منتدى العمق

مراجعة كتاب سعيد بنكراد السرد الديني والتجربة الوجودية

السرد الديني والتجربة الوجودية هو كتاب للناقد المغربي سعيد بنكراد، من منشورات المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع لسنة 2024 ، وهو قراءة سيميائية في القصص الديني، وكيف تشكل هذه التجربة وتؤطر جماعة المؤمنين بقصص الكتب المقدسة.

وسعيد بنكراد هو ناقد مغربي حصّل سمعة بارزة في على مستوى المغرب وفي العالم الناطق بالعربية من خلال مجموعة مهمة من الكتب التي تتناول النظريات السيمائية ومناهج قراءة النصوص والصور الدارجة إعلاميا والإشهار والحاضر الثقافي للواقع المغربي وامتدادات حضور الرمز والاستعارات والصور في أرجاء أخرى من المعمور. ومن أبرز ما قدم بنكراد للفضول القرائي العربي قراءة لكل من الدستور المغربي الجديد الذي أتى على إثر تداعيات الربيع العربي بالمغرب وردود الأفعال المنتشرة إعلاميا حول «تمغربيت»، والهوية المغربية محل الجدل الدائر بين نزوع مختلفة في المشهد الثقافي والسياسي المغربي.

إن الفكرة الأساس لكتاب بنغراد هي أن للقصص الديني أثر على وجودنا، لأنه مزود بطاقة موروثة تفسر صيغ قصورنا وفشلنا وعجزنا كبشر أولا وكمؤمنين ثانيا. ليس غرض بنكراد من الكتاب التمييز بين الصائب من المخطئ، أو من الأحق بالإيمان من هذا القصص الديني، بل إن هدفه هو تتبع أثر هذا القصص وإيضاح مكامن قوته الرمزية والثقافية.

يأتي عمل بنكراد السرد الديني والتجربة الوجودية سنين قليلة بعد صدور سيرته الذاتية التي استعاد فيها قوة لحظات فاصلة في حياته الشخصية التي حملت ندوب طفولة طبعها اليُتْم المبكر والفاقة وحبّ أمّ  غرست في ابنها إيمانا قويا بأن من المقدّر له أن يترك أثرا يفخران به معا. ولعل استذكار هذه اللحظات وتدوينها حذا ببنكراد إلى التعمق في هذه الاستعادة للقوة الكامنة في الخبرة البشرية الأولى، أو تجربة الطفولة البشرية تاريخيا، كما ترد في نصوص الديانات التوحيدية المقدسة كالقرآن والإنجيل.

يستعيد كتاب بنكراد الكامن في القصص الديني ودلالاته المتعددة في وجود عناصره الخام كنار النبي إبراهيم وعفة النبي يوسف وغِلمة زوجة عزيز مصر، وخصوصا في أبعاد انطباع هذه الدلالات، سواء أأحالت على شيء أو على مجرد، على النفس البشرية، بحيث تقوم هذه التيمات أو العناصر السردية مقام الحضور المكثف الذي يحتاج من الناقد إلى تفكيك عناصرها وتقشير أغطيتها وتسمية أثر كل رداء منه، وتبيان دوره في تكامل عناصرها التي تفسر ميولات وسلوك الأفراد في بعد أو آخر، وذلك نظرا للطاقة الكامنة فيها، كسرود تنطبع بطابع المقدس الأول والنمط المتبع (archetype)، أو النمودج الأصلي كما عند كارل غوستاف يونغ (Karl Gustave Jung)، الذي يحدد إلى حد ما علاقات بشرية ذات طابع تاريخي زمني.

ولا تكمن أهمية السرود الدينية التي أورد كتاب بنكراد قراءات فيها في الإيمان بها من عدمه، بل إن الكتاب هو دعوة إلى استكناه الطبقات المشكلة لهذه السرود الدينية، واستكشاف قدرتها الأزلية المستعادة أبدا على تقديم القصد الأول والمعنى والعزاء مما يُحيق بنا كأفراد وجماعات على إثر تراكم خبراتنا التي يعوزنا انشغالنا اليومي عن إدراك كنهها، بينما تأتي لحظات استذكار وصفاء تطهيريين (cathartic) على حد التوصيف الأرسطي تعود بنا إلى نقطة البداية أو هي البدايات بالجمع حيث بدا كل شيء واضحا وسهلا، ولم تغافلنا شياطين التفاصيل والانعراجات، التي أكرهتنا ظروفنا وأقوام آخرون على اتخاذها، ونقط التحول في حبكة حياة كل منا، كما نفهمها ونحكيها لأنفسنا، وكما نستلدّ باللديد منها، ونتألم مما لا نفهمه فيُخيفنا.

كتاب بنكراد إذا هو توصيف وتحليل وتسمية للحظات الصفو الوجودي التي نستعيد فيها وضوح البدايات ونقاء النيات والمقاصد ىكما تمثلناها ونحن أطفال. واستعادتنا للقصص الديني ليس سوى استعادة لطفولتنا واستيهامات أحلام اليقظة التي غشتنا حول الغامض من الزمن الآتي. فالعودة والاستعادة درس متكرر نقوم به خلال مساء ما اعوجّ من نهارنا وأحداثه بين قصد مبتدأ خيّر وتحوّلٍ لم يُنتَوَ.

تتّسم لغة الكتاب بالوضوح والدقة التي يقدمها اجتهاد الناقد بنكراد وتمكنه من القراءات والمناهج السيميائية التي يُعتبر أحد أبرز المتخصصين فيها في العالم الناطق بالعربية، كما أن توصيفه وتِعداده للطبقات الرمزية لعناصر السرود الدينية، وتعداده لأدوارها ووظائفها في حياتنا اليومية واضح وبليغ. ويقدم الكتاب أيضا اجتهادا أصيلا عهدناه في أعمال بنكراد، ومرونة في الحجاج والإقناع.

وتنبع أهمية الكتاب من جرأته على الاهتمام بالسرد الديني من وجهة نظر نقدية لا تجترئ المعجزات، ولا تضيف السحر إلى هذه السرود كما نجد ذلك عند المفسرين والمبشرين والدعاة، بل يكشف العمل بروية ووضوح واتزانٍ عن مستويات دلالات هذه السرود كما توجد خاما، وفي أثرها كما تنعكس في ذواتنا. إن العمل فتح مهم في تأويل أثر السرود الدينية، كما أن كاتبه نجح في امتحان تجنب استحلال واستحرام التسليم بهذه السرود والإيمان بها. بل قدم تحليلات لا هي تناهض المقدس ولا هي تدعوا إليه، بل تقر به كأثر على النفس البشرية وتسعى إلى توضيح هذا الأثر ما بين الوجود الخام لعناصر ورموز السرد، وأثر ها على المؤمن، بحيث تُبقِى القرءات في الكتاب على سحر هذا القصص وتدعوا إلى وعي هذا الأثر في حركة مزدوجة تنزع من القارئ المتأمّل فيها كلا من طغيان الأثر السحري لهذا القصص الديني، وكذلك المغالاة في نفي وجوده والإلحاد به.

وعلى الضد من أعمال بنكراد الأخرى الموغلة في القاموس النظري والمنهجي المُترجم للمفاهيم والمصطلحات السيميائية التي تدعوا القارئ غير المتخصص إلى النفور منها فإن هذا العمل كما يبدوا مسار جديد لجهود هذا الناقد بحيث أصبح التمكين من ناصية لغة بسيطة هي دعواه ومنتهاه، لغة هي في متناول كل من انتابه الفضول وأسره القصص الديني سواء طغى عليه سحره أو نفى صحته وتبرم منه. لذلك فكتاب بنكراد كتاب للمتدين ولغير المتدين وللمتخصص ولغير المتخصص.

وكقارئ للكتاب، لا يمكنني إلا أن أعبر عن ارتوائي منه بعد حيرة وظنون سيرة بنكراد، ومن ثم حيرة وظنون قارئ سيرته، فهو بين المتعاطف مع الطفل الذي أُعلن عن يُتمه بين أقرانه ليُحرج بحقيقة مرة على كل راشد، فما بالك بطفل، ومع المعتقل الذي عُذّب في سجون فاس لعناده اليساري واختار المنفى المؤقت إلى الجزائر ثم فرنسا، وما بين الناقد الذي يُلجم المنهج والنظرية ودرس النقد نفسه عن ابتغاء هذا التعاطف والحصول عليه.

وكقارئ نهم لبنكراد ولفيض إنتاجه مؤخرا حمل لي كتابه السرد الديني والتجربة الوجودية رغبة في الرفق بنفسي وبأخذ جهودي وتوجيهها بروية الشيخ الذي خبر الدنيا والبدايات والعود بعد العود، وذلك بعد أن كنت منخرطا في دراسات عن غياهب النفس البشرية عند كارل غوستاف يونغ، وسعيي وراء العوض في الإيمان ولو بالقياس في قراءاتي لصورين كيركغور. أيها القارئ! ضع أحمال الحياة جانبا، أعد كأس شاي بالشيبة، وتلحف جيدا قرب نافدة على خارج البيت واقرأ كتاب سعيد بنكراد السرد الديني والتجربة الوجودية.

لكن، وكباقي أعمال بنكراد ينحوا عمله السرد الديني والتجربة الوجودية منحى الإهمال والتجاهل كلما تعلق الأمر بالأثر السياسي للسرد الديني، بحيث لا نجد ذكرا في العمل رغم تعداده السخي للدلالات الرمزية وطبقات تيمات هذه السرود، للطابع المحافظ والتوكيدي للسرد الديني على القائم سياسيا، بحيث يتجنب الكتاب بالقطع أي إشارة إلى هذا الجانب السلبي للقصص الديني، وأقصد جانب التوكيد لسلطة هذا القصص وتحدي طاغوت الجماعة المؤمنة به، وتهميشها ونبدها وعزلها لكل من يخالف مؤداها وأهدافها، ولنقل أن هذا الجانب أحد جوانب قصور الكتاب المزعجة لفئات مهمة من القراء، والتي تتطلع إلى ناقد ذي سمعة قومية للتحدث بهواجس التغيير والتجديد بعد أن كنا على مشارف انتفاضات على المستوى القومي في المغرب، والتي لم تهدأ بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *