ما وراء الجدل حول هوية سيارات الإسعاف.. تفكيك «بيزنيس الموت» في ظل الدولة الاجتماعية

بينما انخرط الرأي العام المغربي في سجال هوياتي حاد حول «تديين» أو «علمنة» الهوية البصرية لسيارات نقل الأموات عقب صدور القرار الوزاري المشترك رقم 1250.25، كانت خلف الستار تتشكل معطيات اقتصادية ثقيلة ترسم ملامح سوق سيخضع لإعادة هيكلة عميقة. فالضجيج الذي رافق النقاش حول العبارات المكتوبة على المركبات لم يكن، في جوهره، سوى غطاء كثيف لعملية أعقد ذات بعد سياسي واقتصادي واضح، حيث استُخدم السجال الهوياتي لتمرير ما يمكن تسميته «تطهيرا استثماريا» لقطاع ظل لسنوات يتحرك في منطقة رمادية تجمع بين التكافل الاجتماعي والاقتصاد غير المهيكل.
الهدف الفعلي للنص القانوني يتجاوز النقاش الرمزي حول العبارات والشعارات، ليرسي أرضية تنظيمية لسوق لوجستي وصحي تقدر قيمته بمليارات الدراهم. فمن خلال فرض معايير تقنية صارمة، فُتح الباب لتحويل نشاط كان في جزء كبير منه ذا طابع إحساني أو تدبير جماعاتي، إلى سلسلة صناعية ولوجستية مؤطرة بقوانين السوق والجباية. إنها عملية إحلال بنيوية يُستبدل فيها منطق «الإحسان والعفوية» بمنطق «الاستثمار المنظم»، بما يضع خدمات ما بعد الوفاة تدريجيا تحت نفوذ فاعلين كبار في مجالي التجهيز والمصحات.
تعكس الأرقام حجم الرهانات. فعدد الوفيات في المغرب تراوح، خلال العشر سنوات الأخيرة، بين 190.000 و215.000 وفاة سنويا (ما يقرب من 6 وفيات لكل 1000 نسمة) وفق الإحصائيات الرسمية، وهو ما يمثل طلبا ثابتا لا يعرف الركود. وإذا كانت كلفة الرزمة الجنائزية في القطاع المهيكل تتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألف درهم حسب الحالات، فإننا أمام دورة مالية سنوية تفوق ملياري درهم داخل التراب الوطني. هذا المعطى يحول القطاع من هامش اجتماعي إلى سوق ذات سيولة دائمة.
بدوره يشكل نقل الجثامين من الخارج مصدر سيولة مهمة، بالنظر إلى ثقل الجالية المغربية في أوروبا. هذا المجال تهيمن عليه شركات تأمين دولية وعقود مرتبطة بالنقل الجوي واللوجستيك العابر للحدود. فرض معايير تقنية مغربية دقيقة يخلق عمليا «توافقا قسريا» يدفع الفاعلين الدوليين إلى المرور عبر وسطاء محليين معتمدين، ما يضمن احتفاظا أكبر بالعملة الصعبة داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.
ولا يتوقف الأثر عند النقل فقط، بل يمتد إلى خدمات إخراج الجثث والتعقيم والتخزين البيولوجي التي قننها القرار بمدد زمنية محددة. هذا التقنين يخلق طلبا مستداما على شركات التطهير المتخصصة، ويضيف حلقة جديدة إلى سلسلة القيمة لم تكن مهيكلة سابقا، بما يفتح شهية المقاولات الناشطة في نظافة وتعقيم المؤسسات الصحية.
عند تفكيك البعد الصناعي للقرار، يتضح أن فرض مواد بعينها مثل البوليستر وأنظمة تبريد محددة لا يعكس فقط هاجس السلامة الصحية، بل يرفع أيضا عتبة الولوج إلى السوق وإلى الصفقات العمومية. تكلفة تأهيل مركبة واحدة قد تصل إلى 150 ألف درهم أو تفوقها، وهو ما يشكل حاجزا ماليا حقيقيا أمام الجمعيات المحلية والفاعلين الصغار. في المقابل، تستفيد شركات تجهيز الهياكل القادرة على الامتثال السريع لمواصفات «التحديث القسري» المرتقب لأساطيل الجماعات الترابية والمؤسسات الصحية.
الهوية البصرية الموحدة تحمل بدورها بعدا جبائيا واضحا. فإجبارية وضع معلومات المالك على المركبة تمثل نظام تتبع بصري يسهل رصد الناقلين غير المصرح بهم، ويهدف عمليا إلى تجفيف منابع الاقتصاد غير المهيكل في القطاع وضمان خضوع كل العمليات للمحاسبة الضريبية. هذا التوجه ينسجم مع مصالح وزارة المالية بقدر ما ينسجم مع خطاب وزارة الصحة حول التنظيم.
غير أن التحول التشريعي يفتح أيضا الباب أمام موجة صفقات عمومية كبيرة لتجديد الأسطول، وهو ما يثير أسئلة مشروعة حول الشفافية. الجدل المتواصل في قطاع الصحة بشأن صفقات بمليارات السنتيمات يعيد إلى الواجهة مخاوف «تفصيل» دفاتر التحملات على مقاس موردين محددين. فحين تُمرر صفقات تحت ضغط الاستعجال، تتحول بعض المعايير التقنية إلى أدوات إقصاء مسبق للمنافسة.
إن الأكثر إثارة للقلق هو ما قد يلي هذا القرار من ضعف للمراقبة البعدية. فبينما تُنفق مبالغ مهمة على تجهيزات حديثة، يظل المواطن في مناطق عديدة في مواجهة خصاص في السائقين المؤهلين، وضعف في الصيانة والمواكبة. هذا التباين يطرح سؤالا سياسيا وأخلاقيا جوهريا حول الغاية الحقيقية من الإصلاح: هل هي خدمة المواطن أم خلق سوق محمية جديدة؟
في السياق الأوسع، يتقاطع هذا الورش مع تحول أعمق نحو تسليع متدرج للخدمات الصحية. فالمجموعات الاستشفائية الكبرى، المدعومة بتوسع التغطية الصحية الإجبارية، مرشحة للتمدد نحو لوجستيك ما بعد الوفاة عبر شراكات حصرية مع ناقلين معتمدين. والنتيجة المتوقعة هي تراجع الدور الاجتماعي للجمعيات والفاعلين الصغار، وقتل خدمات الجماعات الترابية، خاصة الفقيرة، بالرغم مما يمكن أن يقال عنها، وهو ما سيجعل كل هؤلاء الفاعلين خارج المنظومة القانونية الجديدة.
من هنا يبرز الاختبار الحقيقي لشعار «الدولة الاجتماعية». فهل المقصود تنظيم القطاع مع الحفاظ على خدمة عمومية قوية وميسرة، أم تحريره عمليا لفائدة فاعلين كبار؟ بدون استثمار عمومي موازن وآليات صارمة لمراقبة الصفقات وتسقيف الأسعار، قد يتحول حق الدفن بكرامة إلى خدمة مؤدى عنها وفق منطق السوق.
في المحصلة، لم يكن الجدل حول العبارات سوى واجهة سطحية. القضية الجوهرية تتعلق بمن يملك مفاتيح السوق، ومن يضع المواصفات، ومن يحدد كلفة الرحلة الأخيرة للمواطن. مستقبل هذا الورش سيقاس بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين التنظيم الضروري وحماية البعد الاجتماعي، حتى لا تتحول حرمة الموت إلى مجرد بند ربحي في دفاتر شركات كبرى.
اترك تعليقاً