المعارضة وانتقائية الإحالة على القضاء الدستوري
حين لا تُفعل آليات الرقابة الدستورية إلا على نحو متقطع، يصبح النقاش منصبا على وظيفة هذا التفعيل وحدوده أكثر مما ينصرف إلى وجوده من حيث المبدأ.
تُعد الإحالة القبلية على المحكمة الدستورية إحدى الآليات التي تتيح إخضاع القوانين لمعيار السمو الدستوري قبل دخولها حيز التنفيذ، بما يجعلها امتدادا للمسار التشريعي، وفضاءً لإدخال القضاء الدستوري في النقاش حول حدود تدخل المشرع ومعاني الدستور.
غير أن تفعيل هذه الآلية يظل، في الممارسة، متقطعا، ما يثير سؤال معيار الإحالة. ويتعزز هذا السؤال حين تُفعل الإحالة بخصوص القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في مقابل غيابها إزاء قانون المسطرة الجنائية، رغم ما لهذا الأخير من أثر مباشر على الحرية الفردية، وضمانات المحاكمة العادلة، وبنية العدالة الجنائية.
هذا التفاوت لا يطرح فقط مسألة ترتيب الأولويات، بل يفتح نقاشا حول الوظيفة الدستورية للإحالة ذاتها. فالإحالة القبلية لا تُختزل في نتائجها، سواء تعلق الأمر بالتصريح بمخالفة مقتضيات القانون للدستور أو بتأكيد مطابقتها له، بل في قدرتها على تحويل النقاش التشريعي إلى سؤال معياري، وعلى تمكين القضاء الدستوري من الإسهام في ضبط معاني الدستور وتأطير تدخل المشرع، خاصة في المجالات المتصلة بالحقوق والحريات، رغم ميله المضطرد لصالح السلطة التقديرية للمشرع.
في هذا الإطار، تُستحضر التجربة الفرنسية لا بوصفها ممارسة خالية من الإشكال، بل باعتبارها مثالا على كيفية مساهمة الإحالة، حين تُمارس بانتظام، في خلق نَفَس اجتهادي متراكم. فقد أتاحت إحالات المعارضة، بما فيها تلك المبنية على الدفع بتجاوز القانون لمجاله، للمجلس الدستوري فرصة توضيح حدود هذا الدفع، والتأكيد على أن تجاوزه، وإن ثبت، لا يُرتب بالضرورة مخالفة للدستور، وأن الحكومة تبقى الجهة المعنية بتفعيل الآليات الدستورية الكفيلة باسترداد مجالها التنظيمي. وهي اجتهادات لم تُنتج فقط أجوبة ظرفية، بل أسهمت في توضيح منطق الرقابة الدستورية وحدودها.
في المقابل، يظل تفعيل الإحالة في السياق المغربي محاطا بسؤال الانتقائية: لماذا تُفعل إزاء قوانين ذات طابع مهني أو تنظيمي، وتغيب عن نصوص تمس جوهر الحرية الفردية؟ وهل يرتبط معيار الإحالة بطبيعة القانون، أم بحساسيته السياسية، أم بالأثر المتوقع لتدخل القضاء الدستوري في التوازنات التشريعية؟ أم أن الإحالة، في غياب محددات قبلية واضحة، تُمارس كفعل عفوي لا يستند إلى معيار مستقر، ما يجعل ما يبدو مضبوطا في النص أقل انضباطا في الممارسة؟
تُفضي هذه الأسئلة إلى إعادة طرح موقع الإحالة ضمن هندسة التشريع، ودور المعارضة في إنتاج المعنى الدستوري. فبين انتظام الإحالة وتقطعها، وبين حضورها في بعض النصوص وغيابها في أخرى، يطرح نقاش حول ما إذا كانت الإحالة تُستثمر كأداة بنيوية لتجويد التشريع وبناء اجتهاد دستوري متراكم، أم تظل ممارسة ظرفية، تحكمها السياقات أكثر مما تؤطرها المعايير.
اترك تعليقاً