الكريسماس في المغرب: سؤال الهوية بين الثوابت الدينية وقيم التعايش
مع اقتراب نهاية كل سنة ميلادية، يتجدد جدل الاحتفال بـ«الكريسماس» في الساحة العامة، ويتصدر النقاش صفحات التواصل الاجتماعي، ويأخذ مساحات من الحوارات اليومية، رغم أن هذا الاحتفال في جوهره طقس ديني مسيحي. في المغرب، حيث المجتمع المسلم الغالب ومصدر الهوية الثقافية، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يمكن للمجتمع أن يتفاعل مع مناسبات دين غيره دون المساس بثوابته؟
العقيدة الإسلامية لا تقبل فكرة وجود «ابن لله» ولا تحتفل بميلاد ربّ، وقد ثَبُت في النصوص الشرعية أن التوحيد وحداني لا شريك له. وفي المقابل، لا ينفي ذلك احترام المعتقدات الأخرى والمواطنة المشتركة بين أبناء المجتمع المغربي، سواء كانوا مسيحيين أو من غير أبناء الديانتين. لكن الخطأ يقع عندما يتحول الاحتفال بالكريسماس إلى تقليد اجتماعي عام، دون وعي بدلالاته العقدية، أو حين يُبرَّر بباطنية «التحضر» أو «احترام الآخر»، وكأن التحضر يقاس بتشبّه بالطقوس التي تتعارض مع ثوابت الدين.
تحضر الخطاب الإسلامي في قضايا التعايش — لا سيما في السياق المغربي ذي التاريخ الغني بالتآلف بين أتباع الديانات — يتطلّب توضيحًا دقيقًا بين «احترام المعتقدات الأخرى» و«المشاركة في طقوس غير منسجمة مع العقيدة». الاحترام لا يعني الذوبان في الرموز أو تبنّي المناسبات، بل الاعتراف بالآخر وإدارة الاختلاف بوعي ومسؤولية.
في هذا الصدد، يظهر بوضوح حجم المسؤولية الملقاة على عاتق *وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية*، باعتبارها المرجعية الرسمية في توجيه الفكر الديني وتصحيح المفاهيم لدى المجتمع. من مهام الوزارة، أولًا، *توعية الجمهور بموقع المسلم من الاحتفالات غير الإسلامية*— ليس بنبرة رفع أو تقييد، بل عبر بناء وعي متزن يبيّن أن رفض الاحتفال بالكريسماس لا يعني رفض الآخر، بل هو موقف يعكس ثباتًا على المعتقد، وفهمًا صحيحًا للهوية.
ومع تغيّر المشهد الثقافي العالمي وتزايد التأثيرات الإعلامية والاجتماعية، تتزايد الحاجة إلى خطاب تربوي ديني واضح يُفرق بين ما هو إرث ثقافي أم لا، وما هو مرتبط بمعتقدات دينية لا يشارك فيها المسلم. فربط التحضر بمظاهر احتفالية ليست من الدين، لا يرقى لفهم التحضر الذي يعني *الاحترام الواعي، وعدم التفريط في الثوابت*.
اترك تعليقاً