منتدى العمق

الساعة الإضافية وكلفتها التربوية: هل تستيقظ عقول تلاميذنا قبل شروق الشمس؟

مقدمة:
مع كل إطلالة لفصل الشتاء في المغرب، يتجدد الجدل الشعبي العارم حول “الساعة الإضافية” (GMT+1)، وهي الساعة التي يبدو أنها وُضعت لحسابات طاقية واقتصادية صرفة، لكنها أغفلت في معادلتها العنصر الأهم في بناء الدولة الرأس المال البشري المتمثل في التلميذ والأستاذ.

إن المتأمل في فصولنا الدراسية خلال الحصص الصباحية الأولى، يدرك حجم الجريمة التربوية التي تُرتكب في حق جيل بأكمله. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد “تغيير في التوقيت”، بل عن اضطراب قسري للساعة البيولوجية للإنسان، مما يحول الفضاء المدرسي من فضاء للتحصيل والإبداع إلى فضاء للمغالبة مع النعاس والخمول الذهني.

الاستلاب الذهني وهدر زمن التعلم

من الناحية العلمية، يحتاج الدماغ البشري إلى فترة استيقاظ طبيعي تتناغم مع ضوء النهار لتبلغ الملكات الذهنية ذروة نشاطها. غير أن إجبار التلاميذ -خاصة في التعليم الابتدائي- على مغادرة بيوتهم في جنح الظلام، يضعهم في حالة من “الاستلاب الذهني”. كيف يمكن لتلميذ لم يستكمل دورة نومه الطبيعية أن يستوعب تعقيدات اللغة أو منطق الرياضيات في الثامنة صباحاً، وهي في التوقيت الطبيعي لا تزال السابعة فجراً؟ إننا ببساطة نهدر الحصص الأولى من الزمن المدرسي في محاولات بائسة لإيقاظ الوعي قبل إيقاظ العقل.

الأستاذ.. الحلقة المنهكة في السلسلة

وفي غمرة الحديث عن التلميذ، ينسى الكثيرون أن المدرس هو الآخر إنسان يخضع لنفس الضغوط البيولوجية. إن الأستاذ المطالب بتقديم أداء بيداغوجي عالٍ، يجد نفسه يصارع إرهاقه الخاص وإرهاق تلاميذه. هذا الوضع يؤدي حتماً إلى ضعف الجودة التعليمية، ويجعل من العملية التواصلية داخل الفصل عملية “ميكانيكية” صرفة، تفتقد لروح التفاعل والنشاط.

خاتمة: نحو سيادة زمنية تربوية

إن إصلاح المنظومة التعليمية الذي ننشده جميعاً لا يبدأ فقط بتغيير المناهج وتشييد البنايات، بل يبدأ باحترام إنسانية المتعلم وبيئته المحيطة. لقد حان الوقت لتغليب “المصلحة الفضلى للتلميذ” على حسابات الأرقام الجافة. إن العودة إلى التوقيت القانوني الطبيعي، أو على الأقل إقرار مرونة حقيقية في زمن الدخول المدرسي خلال الشتاء، هو اعتراف صريح بأن الإنسان هو الغاية والمبتدى، وأن أي اقتصاد في الطاقة أو أي ذريعة كانت، لا يبرر أبداً هدر طاقات التلميذ والأستاذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *