منتدى العمق

السيادة الرقمية في المغرب: حين تتحول بياناتنا الوطنية إلى نقطة ضعف استراتيجية

لم تعد السيادة في معناها الحديث مرتبطة فقط بحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، ولا باحتكار الدولة لأدوات القرار السياسي والعسكري فحسب، بل صار لها اليوم امتداد حاسم داخل المجال الرقمي، ففي عالم تتسارع فيه الرقمنة بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد من الممكن الحديث عن استقلال الدول دون التوقف عند سؤال بالغ الحساسية: من يملك البيانات؟ ومن يتحكم في بنياتها؟ ومن يوجّه الخوارزميات التي تعالجها؟

في المغرب، كما في كثير من الدول الصاعدة، تتقدم مشاريع الرقمنة في الإدارات والخدمات والقطاعات الاقتصادية بخطى متسارعة، وهذا في ظاهره مؤشر إيجابي؛ لأنه يَعِدُ بتحسين النجاعة، وتبسيط الولوج إلى الخدمات، غير أن الوجه الآخر لهذا التحول يظل أقل نقاشا، فنحن نُنتج كما هائلا من المعطيات يوميا، لكن جزءا كبيرا من هذه البيانات يُخزَّن ويُعالج خارج المجال الوطني، وتحت سيطرة منصات وشركات أجنبية لا تخضع لأولويات الدولة المغربية ولا لرهاناتها الاستراتيجية.

هنا بالضبط، يبرز مفهوم “السيادة الرقمية” بوصفه قضية سيادية من الدرجة الأولى، فالدولة التي لا تملك بياناتها، أو لا تضمن على الأقل التحكم في مساراتها، تترك جزءا من أمنها الوطني ومصالحها الحيوية في يد غيرها.

وارتباطًا بذلك، فالحديث عن الخدمات المجانية التي تقدمها المنصات الكبرى ليست إحسانا عابرا، إنما تقوم على منطق تبادل غير متكافئ، وهو أننا نستعمل التطبيقات والمنصات من دون مقابل مالي مباشر، لكنها –أي الشركات- في المقابل تلتقط تفاصيل حياتنا اليومية بدقة مذهلة؛ الموقع الجغرافي، والاهتمامات، وأنماط الاستهلاك، وأوقات الاستيقاظ والنوم، وما نقرأه، وما نعلّق عليه، وما نؤيده أو نرفضه، بل وحتى مؤشرات تتعلق بالحالة النفسية أو الصحية، فكل هذه الأمور تتحول إلى معطيات قابلة للتجميع والتحليل والاستثمار.

بعبارة أخرى، لم يعد المواطن مجرد مستخدم عادي للتكنولوجيا، بل صار منتجا مستمرا للبيانات، والمشكلة لا تكمن في جمع هذه البيانات، وإنما في الجهة التي تمتلك القدرة على تحويلها إلى معرفة، ثم إلى نفوذ، فحين تُرحَّل المعطيات الوطنية إلى خوادم موجودة في الخارج، وتُدمج ضمن أنظمة ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب خارج أي رقابة مغربية فعلية، نكون بصدد فقدان تدريجي لجزء من قدرتنا على التحكم في المجال الرقمي الوطني.

والأخطر من ذلك -من وجهة نظري- أن هذه النماذج لا تظل محايدة كما يتصور البعض، فالذكاء الاصطناعي الذي يتعلم من اللغة المحلية والسلوك الاجتماعي والتفاعلات اليومية، لا يفعل ذلك في فراغ، بل يشتغل ضمن بيئات اقتصادية وثقافية وسياسية محددة، ويُعاد توظيفه لاحقا في تطبيقات ومنصات وخدمات لا تنطلق من تصوراتنا نحن للمجتمع والقيم والمصلحة العامة، وعليه، فحين تغيب البنية التحتية الوطنية المستقلة، يصبح من المشروع أن نسأل: من يملك فعلا صورة المجتمع المغربي في شكله الرقمي؟

وتقديمًا للجواب عن هذا السؤال، من الخطأ أن نظن أن شركات التكنولوجيا العملاقة تعمل في عزلة تامة عن الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية لدولها، فالعالم اليوم يعرف تداخلا واضحا بين القوة التكنولوجية والقوة الاستراتيجية، والذكاء الاصطناعي صار في صميم هذا التداخل؛ لأن التطورات الجارية على الصعيد الدولي تكشف أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تجارية، بل أصبحت أيضا جزءا من منظومات التأثير والرقابة والتحليل والتفوق الاستراتيجي، وحين تمتلك جهات أجنبية قدرة واسعة على تحليل البيانات المتدفقة من مجتمعات أخرى، فإنها تملك أدوات لفهمها واستشراف ردود أفعالها والتأثير في اتجاهات النقاش داخلها، ومن هنا يصبح النقاش حول السيادة الرقمية في المغرب نقاشا مرتبطا باستقرار الفضاء العمومي وحماية القرار الوطني من أشكال جديدة من الاختراق.

وأولى الخطوات في تأسيس السيادة الرقمية، تبدأ من الإطار القانوني، فالمعطيات الحساسة، سواء كانت صحية، أو مالية، أو إدارية، أو مرتبطة بالمؤسسات الحيوية، ينبغي أن تحظى بحماية قصوى، وأن تُربط بآليات واضحة لتوطين التخزين والمعالجة داخل التراب الوطني، أو على الأقل داخل بنى تحتية مضمونة قانونيا وتقنيا، بما يحفظ مصالح الدولة والمواطنين، كما أن تحديث التشريعات ذات الصلة بحماية المعطيات الشخصية لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، لكن القانون وحده لا يكفي. فلا سيادة رقمية من دون بنية تحتية رقمية، وهذا يعني أن بناء مراكز بيانات وطنية، وتطوير سحابة سيادية، لم يعد ترفا استثماريا، بل صار من مقومات الأمن الاستراتيجي للدولة، فحين تكون المعطيات الوطنية الحساسة مستضافة في الخارج، فإنها تظل خاضعة لمخاطر النفاذ القانوني أو التقني من قبل سلطات أو جهات أجنبية.

إلى جانب ذلك، يظل الرهان على بناء نماذج ذكاء اصطناعي محلية من بين أهم عناصر تحقيق سيادة رقمية، فليس من المعقول أن تظل لغاتنا المحلية، وفي مقدمتها الدارجة والأمازيغية، موضوعا حصريا لتدريب نماذج أجنبية، في حين نعجز نحن عن تطوير أدواتنا الخاصة التي تفهم السياق المغربي بجميع مكوناته، ولتطوير هذه النماذج الآلية يصبح لزاما بناء استثمار حقيقي في البحث العلمي والجامعات، بإشراف الكفاءات المغربية التي راكمت خبرة معتبرة في مجالات هندسة البيانات والبرمجة والذكاء الاصطناعي، كما يتطلب ذلك خلق شروط مهنية ومؤسساتية تجعل هذه الطاقات جزءا من مشروع وطني، عوض أن تظل مجرد كفاءات مهاجرة تشتغل لصالح منظومات أخرى، ثم إن المغرب لا يستطيع أن يخوض هذا المشروع منفردا وحده، لأن التفاوض مع عمالقة التكنولوجيا يظل محدودًا إذا بقيت كل دولة تتصرف بمفردها، لذلك تبدو الحاجة قائمة إلى تفكير مغربي ضمن تحالفات إقليمية أو عربية أو إفريقية، ترفع مطلب العدالة الرقمية، وتدافع عن الحق في حماية المعطيات والخوارزميات.

إن هذا الطرح الذي قدمته ليست رفضا للتكنولوجيا ولا دعوة إلى الانغلاق، بل هي دعوة إلى امتلاك شروط الانخراط الآمن والمتوازن، فالعالم لا ينتظر المترددين، ومن يخرجُ من الثورة الرقمية سيجد نفسه على الهامش بكل تأكيد، لكن الدخول إليها دون وعي سيادي، قد يحول الرقمنة من فرصة للتقدم إلى بوابة هشاشة أمنيا واستراتيجيًّا.

وختامًا، لقد آن الأوان لكي يُطرح هذا النقاش في المغرب بجدية، فالمعركة المقبلة لن تكون حول من ينتج التكنولوجيا، بل أيضا حول من يملك البيانات، والحقيقة التي ينبغي استيعابها، هي أن الدولة التي تفقد السيطرة على بياناتها، تفقد بالتدريج جزءا من سيادتها على قرارها، وعلى مجتمعها، وعلى مستقبلها. ومن ثم، فإن بناء سيادة رقمية مغربية لم يعد ترفا مؤجلا، بل صار شرطا من شروط حماية الوطن في زمن الخوارزميات.

* محمد ابن سفاج، باحث في الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية

لائحة المراجع والمصادر :
1. زوبوف، شوشانا. (2019). عصر رأسمالية المراقبة: النضال من أجل مستقبل بشري في جبهة القوة الجديدة. مترجم
2. تقارير اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) بالمغرب، حول تحديات حماية المعطيات الوطنية.
3. مقالات وتقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول عسكرة الذكاء الاصطناعي وارتباطه بالأمن القومي والدفاع.
4. “سيادة البيانات في العصر الرقمي”، دراسات منشورة في المجلات العلمية المحكمة المهتمة بالأمن السيبراني، والتي تؤكد على ضرورة توطين البيانات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *