جرائم رقمية بغطاء سياسي.. تحدٍّ جديد للمغرب
لم يعد الحديث عن الجريمة الإلكترونية في المغرب ترفا تقنيا أو ملفا يهم المختصين وحدهم. ما كان يُنظر إليه قبل سنوات كاحتيال على أفراد، أو سرقة معطيات بنكية، أو ابتزاز بسيط عبر رسائل خاصة، تحول تدريجيا إلى اقتصاد كامل قائم على التهديد والتشهير والاحتيال، ويزداد تعقيدا كلما توسعت المنصات وتداخلت الحدود بين الدول. والأخطر أن الجريمة، وهي تتطور، لم تعد تكتفي بالتخفي وراء الحسابات الوهمية، بل بدأت في بعض السياقات تستعير لغة السياسة و”الحقوق” و”محاربة الفساد” لتضفي على نفسها حصانة معنوية، وتربك القدرة على التمييز بين النقد المشروع وبين نشاط إجرامي منظم.
في معظم البلدان، تتكرر الأنماط الأساسية للجريمة الرقمية، من الاحتيال المالي إلى الابتزاز الجنسي الرقمي، ومن اختراق الحسابات إلى انتحال الهوية، ثم استدراج الضحايا عبر الروابط أو الرسائل أو “العروض” المغرية. هذه الأشكال قد تبدو تقليدية، لكنها لم تعد بسيطة، لأن شبكات الاحتيال أصبحت أكثر تنظيما، ولأن الضحية قد تكون في بلد والمحتوى أو الخوادم أو وسائل الدفع في بلد آخر، ما يجعل ملاحقة الأثر الرقمي مسألة تعاون دولي قبل أن تكون مسألة نصوص قانونية.
في المغرب، تعكس الأرقام الرسمية هذا التحول بوضوح. الحصيلة السنوية للمديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2025 تحدثت عن معالجة13.643 قضية مرتبطة بالجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة وجرائم الابتزاز المعلوماتي، مع رصد3.131 محتوى ذي طبيعة ابتزازية، وتوجيه1.036 انتدابا دوليا في إطار هذه القضايا، وإحالة 415 شخصا على العدالة.الانتدابات الدولية هنا ليست تفصيلا عاديا، بل علامة على طبيعة الجريمة كما أصبحت اليوم. حين يطلب المغرب إنابات خارجية بهذا الحجم، فهذا يعني أن جزءًا من مسرح الجريمة يوجد خارج الحدود، وأن وسائل الإثبات أو التتبع، من مزود خدمة إلى منصة إلى حسابات مالية، تحتاج تعاونا سريعا ودقيقا.
وإذا كان هذا هو الوجه المغربي، فإن الصورة الدولية تؤكد أن الظاهرة أكبر من أي بلد. في الولايات المتحدة، سجل مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لـFBI (IC3) ،859.532 شكوى خلال 2024، مع خسائر مُبلّغ عنها بلغت16.6 مليار دولار.وفي بريطانيا، تُظهر تقارير UK Finance أن الاحتيال كلّف المستهلكين 1.17 مليار جنيه إسترليني في سنة واحدة، مع اعتراف متزايد بأن الاستجابة لا يمكن أن تبقى نصائح فردية، بل تحتاج منظومة إنفاذ وحماية مشتركة بين الدولة والقطاع المالي والمنصات.
أما في إفريقيا، فتؤكد تقارير الإنتربول أن تصاعد الجريمة الرقمية ليس هامشيا. تقرير Africa Cyberthreat Assessment 2025 يحذر من ارتفاع حاد في الجرائم الإلكترونية، ويذكر أن الاحتيالات الرقمية والابتزاز الرقمي والابتزاز الجنسي”sextortion” من أكثر التهديدات المبلغ عنها. وتظهر العمليات الميدانية أن التعاون الدولي ليس شعارا، بل أداة قابلة للقياس. عملية قادتها الإنتربول في 14 دولة إفريقية أسفرت عن توقيفات واسعة في قضايا احتيال وابتزاز رقمي.
هذا هو المشهد “التقليدي” للجريمة الإلكترونية كما يعرفه الجميع. لكن المقلق في المغرب كما في غيره هو بروز نمط آخر يتغذى من الرمادية، ويصعب التعامل معه لأنه يشتغل بواجهات خطابية جذابة. هنا لا يقدّم الفاعل نفسه باعتباره محتالا أو مبتزا، بل باعتباره “مبلّغا”، أو “صحفيا مواطنا”، أو “معارضا”، أو “ناشطا حقوقيا”، ويستخدم لغة مكافحة الفساد أو الدفاع عن الضحايا أو “فضح الدولة”. ثم يبدأ البناء خطوة خطوة من خلال نشر اتهامات ضخمة دون سند، تضخيمها عبر الإيحاء بامتلاك “ملفات” أو “تسجيلات”، إدخال عنصر التشهير بالحياة الخاصة، وأحيانا نشر معطيات شخصية أو صور أو وثائق بهدف صنع رهبة عامة. بعد ذلك تصبح الضحية في وضع دفاعي، وتتحول الفضيحة إلى عملة ضغط، وقد تنتهي إلى مساومة أو ابتزاز أو “تسوية” غير معلنة، أو على الأقل إلى استنزاف معنوي ومالي وقضائي.
هذا النمط لا ينتمي إلى المغرب وحده. في الولايات المتحدة، أعلن مكتب الادعاء الفيدرالي بالمنطقة الوسطى من كاليفورنيا يوم 27 مارس 2025 توجيه اتهام اتحادي (43 تهمة) إلى Eugene Henley Jr. المعروف بـ “Big U” (أحد رموز عصابة Rollin’ 60s Neighborhood Crips في لوس أنجلوس)، في ملف يتضمن، ضمن تهم أخرى، الابتزاز والاحتيال والجرائم الضريبية (إلى جانب اتهامات جنائية ثقيلة مرتبطة بمنظومة RICO) وتكتسب القضية أهميتها هنا لأن البيانات الرسمية نفسها تشير إلى أنه كان يقدم نفسه كـ “ناشط مجتمعي”ورجل أعمال في مجال الترفيه، مع الاشتباه في توظيف واجهات/جمعيات لصناعة صورة عامة تُربك المساءلة.
وفي بريطانيا، بتاريخ 16 مايو 2023، أُبلغت المحكمة العليا (High Court) بمزاعم تفيد بأن الصحفي Lee Harpin الذي شغل أدوارا قيادية في People وSunday Mirror حاول ابتزاز مجموعة Mirror Group Newspapers عبر التهديد بكشف ما قد يحرج المؤسسة في ملف حساس مرتبط بسياق “phone hacking”، وهو نموذج لابتزاز يُبنى على منطق “الفضح/الصفقة” بدل المسارات القانونية.
أما المثال الأشد التصاقا بالمغرب، فهو قضية الصحفيين الفرنسيين Éric Laurent وCatherine Graciet. الوقائع تعود إلى 2015 حين وُجهت إليهما تهمة محاولة ابتزاز الملك محمد السادس مقابل عدم نشر كتاب. وبعد الإدانة الابتدائية في باريس سنة 14 مارس 2023، عادت القضية في الاستئناف؛ ففي 2 أكتوبر 2025 قضت محكمة الاستئناف بباريس بتأييد الإدانة، وحكمت على Laurent بـ 12 شهرا حبسا موقوف التنفيذ وعلى Graciet بـ 10 أشهر حبسا موقوف التنفيذ، مع غرامة 5000 يورو لكل واحد منهما.
في المغرب، قيمة النقاش ليست في مطاردة “المعارضة” أو التضييق على حرية التعبير، بل في رسم خط واضح بين ما هو حق وما هو جريمة. النقد السياسي حق، والاختلاف حق، والتحقيق الصحفي حق، لكن تحويل الاتهام إلى قذيفة يومية دون دليل، وتحويل التسريب إلى سلاح للإرهاب المعنوي، ونشر معطيات شخصية أو التحريض أو التهديد، كلها أفعال تُخرج صاحبها من فضاء التعبير إلى فضاء الجريمة. ما يزيد الحساسية أن هذا الفاعل يربح مرتين: يربح انتشارا لأن الخوارزميات تكافئ الإثارة، ويربح حصانة نسبية لأن أي مساءلة ستُعرض على أنها “استهداف للنشطاء”.
لهذا تتقدم مسألة التعاون الدولي في قلب المعركة. الجريمة التي ترتدي لباس “النضال” تستفيد غالبا من الإقامة في الخارج أو من إدارة المحتوى عبر منصات تقع خارج الولاية القضائية المباشرة. هنا يصبح التعاون القضائي وتبادل المساعدة القانونية والإنابات الدولية هو مفصل النجاح. انخراط المغرب في اتفاقية بودابست حول الجريمة المعلوماتية يدخل في هذا السياق، لأنه يوفر إطارا لتسهيل التعاون وتوحيد بعض الأدوات الإجرائية في مواجهة الجرائم العابرة للحدود.
ومع ذلك، فإن فعالية هذه الآليات لا تتوقف على ما يفعله المغرب وحده. فمثلما يتعين على المغرب استنفاد كل الوسائل القانونية المتاحة له، يفترض في الدول التي تُرتكب انطلاقا من أراضيها جرائم التشهير والابتزاز الرقميين أن تتعامل بجدية مع خطورة هذا النمط الجديد، لا أن تكتفي بتأويله كخلاف سياسي أو “تعبير حاد”.بل إن المطلوب من هذه الدول أن تكون يقِظة استباقيا، عبر الرصد والتتبع وتفعيل المساطر الداخلية دون انتظار شكايات الدول المتضررة؛ لأن ترك هذه الشبكات تعمل بحرية يحول أراضيها إلى بيئة حاضنة ووكر نشط للمبتزين، ويضعها عمليا أمام شبهة التقاعس، بل وربما التواطؤ، حين يتكرر النمط وتغيب الإرادة الواضحة لإنهائه.
الخلاصة أن المغرب يواجه اليوم جريمتين في جريمة واحدة. هناك الجريمة الرقمية “الكلاسيكية” التي تُقاس بالضحايا والخسائر وبالملفات، وهذه تظهرها الأرقام الرسمية والانتدابات الدولية. وهناك جريمة أخرى أكثر التباسا، تحاول أن تُقنع المجتمع بأنها ممارسة سياسية أو حقوقية، بينما هي في جوهرها صناعة تشهير وابتزاز وتهديد.
إن حماية حرية التعبير لا تكون بترك هذا الخلط يتمدد، كما أن حماية الدولة لا تكون بإغلاق المجال العام. الرهان الحقيقي هو بناء استجابة دقيقة تفرق بين النقد والجريمة، وتُسرّع حفظ الأدلة، وتُفعّل التعاون الدولي، حتى لا يصبح المجال العام رهينة من يرفع شعارا ليمارس ابتزازا.
اترك تعليقاً