صناعة العدو الوهمي.. إعلام الجزائر يحترف “التنويم المغناطيسي” بورقة المغرب
في خطوة تثير الكثير من الاستغراب والسخرية في آن واحد، قررت السلطات الجزائرية منذ مدة حجب وكالتها الرسمية للأنباء عن القراء في المغرب، مانعة إياهم من الاطلاع على محتواها. لكن المفارقة العجيبة تكمن في أن هذا الإعلام نفسه، الذي يغلق بابه في وجه المغاربة، يخصص الجزء الأكبر من وقته وجهده وصفحاته للحديث عن المغرب. هذا التناقض الصارخ يكشف عن حقيقة واحدة: الرسالة ليست موجهة للمغرب ولا للخارج، بل هي “مخدر” مخصص حصريا للشعب الجزائري.
عندما تهاجم دولةٌ جارتَها إعلاميا، فإن المنطق يقول إنها تسعى لإيصال صوتها إلى شعب تلك الدولة للتأثير عليه أو إحباط معنوياته. لكن عندما تقوم بحجب “أبواقها” عن هذا الشعب المستهدف، فهذا يعني اعترافا ضمنيا بأن ما يُنشر هو “كذب مفضوح” سيكتشفه المغاربة فورا وسيسخرون منه لأنهم يعيشون واقعا مغايرا تماما لما يروج له الإعلام الجزائري. لذلك، يفضل النظام الجزائري أن تبقى هذه الأخبار حبيسة الحدود، موجهة للمواطن الجزائري الذي قد يصعب عليه التحقق من صحة المعلومات، وبالتالي يسهل إقناعه بالرواية الرسمية.
إن الإغراق اليومي للمواطن الجزائري بأخبار المغرب، والتي غالبا ما تكون سلبية أو ملفقة، يخدم هدفا استراتيجيا للنظام وهو”التنويم”. فكلما زاد انشغال الشارع الجزائري بـ “العدو الوهمي” على الحدود الغربية، وكلما تم تصوير المغرب على أنه يعيش أزمات وكوارث، قلَّ تركيز المواطن الجزائري على مشاكله الحقيقية. إنها عملية إلهاء منظمة تهدف لصرف الأنظار عن الطوابير الطويلة للحصول على المواد الغذائية، وعن غلاء المعيشة، وعن غياب الأفق السياسي والاقتصادي في البلاد. النظام يحتاج إلى “شماعة” المغرب ليعلق عليها كل فشله، وليقول لشعبه: “انظروا، الجيران أسوأ حالا منكم، أو إنهم يتآمرون عليكم”، لكي يضمن بقاءه في السلطة أطول فترة ممكنة.
يعاني الإعلام الرسمي الجزائري من عقدة مقارنة دائمة مع المغرب. فبينما يحقق المغرب تراكمات في التنمية، والبنية التحتية، والدبلوماسية، وتنظيم التظاهرات العالمية، يجد النظام الجزائري نفسه عاجزا عن مجاراة هذا الإيقاع رغم الثروة النفطية والغازية. ولمواجهة هذا العجز، يلجأ إلى “الواقع الموازي”؛ أي صناعة أخبار وهمية تصور المغرب كدولة منهارة. حجب وكالة الأنباء الجزائرية وجريدة “الخبر” واسعة الانتشار في الجزائر عن المغاربة هو محاولة لحماية هذا “الواقع الموازي” من الانهيار، لأن أي تعليق أو تفنيد من طرف المغاربة سيكشف هشاشة هذه الدعاية أمام الشعب الجزائري.
في النهاية، تدل هذه السياسة على ضعف كبير وليس قوة. فالنظام الذي يثق في منجزاته وفي صحة أخباره لا يخاف من عيون الآخرين ولا يبني الجدران الإلكترونية. إن ما يقوم به الإعلام الجزائري هو محاولة يائسة لعزل الشعب الجزائري عن محيطه، وإبقائه تحت تأثير “التخدير الإعلامي”، خوفا من أن يستفيق يوما فيدرك أن “العدو” الذي خوفوه منه لسنوات، يتقدم ويبني مستقبله، بينما هو لا يزال عالقا في معارك وهمية من الماضي.
تعليقات الزوار
نحن لا نحارب من لا وزن لهم ولا قيمة ولا هيبة ولا تاريخ ولا تقافة