من يفشل في تدبير الندرة سيفشل في تدبير الوفرة
لسنواتٍ طويلة، كان الجفاف هو الشمّاعة المفضّلة لتعليق كل إخفاقات التدبير الرسمي للماء، والفلاحة، والتنمية الترابية في المغرب.
كل أزمة اجتماعية، كل خصاص في الماء، كل عطشٍ جماعي، كان يُختزل في عبارة واحدة: “قلة الشتا”، وكأن الطبيعة هي وحدها المسؤولة عن كل هذا الخراب. اليوم، بعد أمطار غزيرة استبشر بها المغاربة بعد سنواتٍ عجاف، يُفترض أن نخرج من دائرة الأعذار الجاهزة.
لكن ما حدث هو العكس، تحوّلت “أمطار الخير” إلى فيضانات قاتلة، وانهيار للطرق والقناطر، وغرقٍ لمدن بأكملها، ما يكشف أن من يفشل في تدبير الندرة سيفشل أيضًا في تدبير الوفرة.
هنا تظهر الحقيقة العارية، المشكلة ليست السماء، بل المنظومة التي تدبّر الأرض؛ ليست “الطبيعة الغاضبة” بل منطق الربح والريع الذي يفضّل الواجهة على الجوهر، والصورة على الإنسان.
فيضانات القصر الكبير، وقبلها أسفي، ليست استثناءً عابراً، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من التهميش والتراكم غير المتكافئ للاستثمارات والمشاريع؛ مسلسل تُكتب مشاهده بمداد الماء والطين والدموع، وتوقّعه تحالفات السلطة والمال على حساب أرواح الفئات الكادحة.
حين تتكلم الجغرافيا ويصمت المسؤول
1. جغرافيا الأنهار:
سبو كمرآة لما تحت، من لا يعرف الغرب والسهول المحيطة بسبو، يظن أن ما يقع “مفاجأة طبيعية”، بينما الحقيقة أن الجغرافيا نفسها كانت تنبّه منذ عقود إلى ما نحن فيه اليوم.
نحن أمام منظومة مائية معقّدة: سبو، ثاني أكبر نهر في المغرب، ينطلق من سد علال الفاسي، حاملاً في جوفه مياه نصف الأطلس تقريبًا. في طريقه، يلتقي بنهر إيناون الخارج من سد مولاي إدريس الأول، الذي يجمع مياه مناطق واسعة من تاونات.
يضاف إليهما واد اللبن، الذي يحمل هو الآخر مياه جبال ومناطق مجاورة، لتلتقي الأنهار الثلاثة في نقطة اختناق هيدرولوجي واحدة داخل إقليم تاونات.
في هذه اللحظة، لا يعود الأمر مجرد نهر، بل “وحوش مائية” تتحرك في جسدٍ واحد: سبو، إيناون، واد اللبن، قبل أن يلتحق بهم الوحش الأكبر شراسة، واد ورغة، الذي يجمع مياه تاونات وكثامة والحسيمة عبر واد سرا القادم من ثلاثاء كتامة وإساكن.
هكذا، نصف مياه الأطلس ونصف مياه الشمال تقريبًا، تمر من هذا الممر الضيق، ثم تنحدر نحو السهول المنبسطة في الغرب، حيث تتواجد مدن وقرى هشة مبنية فوق مجاري قديمة للأودية، أو على ضفاف نهرٍ لا ينسى ذاكرته التاريخية.
من هنا نفهم أن مخاض فيضانات سبو ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا يتكرر كلما اشتدت الأمطار، وأن من يعيش على ضفافه لا يتفاجأ بوجع الفيضان بقدر ما يتفاجأ بتكرار اللامبالاة الرسمية.
السؤال إذن ليس: لماذا فيض سبو؟ بل: لماذا ظلّت الدولة تتصرّف كأن هذا النهر “خطأ عابر” يمكن تجاهله، لا كحقيقة بنيوية تستدعي سياسة وقائية جذرية؟
2 . من مشروع “الطريق السيار للماء” إلى سياسة التأجيل الدائم:
منذ أواخر التسعينات، طُرح في المغرب مشروع استراتيجي: “الطريق السيار المائي” أو الربط بين الأحواض المائية، يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في الآن ذاته، نقل الفائض المائي من الأحواض الغنية كسبو واللوكوس إلى الأحواض العطشى كأبي رقراق، أم الربيع، وتانسيفت. حماية المدن المعرّضة للفيضان عبر تدبير ديناميكي لحقينات السدود، بدل ترك الفائض يُهدر في البحر أو يتحوّل إلى كوارث في السهول والحواضر.
سنة 2010 قُدّرت كلفة المشروع بحوالي 30 مليار درهم، لكنه أُجّل، لأن “أولويات” الدولة كانت في مكانٍ آخر: الطرق السيارة للإسمنت قبل الماء، الملاعب قبل الأودية، الواجهة قبل الأعماق.
في سنوات الجفاف 2022–2023، تبيّن بشكل فاضح معنى هذا التأجيل، قبل أن يُنفّذ جزء استعجالي، ربط حوض سبو بسد سيدي محمد بن عبد الله لتأمين تزويد محور الرباط–الدار البيضاء بالماء الشروب، وإنقاذ البلاد من أزمة عطش كانت وشيكة.
اليوم، بعد فيضانات 2025–2026، يعود المشروع إلى الواجهة؛ فالسدود في بعض الأحواض بلغت نسب ملء جد مرتفعة (في حوض اللوكوس امتلأت بعض السدود بالكامل، كما أن حوض سبو يسجّل حقينة مائية مريحة مع سدود ممتلئة) بينما سدود أخرى كالمسيرة وأحواض أم الربيع وتانسيفت تحت عتبة الأمان بنسب ضعيفة.
هنا يظهر المنطق الطبقي في أوضح صوره، يتم تفعيل الربط المائي بشكل استعجالي عندما يكون الخطر محدقًا بـ”المغرب النافع” (الرباط–الدار البيضاء–مراكش) حفاظًا على الدورة الرأسمالية ومصالح البورجوازية الكبرى. لكن حين يتعلق الأمر بحماية مدن الهامش الفقيرة من الفيضان، أو ضمان توزيع عادل للأمن المائي في القرى والسهول المهمّشة، يعود المشروع إلى رفوف التأجيل، وتعود لغة “الظروف الطبيعية” و”التساقطات الاستثنائية”.
3 . القصر الكبير وأسفي:
حين تتحول الكارثة إلى حملة انتخابية في هذا السياق، تصبح فيضانات القصر الكبير وأسفي أكثر من مجرد كارثة، إنها مرآة سياسية.
أسفي كانت جرس إنذار مبكر، مدينة ساحلية هشة تتلقى ضربات البحر من جهة، وإهمال البنيات التحتية من جهة أخرى؛ ومع ذلك، ظل التعامل مع الفيضانات كحدث موسمي، لا كإشارة إلى خلل بنيوي في التخطيط العمراني وتوزيع الاستثمارات.
القصر الكبير حالة أكثر فجاجة:المدينة توجد في قلب سهل مهدد تاريخيًا بفيضانات سبو وواد المخازن، ومع ذلك ظلت خارج المنظومة الحقيقية لحماية المدن من الكوارث الطبيعية.
رئيس المجلس/البرلماني، الذي حكم المدينة لعشر سنوات، يحاول اليوم أن يحوّل الفاجعة إلى فرصة، مستعملاً لغة المظلومية والدفاع عن الساكنة، في حين أن سجله في الدفاع عن مشاريع الحماية والأحزمة الوقائية يكاد يكون فارغًا.
حزب الاستقلال، الذي احتكر تمثيل العرائش برلمانيًا لنحو ربع قرن، وتولى حقائب التجهيز والماء في أكثر من حكومة، يتحمل مسؤولية مضاعفة، مسؤولية محلية في تجاهل القصر الكبير ضمن برامج الحماية، ومسؤولية وطنية في تباطؤ تفعيل الربط المائي الشامل، ومحطات تحلية المياه التي كان يفترض أن تكون جاهزة بين 2017 و2019.
هذه ليست مجرد “أخطاء تدبيرية”، بل تعبير عن طبيعة دولة ترى في الماء والبنية التحتية مجالًا لضمان الربح، وجلب الاستثمارات، وتلميع الصورة، أكثر مما تراه حقًا اجتماعيًا وشرطًا من شروط الكرامة الإنسانية.
التفاوت في سرعة التدخل بين مناطق الكوارث، التفاوت في حجم الموارد البشرية واللوجيستية المسخرة، مقارنة بما رأيناه خلال تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، يكشف جوهر المفارقة:
حين يتعلق الأمر بملاعب كرة ومسارح استعراض عالمي، تتحرك الآلة بسرعة مذهلة. وحين يتعلق الأمر بقرى تغرق، ونساء يحملن الأطفال فوق السطوح، وفلّاحين يفقدون بيوتهم ومواشيهم، يصبح “التدخل حسب الإمكانات المتاحة”، وتعود أسطوانة “الظروف الاستثنائية”.
ومع ذلك، وسط هذا الخراب، يظهر وجه آخر للمجتمع، أبناء القصر الكبير الذين شكّلوا خطوط الدفاع الأولى عن مدينتهم، ينقلون الناس، ينقذون الجيران، يؤمنون المؤن، ويحوّلون شبكات التضامن العائلية والحيّ إلى بنية إنقاذ حقيقية.
عناصر الوقاية المدنية، والعمال البسطاء، ورجال النظافة، الذين اشتغلوا في ظروف قاسية، هم من خففوا من حجم الكارثة ميدانيًا، في غياب ناطق رسمي حقيقي للجنة يقظة، وفي صمت شبه تام من بعض الوزراء المعنيين مباشرة بالقطاع.
هؤلاء هم “الطبقة الشعبية ”، التي تخلق التاريخ بالفعل، بينما يكتفي ممثلو الطبقات السائدة بترويض الكارثة خطابيا، وتحويلها إلى مناسبة دعائية جديدة
4. بين الفيضان والجفاف: دينامية واحدة، منطق واحد:
ما يبدو ظاهريا تناقضًا بين سنوات الجفاف وسنوات الفيضان، هو في العمق استمرار لنفس السياسة.
في سنوات الجفاف، تُبرَّر كل الاختلالات بندرة الموارد الطبيعية، في حين تُترك الزراعات التصديرية المستنزفة للماء (كالضحيات الكبرى حول سلاسل معينة) تواصل نهبها للفرشات المائية.
تتأخر محطات التحلية، والربط بين الأحواض، وتُترك القرى تواجه العطش بصهاريج متنقلة.
في سنوات الفيضان، تغيب سياسة وقائية قائمة على قراءة علمية لخرائط الأحواض، وتاريخ الأودية، وبنيات التربة. تبنى مدن بأكملها فوق مجاري مائية لها ذاكرة تعود لمئات وآلاف السنين، ثم حين تستعيد الأودية مساراتها القديمة، يُقال للناس إنها “فاجعة طبيعية”.هنا بالضبط يمكن قراءة مشروع “أوطوروت الماء” كاختبار سياسي/طبقي حاسم
إذا نُفذ بمنطق شمولي عادل، يربط بين الأحواض ويوزع الماء كحق جماعي، ويجعل حماية الإنسان أولوية، يمكن أن يصبح أداة تاريخية لإعادة التوازن.
أما إذا ظل مجزّأ، وانتقائيا، يُفعّل فقط حيث توجد كثافة رأسمالية أو ضغط اجتماعي مركزي، فسيكرّس نفس اللامساواة المائية بين “مغرب نافع” و”مغرب فائض عن الحاجة”.
في الختام اقول من “غزوة سد واد المخازن” إلى سؤال الأمن المائي الشعبي.
في معركة وادي المخازن، انتصر المغاربة على غزو أجنبي مسلّح، وكتبوا صفحة من صفحات التاريخ العسكري والسياسي العالمي.
اليوم، في القصر الكبير نفسه، يعجز النظام عن حماية المدينة من “غزوة” سد واد المخازن، ليس لأن الفيضان أقوى من الدولة، ولكن لأن منطق الدولة في تدبير الماء والفضاء أضعف من حاجات الناس وأبسط قواعد العلم.
الفيضان هنا ليس فقط ماءً يقتحم البيوت، بل هو أيضًا لحظة عُري سياسي؛ لحظة يسقط فيها قناع الخطاب الرسمي عن “العدالة المجالية” و”الأمن المائي”، وتطفو على السطح حقيقة مُرّة، *تُبنى الأحجار قبل الإنسان، تُعبّد الطرق قبل أن تُصان كرامة من يمشون عليها، تُشيَّد الملاعب قبل أن تُحمى القرى من الطين*.
ما نحتاجه ليس مجرد “تسريع المشاريع” داخل نفس المنطق، بل قلب المعادلة:
اعتبار الماء ثروة اجتماعية مشتركة، لا مجالاً للريع والاستثمار الأحادي.
ربط التخطيط المائي بالتخطيط الترابي، بحيث لا تُبنى مدينة واحدة فوق مجرى نهر أو واد دون بنية وقائية صارمة ومسؤولة.
إخضاع مشاريع كـ“الطريق السيار للماء” لرقابة شعبية حقيقية، تضمن أن تستفيد منها آيت باعمران كما تستفيد منها الدار البيضاء، وأن تُحمى القرى في الغرب كما تُحمى الأحياء الراقية في العاصمة.
الأمن المائي لم يعد ترفًا، ولا ملفًا تقنيًا محجوزًا للخبراء والوزراء؛ إنه سؤال سياسي من الدرجة الأولى، وساحة صراع طبقي مفتوحة بين من يريدون للماء أن يكون وسيلة للهيمنة والربح، وبين من يرونه شرطًا للحياة والحرية والكرامة.
وفي قلب هذا الصراع، ستظل ضفاف سبو، ووديان إيناون وورغة وواد اللبن، شاهدة على أن من يترك الفقراء يغرقون اليوم، هو نفسه من كان يتركهم عطشى بالأمس؛ وأن العدالة المائية ليست مطلبًا بيئيا فقط، بل لبنة أساسية في أي مشروع تحرر شعبي حقيقي.
تعليقات الزوار
التخطيط المجالي فالمدن المغربية كيلعب دور مهم فتنظيم المجال وضبط التوسع العمراني، ولكن كيبقى مرتبط بشكل كبير بتدبير الأحواض المائية. التمدّن السريع وبناء المدن فبلايص قريبة من الوديان ولا فوق المجالات الطبيعية كيأثر على توازن المياه، وكيزيد من مخاطر الفيضانات واستنزاف الفرشات المائية. وزيد على هاد الشي، كاين ضعف فالتنسيق بين وثائق التعمير ومخططات تدبير الأحواض المائية، الشي اللي كيخلّي السياسات العمومية ما تكونش فعّالة. ومن هنا كتبان ضرورة إدماج مقاربة الحوض المائي فالتخطيط المجالي باش نحافظو على الموارد المائية، ونحققو العدالة المجالية، ونضمنو تنمية حضرية مستدامة فالمدن المغربية، خصوصاً مع التغيرات المناخية هادي هفوات كبيرة لخاص استدراكها والعمل عليها واخا راه صعب ايجاد حلول بديلة .