منتدى العمق

الورشات النفسية والاجتماعية بمدارس الريادة وانزلاق الهوية المهنية للمختص الاجتماعي.

عرفت المنظومة التربوية بالمغرب سلسلة من القوانين التشريعية والتنظيمية، تهدف أساسا إلى إصلاح الاختلالات البنيوية التي يعاني منها قطاع التربية والتكوين. ذلك يأتي إيمانا من الوزارة الوصية بأن مشاكل المنظومة لا تختزل فقط في الأبعاد التقنية، وإنما تتطلب مقاربة كيفية متعددة الزوايا لفهم هذه الاختلالات وفك شفرتها. ومع ذلك، نجد أن جميع الإصلاحات التعليمية منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 وصولا إلى خارطة الطريق 2022-2026 قد اعتمدت المقاربة التقنية لمعالجة اختلالات المنظومة، مع إهمال الجوانب الإنسانية والاجتماعية للتلميذ.

في سنة 2020، بدأت أولى خطوات الانتقال إلى المقاربة الكيفية من خلال اعتماد إطار المختص الاجتماعي بعد سنوات من الانتظار، والذي كان من المفترض اعتماده منذ صدور النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، تحت رقم 2.02.854، حيث كانت مهامه موكولة سابقا للحارس العام للخارجية، وقد جاء القرار الوزاري 0714.20 لتحديد مهام أطر الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي، خاصة في المادة الرابعة تحت اسم مهام الملحقين الاجتماعيين، ثم تلاه القرار 064.22 الذي أعاد التدقيق في مهام الملحقين الاجتماعيين والتربويين وملحقي الاقتصاد والإدارة، خاصة في المادة الخامسة منه.

كل هذه القرارات اتسمت بـ منطق الغموض واللايقين، إذ لم تنطلق الوزارة من خصوصيات الإطار الأكاديمي والميداني لتنزيل مهامه على الوجه الأكمل. فالهيئة القديمة التي ينتمي إليها المختص الاجتماعي كانت تعمل بمنطق سد الخصاص، معتبرة الإطار مجرد مساعد للحراسة العامة والإدارة، مع تحميله جدول حصص أسبوعي قدره 38 ساعة، وهو ما يتناقض تماما مع فلسفة الخدمة الاجتماعية المدرسية.

بعد جهد طويل من النضال من طرف الغيورين على الإطار، تم تغيير الهيئة من “الإدارة التربوية” إلى “هيئة التربية والتعليم” بموجب المادة العاشرة من المرسوم 2.24.140، الذي يحدد أيضا في المادة 15 مجالات تدخل المختص الاجتماعي:
_ المواكبة النفسية والاجتماعية والصحية؛
_ المساهمة في تدبير الأنشطة المرتبطة بالحياة المدرسية؛
_ المساهمة في تدبير الصحة المدرسية والتواصل مع الأسر؛
_ المساهمة في الأنشطة التربوية والموازية المتعلقة بالمجال الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن الالتزامات التي جاءت بها خارطة الطريق 2022-2026 لم تحترم المادة المذكورة، انطلاقا من التصور الذي أفرزته مدارس الريادة، والتي عمدت إلى ورشات نفسية واجتماعية أثقلت كاهل المختص الاجتماعي، وجعلته بمثابة جوكير في المؤسسة التعليمية، مكلفا بكم هائل من الورشات التي تتنافى مع فلسفة الخدمة الاجتماعية المدرسية.

اعتمدت الوزارة دليلا باسم “الورشات النفسية والاجتماعية – دليل المنشط”، وهو ما يتناقض مع الخلفية الأكاديمية للمختص الاجتماعي، الذي يفترض به فهم الأبعاد النفسية والاجتماعية والصحية والثقافية للمتعلمين، مستندا إلى مفاهيم ونظريات الخدمة الاجتماعية المدرسية المتقاطعة مع علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة، والأنثروبولوجيا.

بالمقابل، يبدو أن الدليل يهدف إلى تحويل المختص الاجتماعي إلى منشط ترفيهي، مع محاور بها عناوين بوهلوانية مثل “كيف تصبح بطلا” و”كيف تضحك بدل أن تبكي”، وكأن الهدف هو تحقيق الرفاه النفسي فقط، وهو أمر مؤسف ومضحك في الوقت ذاته.

استمر المنهج ذاته مع نهج اللامبالاة والتعطيل في التدقيق بالمهام، ومنح سلطة الإقرار لمديري المؤسسات التعليمية في أسلوب تعسفي وشطط في السلطة تجاه المختصين الاجتماعيين، لا سيما في مدارس الريادة، كما شمل ذلك تهديدات من طرف نقط الارتكاز أو “النقط السوداء”، الذين تم اختيارهم وفق معايير مبنية على الزبونية والمحسوبية وباك صاحبي.

وفي الأسبوع الأول من الشهر الآني، صدرت مذكرة وزارية تلزم المختص الاجتماعي بالاشتغال في الحصص الفارغة للتلميذات والتلاميذ، وهو ما يعزز من دوره الجوكيري بدل مهامه الحقيقية، في الوقت الذي ابرمت فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة اتفاقية شراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لتنزيل البرنامج 12 الخاص بدعم الصحة المدرسية بالسلك الابتدائي، حيث تم إسناد هذه المهمة للمختصين الاجتماعيين، بشكل يتعارض مع خلفيتهم الأكاديمية والتربوية، وهو ما يمثل تطفلا على اختصاص لا يمت بصلة إلى تكوينهم الأكاديمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *