العدالة الصحية المجالية.
وهكذا، فإن إرساء المجموعات الصحية الترابية يشكل لبنة أساسية في هندسة القطاع الصحي المغربي وفق مقاربة لامركزية، إلى جانب اعتباره تحول عميق في فلسفة التدبير العمومي، قوامه الانتقال الواعي من مركزية القرار إلى لامركزية الفعل، ومن منطق التوحيد المجرد إلى منطق الملاءمة الترابية. فهذه المجموعات، بما خول لها من استقلالية إدارية ومالية، وبما أنيط بها من أدوار تخطيطية وتنفيذية، تمثل رافعة مؤسساتية لإصلاح المنظومة الصحية الوطنية، عبر ربط السياسات الصحية بالمعطيات المجالية والخصوصيات السوسيو-ديمغرافية لكل جهة، وتعزيز العدالة في الولوج إلى العلاج، وتحسين جودة الخدمات الصحية وتقريبها من المواطن. وفي السياق المغربي، حيث ظلت الفوارق المجالية إحدى أبرز أعطاب التنمية الصحية، يبرز هذا النموذج كخيار استراتيجي منسجم مع الدستور، ومؤطر بالتوجيهات الملكية السامية، ومرتبط برهانات النموذج التنموي الجديد، بما يجعل من المجموعات الصحية الترابية أداة محورية لتجسيد الجهوية المتقدمة في بعدها الاجتماعي، ولبنة أساسية لبناء منظومة صحية أكثر نجاعة، وإنصافا، وقدرة على استعادة ثقة المواطن في المرفق الصحي العمومي.
اترك تعليقاً