خطاب الاتهام في الإعلام: بين السلطة الرمزية وانتهاك الحقوق
يمثل تمدد التشهير داخل الفعل الإعلامي إشكالاً بنيوياً يمس جوهر العلاقة بين الإعلام والحقوق الأساسية للأفراد. هذا التمدد يكشف تحولاً في وظيفة الإعلام، ينتقل بها من نقل الوقائع وتحليلها إلى إنتاج أحكام جماعية، تُعيد تشكيل الفضاء العمومي وفق ترتيب إقصائي يعيد ضبط حدود المقبول داخل التداول الاجتماعي.
يندرج هذا التحول ضمن اتجاه عام في الممارسات الإعلامية المعاصرة، يقوم على توظيف الخطاب الاتهامي داخل بنيات سردية جاهزة، تُنتج استجابات انفعالية سريعة، وتعيد توجيه وظيفة الإعلام نحو التصنيف والعقاب الرمزي. ضمن هذا النسق، تتراجع قوة الحجة لصالح قوة التأثير، ويتحول النقاش العمومي إلى مجال محكوم بمنطق الاستقطاب.
يتبلور النسق الإعلامي المغربي في ترتيب يعتمد استهداف الأفراد عبر خطاب اتهامي مركب، قائم على الانتشار المكثف، وبناء سرديات موجهة، وتعبئة دلالية عالية الشحنة.
هذه الصيغة تجاوزت وضعية الخطإ المهني العرضي، واستقرت بوصفها بنية واضحة، تؤدي وظائف محددة داخل المجال العمومي، وتعيد توجيه العلاقات الاجتماعية والقيم الأخلاقية والديناميات الثقافية.
يقوم التشهير على تحويل الشخص إلى مادة خطابية قابلة للتداول الجماعي. العملية تنطلق من انتقاء معطيات محددة، ثم إعادة ترتيبها داخل بناء سردي محمّل بالاتهام، يقود المتلقي إلى حكم مسبق.ويتعزز هذا البناء عبر التكرار، وتعدد المنصات، وتضخيم العناصر المثيرة، مع إقصاء المعطيات التي تُضعف منسوب الإدانة. النتيجة خطاب عقابي مكتمل، يُحوّل الفعل الإعلامي من وظيفة معرفية إلى آلية ضبط داخل الفضاء الاجتماعي.
تنتظم هذه الصيغة الإعلامية داخل منطق اقتصاد الانتباه، وتستثمر آلياته في توسيع دائرة الانتشار وتعظيم التفاعل. المحتوى القائم على الاتهام والفضح يحقق مردودية رقمية مرتفعة، ويجذب موارد اقتصادية معتبرة، ويعزز الحضور الرمزي للمنصات والفاعلين. المردودية الرقمية تفرض نفسها معياراً حاسماً في تقييم الأداء الإعلامي، وتعيد ترتيب الأولويات التحريرية، فتتراجع القيمة المعرفية للخبر، وتتقدم أولوية التأثير الانفعالي بوصفه محركاً للاستهلاك الجماهيري.
تُرسّخ البنية الإعلامية الرقمية هذا الترتيب عبر تقنياتها. هذه البنية تمنح الأفضلية للمحتوى الصدامي، وتوسّع نطاق انتشاره، وتمنحه استمرارية زمنية ممتدة. تقلص هذه الآليات المسافة بين النشر والتلقي، وتحد من إمكانيات المراجعة أو التصحيح، ما يمنح التشهير قوة مضاعفة، ويحوّل الفضاء الرقمي إلى مجال دائم لإعادة إنتاج العقاب الرمزي، خارج ضوابط مهنية فعالة.
يُثبّت الإطار القانوني الظاهرة عبر مساحات تأويل واسعة. تداخل قراءات حرية التعبير مع حماية الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية يفتح المجال لاجتهادات متعددة، ويحد من الحسم العاجل. ضعف آليات الزجر الفوري يمنح الفاعلين إحساساً بالأمان الوظيفي، والزمن القضائي الممتد يجعل الضرر متقدماً على أي جبر محتمل، ما يُكرّس النسق الاتهامي ويُحول سلوكاً إلى قاعدة ثابتة.
يعيد التفاعل الجماهيري إنتاج التشهير بصورة مستمرة. التعليق والمشاركة والتداول يمنح الخطاب الاتهامي شرعية رمزية إضافية، ويُدخل المتلقي في قلب السلسلة بوصفه فاعلاً لا شاهداً. هذا الانخراط يعكس تحولاً في الثقافة العامة، يقوم على التسريع في إطلاق الأحكام، وتفضيل السرديات المبسطة، والانجذاب إلى ديناميات الإدانة الجماعية. يتحول الفضاء العمومي تبعاً لذلك إلى مجال استقطاب حاد، يتراجع داخله النقاش العقلاني، ويضعف حضور التحليل المدعوم بالمعطيات.
يكشف انتشار التشهير مهنياً عن اختلال في منظومة التكوين الإعلامي. يتركز التدريب على المهارات التقنية، وإدارة المنصات، والإنتاج السريع، مقابل تراجع مباحث الأخلاقيات، والمسؤولية الاجتماعية، وحماية الحقوق الفردية. هذا الاختلال يُفرز ترتيباً إعلامياً يفقد الصحافة بعدها الرقابي، ويعيد توجيهها نحو وظيفة تصنيف وإقصاء، قائمة على توزيع الاتهامات وبناء صور نمطية عدائية قابلة للتداول.
يمتد الضرر الحقوقي للتشهير إلى المحيط الأسري والاجتماعي والمهني. الخسارة النفسية والمادية طويلة الأمد، والسمعة تتحول إلى مجال صراع مستمر، مع صعوبة استعادتها بعد التشويه. العقاب الرمزي يفتقر إلى ضمانات إجرائية واضحة، ويُحدث اختلالاً في مبدأ التناسب بين الفعل والجزاء، ما يضغط على المجال الحقوقي ويُضعف قدرة الأفراد على الدفاع عن أنفسهم.
يُفعّل التشهير آلية ضبط اجتماعي داخل الفضاء العمومي. يستخدم الخطاب الاتهامي لإسكات الأصوات المخالفة، أو لتأديب الخارجين عن القيم السائدة، أو لإعادة رسم حدود السلوك المقبول. هذه الوظيفة تمنح النسق الاتهامي بعداً سياسياً وثقافياً يتجاوز المجال الإعلامي، ويؤثر في موازين القوة داخل المجتمع. السلطة الرمزية الناتجة عن التشهير تتحكم في سلوك الأفراد، وتُقلص هامش التعبير الحر.
تتجسد التداعيات المجتمعية في تراجع الثقة بين الإعلام والمجتمع. الجمهور يواجه صعوبة متزايدة في التمييز بين النقد المشروع والتحريض المباشر. فاعلون مدنيون وثقافيون ينسحبون من المشاركة العامة تحت ضغط الاستهداف. التعددية تنكمش، والنقاش العمومي يفقد عمقه، ويتحول إلى صراع سرديات تُدار بأدوات الاتهام والتخوين.
تتطلب مواجهة هذه الظاهرة مقاربة شمولية. التشريع يحتاج إلى تحديد أدق لحدود التعبير، مع آليات تنفيذ فعالة. مؤسسات التكوين مطالبة بإعادة الاعتبار للأخلاقيات المهنية، وإدماجها بوصفها عنصراً بنيوياً في التكوين الإعلامي. التربية الإعلامية تشكل رهاناً استراتيجياً لبناء وعي نقدي جماعي قادر على تفكيك الخطاب التشهيري ومقاومته. المنصات الرقمية مطالبة بتحمل مسؤولية تنظيمية، تشمل حماية الحقوق الأساسية للمستخدمين، وتجاوز دور الوسيط التقني المحايد.
يعكس التشهير الإعلامي أزمة بنيوية في علاقة الإعلام بالمجتمع. هذا التحول يرتبط بتغير وظيفة الصحافة، واختلال منظومة القيم، وتراجع الثقة المتبادلة. تجاوز هذه الأزمة يقتضي إعادة تعريف وظيفة الإعلام، وضبط العلاقة بين الإعلام والحقوق والحريات، وبناء ممارسة إعلامية تقوم على المعرفة والإنصاف، وترتكز على حماية الكرامة الإنسانية أساساً لفضاء عمومي متوازن ومستدام.
اترك تعليقاً