رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ38)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
الحيرة عند أمناي لم تكن بين قريتين أو مدينتين فقط، بل بين اسمين وحياتين. كان يمشي في حقل باسو، يسمع خشخشة السنابل تحت قدميه، يشمّ رائحة التراب الرطب بعد السقي، يرى جبلًا يعرف أنه كان ظلّ طفولته الأولى، ومع ذلك يشعر كأنه ضيف في صورة محفوظة، لا بطلها. في داخله، صوتٌ آخر يهمس: “هذا عالم أمناي”. أما هو، بما حمله من مقاهٍ وأزقة ومزارع وبوابات مدن، فصار أقرب إلى “يونس” الذي تشكّل في ضجيج الحواضر أكثر مما تشكّل في صمت البادية.
في ليالٍ كثيرة، وهو مستلق على فراشٍ بسيط في بيت حادة، كان يسمع أصوات القرية تخفت: نباح كلب بعيد، وقع حوافر بغلٍ يعود متأخرًا، همس نساءٍ عند البئر. يغمض عينيه، فتطفو على السطح أصوات أخرى: ضجيج كؤوس في مقهى الأطلس، صوت قاسم وهو ينادي: “يونس، هات الشاي للطاولة الرابعة”، ضحكة زبونٍ يمازحه، أذان مسجد المدينة الصغيرة، هدير الشارع حين تمتلئ الأرصفة. يشعر عندها أن قلبه يميل تلقائيًا نحو تلك الجهة، كما يميل الحديد إلى المغناطيس.
يهمس لنفسه:
ـ أحبّهم هنا… لكن ليس كلّي هنا.
الغربة في الأرض التي أنجبته كانت أقسى من أي غربة عرفها في المدن. هناك، كان “الغريب” بين غرباء؛ هنا، هو “العود” الذي يُفترض به أن يجد شكله القديم فورًا. الناس ينادونه باسمه الأول: “أمناي”، يحكون له عن طفولته كما يتذكّرونها: “كنت تفعل كذا… كنت تقول كذا…”، يضحكون على قصص لا يذكرها، يضعون على كتفيه عباءة ذكريات لم يخترها.
أحبّ حادة وباسو بعمقٍ لا يرتاب فيه، لكنه أحسّ أحيانًا أنهما يحبان كذلك صورة الطفل الذي فُقد؛ يحاولان أن يردما به حفرة السنوات التي غاب فيها. في بعض اللحظات، كان يخاف أن يكون، في وعيهما، أقلّ “إنسانٍ حاضر”، وأكثر “معجزة عودة” تُروى للناس.
مع مرور الأسابيع، بدأ القرار يتشكّل، لا كتمرّدٍ على أهله، بل كبحثٍ عن مكان يستطيع فيه أن يكون هو، دون أن يُقسَّم بين “كان” و”صار”. قال لعسو ذات مساء، وهما يجلسان عند حافة الحقل ينظران إلى الجبل:
ـ عمي…
ـ نعم يا أمناي.
ـ حين كنت في المدينة… عند قاسم… شعرتُ لأول مرة أن حياتي تسير إلى الأمام، لا إلى الخلف.
ـ والآن؟
ـ الآن… قلبي يمشي إلى الأمام، لكن خطواتي تُسحَب إلى الوراء. أحبّ أمي وأبي… لكنّ حياتي تعوّدت على شيءٍ آخر.
لم يغضب عسو؛ رأى في كلامه صدق شابّ لا يريد أن يخدع من يحبّهم. قال بهدوء:
ـ تريد العودة إلى قاسم؟
خفض أمناي عينيه:
ـ أريده… وأخاف أن أجرح قلبيهما.
حين فاتحه باسو في الموضوع، كان المساء يهبط على القرية. جلس ثلاثتهم في فناء البيت، حادة تُقلّب الخبز على الصاج، رائحة الدخان تمتزج بهواء الجبل. قال الشاب بصوتٍ متردد:
ـ أبي…
ـ نعم، يا ولدي.
ـ تعرف أنني عشتُ أكثر عمري في المدن.
ـ أعلم.
ـ والقلب… تعوّد على إيقاعها: المدارس هناك، الناس، الشوارع، حتى اللغة…
سكت قليلاً، ثم أكمل بشجاعةٍ مؤلمة:
ـ أريد أن أعود إلى المدينة الصغيرة… إلى قاسم ومقهى الأطلس. ليس هروبًا منكم، بل بحثًا عن حياة أستطيع أن أبنيها بنفسي.
هنا، كان الاختبار الحقيقي لأبوّتهما. بإمكان باسو أن يقول: “لقد عدتَ إلينا، ولن تذهب”، وبإمكان حادة أن تتشبث به كما تتشبّث الأم بطفلٍ عاد من الموت. لكنهما، وقد ذاقا مرارة أن يُنتزع منهما دون استئذان، أدركا أن التملّك ليس شكلاً من أشكال الحب، بل نقيضه.
رمى باسو بنظره إلى الأرض قليلاً، ثم قال بجملةٍ ثقيلة:
ـ لا أريد أن أكون من يسجنك في مكانٍ واحد بعد أن سجنوك في أماكن كثيرة.
رفعت حادة رأسها، في عينيها دمعتان تتصارعان بين الفرح والخوف:
ـ إن كان قلبك يجد نفسه هناك… فاذهب، يا أمناي. لكن لا تنسَ الطريق إلى هنا.
ثم أضافت، وكأنها تُطمئِن نفسها:
ـ الجنين… يعود إلى الرحم ثم يخرج إلى الحياة. أنت خرجت من بطني، ثم دارت بك الدنيا، والآن تعود وتخرج ثانيةً إلى حياةٍ تختارها أنت.
قرار العودة إلى قاسم لم يكن هروبًا من القرية؛ كان اعترافًا بأن “حياة يونس” صارت جزءًا أصيلاً منه، لا مجرّد فصلٍ عابر. هذا الجنين الذي تكوّن في المدن، في الأزقّة، في المدارس، في المقهى، في شوارع فرنسا البعيدة وإن لم يطأها، صار يحتاج إلى بيئةٍ تشبهه لينمو إلى آخره.
في يوم الرحيل، وقفت حادة عند الباب كما وقفت في ذلك الصباح البعيد، حين خرج طفلها ذو السبع سنوات إلى الحقل. الفرق الآن أن الصبيّ يعرف أين يمضي، وأنها تعرف أن الخطر ليس في الأفعى هذه المرة، بل في قسوة العالم.
وضعت يدها على رأسه، قبّلته بين عينيه، وقالت:
ـ سواء نادوك “أمناي” هنا، أو “يونس” هناك… أنت ابني.
باسو وضع في يده شيئًا بسيطًا من المال، وشيئًا أثمن:
ـ إن ضاقت بك الدنيا، عدْ. البيت لن يُغلق في وجهك مرّة أخرى.
عاد إلى المدينة في حافلةٍ هذه المرة، لا على قدميه المنهكتين. الطريق نفسها التي قطعها هاربًا من مزرعة الحاج، يقطعها الآن عائدًا إلى مكانٍ اختاره. حين نزل عند مدخل المدينة، تنفس هواءها بعمق، كما يتنفس شخصٌ وجد من جديد رائحةٍ يعرفها: خليط القهوة، دخان السيارات، ضجيج السوق.
خطواته قادته تلقائيًّا إلى مقهى الأطلس. الواجهة كما هي، اللافتة الباهتة، الكراسي على الرصيف، صوت التلفاز من الداخل. دفع الباب، دخل. قاسم كان منهمكًا في غسل الأكواب، لمحه من بين الزبائن، تجمّد لحظة، ثم ترك ما في يده، تقدّم نحوه بخطواتٍ بطيئة لا تناسب دقّات قلبه.
ـ يونس… أو أمناي؟
سأل وهو يبتسم ابتسامةً لا تخلو من ارتباك.
ابتسم الشاب بدوره، وفي جوابه جمع بين الاسمين والحياتين:
ـ كلاهما… إن أردت.
فتح قاسم ذراعيه، احتضنه كما يحتضن رجلٌ أخيرًا “جنين أيامه” الذي انتظره من غير وعي: ولدًا يدخل عليه من بابٍ لم يولد من صلبه، لكنّه صار جزءًا من معناه في هذه الحياة.
من تلك اللحظة، صار أمناي يعيش في مدينةٍ بقلبين: قلبٌ يحمل في عمقه حقل القرية وظل الجبل ودم باسو وحادة، وقلبٌ آخر تشكّل من مقاعد المقهى، من يد قاسم، من أصوات المدن، من اسم “يونس” الذي صار أيضًا جلدًا ثانياً له. لم يعد مضطرًا أن يختار بينهما اختيار إلغاء؛ صار عليه فقط أن يتعلّم كيف يحمل كليهما دون أن ينكسر، وكيف يكون، في نهاية المطاف، نفسه: لا ضائعًا في كفن الحياة، بل خارجًا منه بخطى مترددة، لكنها ثابتة.
يتبع…
اترك تعليقاً