منتدى العمق

عزيز أخنوش .. نهاية رجل شجاع

في رواية نهاية رجل شجاع للكاتب العربي حنا مينه، لا يموت البطل لأنه ضعيف، بل لأنه عاش وفيا لجوهره في عالم قاس. ينكسر جسده، لكن قيمه لا تنكسر. هذه الفكرة بالذات حضرت بقوة وأنا أتابع أطوار المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة، وأرى التأثر البالغ لأعضاء الحزب وهم يودعون رئيسهم عزيز أخنوش بعد أن فضل النزول عن صهوة الفرس بهدوء.

لم يكن المشهد بروتوكوليا عاديا، بل لحظة إنسانية صادقة، اختلطت فيها الدموع بالتصفيق، في سابقة نادرة في تاريخ الأحزاب المغربية. فقليلا ما رأينا مؤتمرا يودع أمينه العام بالبكاء الجماعي، لا بالصراعات ولا بالاتهامات ولا بالقطيعة ولا بالتراشق بالصحون، بل بوداع يعبر عن امتنان جماعي لمسار قطع، ولرجل اختار أن يغادر والحزب في أوج قوته.

كما في الرواية، حيث لا تكون النهاية هزيمة بل اكتمال مسار، بدا قرار أخنوش بالرحيل أقرب إلى اختيار واع لتوقيت التوقف، لا إلى انسحاب اضطراري. لحظة يمكن توصيفها دون مبالغة، بأنها رحيل رجل شجاع.

ما جرى في مؤتمر الأحرار يؤكد أننا كنا أمام رئيس حزب استثنائي، جاء في سياق استثنائي، واختار أن يغادر في لحظة استثنائية أيضا.

لنعد قليلا إلى سنة 2016. كان المشهد السياسي المغربي يعيش اختلالا واضحا. تيار سياسي واحد يستفرد بالفضاء العمومي، يهيمن على الخطاب السياسي الشعبوي، ويكاد يحتكر تمثيل الإرادة الشعبية، في وقت بدت فيه باقي الأحزاب عاجزة عن مجابهة هذا المد، بل إن بعضها فضل التماهي معه طمعا في حقائب وزارية، ولو على حساب منطق التعددية الحزبية والبناء الديمقراطي الفتي.

في تلك اللحظة بالذات، أدى أخنوش مهمة وطنية بامتياز: المساهمة في إعادة التوازن إلى الحقل السياسي. لم تكن مهمة مريحة ولا مضمونة النتائج، لكنها كانت ضرورية لحماية التعددية ولمنع تحول السياسة إلى حقل للشعبوية والشعبوية المضادة.

كان بإمكانه أن يتوارى إلى الظل، وأن يواصل خدمة مصالحه الاقتصادية بعيدا عن الصراعات مثلما أختار الكثيرون، وأن يربح صفقات كبرى، يقدم كرجل أعمال ناجح وبورجوازي وطني. لكنه اختار طريقا أكثر كلفة: خوض المعركة السياسية، والمقامرة برأسماله الرمزي. وليس للتاجر في نهاية المطاف إلا سمعته.

خاطر بتجارته وباسمه الاقتصادي حين دخل حقلا معروفا بتقلباته وقسوته وسرعة انقلابه على من يلجه. نقل ثقله من عالم الربح الخاص إلى عالم الكلفة العمومية، ومن منطق المقاولة إلى منطق الدولة، من حقل مضمون الربح الى حقل مضمون الخسارة.

في رواية نهاية رجل شجاع، يدفع البطل ثمن اندفاعه الأخلاقي في مجتمع لا يرحم المختلفين. وفي السياسة كذلك، يدفع من يختار المواجهة ثمنا باهظا. أخنوش واجه التيار الإسلامي في عز قوته التنظيمية والانتخابية، لا بخطاب صدامي أو استئصالي، بل بمنطق البناء الهادئ، بتنظيم حزبي قوي، برامج قوية نابعة من صوت المواطن، وتأطير وجولات تواصلية مستمرة.

ورث حزبا ضعيف الحضور سياسيا ومحدود الأثر انتخابيا، فحوله عبر نفس طويل إلى حزب وازن، يتوفر على هياكل ومؤسسات داخلية، وهيئات حزبية موازية، وشبكة منتخبين، وقادر على الاشتغال الترابي المنتظم. بهذا المعنى أعاد الاعتبار لأدوار الحزب السياسي كأداة اشتغال وبرنامج، لا كمناسبة انتخابية ظرفية.

وعندما قاد الحكومة، لم يفعل ذلك في زمن رخاء، بل في واحدة من أصعب الظرفيات التي عرفها المغرب والعالم: جائحة كورونا، سنوات جفاف متتالية، اضطراب سلاسل التوريد العالمية، تقلب الأسواق الدولية، وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأساسية.

يمكن أن نقول إنه نجح في جوانب، ويمكن أن نقول إنه أخفق في جوانب أخرى حسب وجهات النظر ولكل حججه، هذا نقاش مشروع وطبيعي في أي ديمقراطية. لكن ما لا يمكن الاختلاف حوله، هو أنه قاد الحكومة في زمن الأزمات.

كما في الرواية، لا يقاس البطل بعدد انتصاراته، بل بقدرته على الصمود. وهكذا أيضا في السياسة: الشجاعة لا تعني الكمال، بل تعني تحمل المسؤولية في زمن الأزمات، والبقاء في موقع القرار رغم كلفته.

وإذا ما اختار أخنوش الرحيل عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم، فإنه يغادره وهو القوة السياسية الأولى في البلاد، وفي أوج قوته التنظيمية ونضجه السياسي، وقادر لو أراد على قيادة حكومات أخرى. لكنه يختار المغادرة وهو منتصر رمزيا، لا مكسورا.

وبالمثل، سيترك حكومة دشنت أوراشا اجتماعية كبرى ذات أثر مباشر على حياة المغاربة، وأرست اختيارات استراتيجية بعيدة المدى، مهما اختلفنا حول سرعتها أو نجاعتها.

ويمكن، بصدق، أن نقول:
عزيز أخنوش .. رحيل رجل وطني شجاع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *