التحول في النموذج التنموي بالمغرب: من منطق البرامج المنعزلة إلى دينامية الإدماج المجالي
قراءة سوسيولوجية في تمثلات الفاعل العمومي
إن تناول مسألة التنمية في المغرب لم يعد ممكنا من خلال المقاربات القانونية الضيقة التي تحصر النقاش في النصوص الدستورية والمؤسساتية، بل أصبح يقتضي استحضار الأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تؤطر علاقة الدولة بالمجتمع، وتحدد طبيعة التفاعل بين الفاعل العمومي والواقع المجالي. فالتنمية ليست مجرد سياسات أو برامج تقنية، بل هي قبل كل شيء تعبير عن تمثلات ورهانات واختيارات سياسية تعكس طبيعة النموذج المجتمعي السائد.
من هذا المنطلق، يبرز التحول الذي يشهده المغرب نحو ما يمكن تسميته بـ”الجيل الجديد من برامج التنمية”، والذي يقوم على الانتقال من البرامج القطاعية المنعزلة إلى مقاربة مندمجة قائمة على الالتقائية والتكامل بين السياسات العمومية. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، يظل رهينًا بمدى قدرة الفاعل العمومي على تجاوز تمثلاته التقليدية للتنمية، التي كانت في كثير من الأحيان محكومة بمنطق اقتصادي صرف يقوم على حسابات الربح والخسارة، بدل استحضار البعد الحقوقي للتنمية باعتبارها حقًا دستوريا وكونيا.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال طبيعة الاقتصاد المغربي نفسه بإلحاح، باعتباره اقتصادا مزدوجا يجمع بين قطاعات مهيكلة مندمجة في الاقتصاد العالمي، وأخرى هشة تعيش على هامش الدينامية الاقتصادية. وهو ما يفسر استمرار الفوارق المجالية، خاصة فيما يُصطلح عليه بـ”المغرب غير النافع”، حيث تظل مساهمة هذه المجالات في الناتج الوطني محدودة، رغم ما تزخر به من إمكانات طبيعية وبشرية.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف الموارد أو محدودية البرامج، بل في الكيفية التي ينظر بها إلى التنمية من طرف صانع القرار، حيث غالبا ما يتم التعامل معها كآلية لتحقيق التوازنات الماكرو-اقتصادية، بدل اعتبارها مدخلا لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. وهو ما يعكس، في العمق، غلبة تصور تقني-بيروقراطي للتنمية، يُقصي البعد الإنساني ويهمش دور الفاعل المحلي.
ومن هنا، تبرز أهمية المقاربة السوسيولوجية التي تتيح فهم ديناميات السلطة والقرار داخل النسق التنموي، وتكشف عن طبيعة العلاقات غير المتكافئة بين المركز والهامش. كما أن الانفتاح على علم الأنثروبولوجيا يمكن من استيعاب الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجالات الترابية، وهو ما يشكل شرطا أساسيا لنجاح أي سياسة تنموية.
إن الرهان الحقيقي للجيل الجديد من برامج التنمية بالمغرب لا يكمن فقط في تحقيق الالتقائية بين السياسات العمومية، بل في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة قوامها الثقة، والمشاركة، والاعتراف بالتنوع المجالي. فبدون هذا التحول العميق في تمثلات الفاعل العمومي، ستظل البرامج التنموية، مهما بلغت درجة تكاملها، عاجزة عن تحقيق تنمية شاملة ومستدامة
اترك تعليقاً