التأشيرة في زقاق الدار البيضاء: ليلة شاعر بلا تأشيرة
كان الجو باردا في الدار البيضاء تلك الليلة، والمدينة تلمع تحت نور المصابيح الصفراء، بينما تدب الحياة في الأزقة الشعبية كأنها نهار مصغر. خرج صحفيان من مقر الجريدة بعد منتصف الليل، يحمل كل واحد منهما حقيبة صغيرة وكاميرا وهاتفا لا يتوقف عن استقبال الإشعارات. قررا أن يكملا ليلة العمل بعشاء متأخر في حي شعبي، حيث رائحة الشواء تختلط بدخان العربات وصوت الباعة الجائلين.
اختارا مطعما صغيرا على ناصية شارع ضيق، طاولاته موزعة على الرصيف، والكراسي البلاستيكية تتمايل تحت ثقل الزبائن. جلسا في الزاوية، يراقبان حركة الناس: شاب يجر عربة خشب، امرأة تحمل خبزا ساخنا، أطفال يركضون خلف كرة مهترئة.
قال الأول: “تخيل لو كتبنا سلسلة تحقيقات عن حياة هذا الحي بعد منتصف الليل.”
رد الثاني وهو يفرك يديه من البرد: “الليل هنا أصدق من النهار. الناس يخلعون الأقنعة حين يظنون أن الصحفيين نائمون.”
بينما كانا ينتظران الطبق، اقترب منهما شاب نحيل، ثيابه متسخة، وعيناه محمرتان لكن فيهما لمعة غريبة. كان يحمل في يده سيجارة ملتفة بعشوائية، ورائحة الحشيش تختلط برائحة العرق والرطوبة. توقف عند طاولتهما، نظر إلى الكاميرا الموضوعة فوقها، وبدأ يتلو بصوت مرتفع أبياتا من قصيدة “التأشيرة” لهشام الجخ، التي يحفظها عن ظهر قلب:
أسبح باسمك الله
وليس سواك أخشاه
وأعلم أن لي قدرا سألقاه.. سألقاه
وقد علمت في صغري بأن عروبتي شرفي
وناصيتي وعنواني
وكنا في مدارسنا نردد بعض ألحان
نغني بيننا مثلا:
“بلاد العرب أوطاني.. وكل العرب إخواني”
وكنا نرسم العربي ممشوقا بهامته
له صدر يصد الريح إذ تعوي.. مهابا في عباءته
وكنا محض أطفال تحركنا مشاعرنا
ونسرح في الحكايات التي تروي بطولتنا
وأن بلادنا تمتد من أقصى إلى أقصى
وأن حروبنا كانت لأجل المسجد الأقصى
وأن عدونا (صهيون) شيطان له ذيل
تذمر أحد الزبائن من الطاولة المجاورة، رجل طويل ينتظر طبقه ليجهز، وقال بغضب: “اخرس يا ولد! تلاوتك هذه مليئة بالأخطاء، كأنك تفسد الشعر!” اندلع شنآن قصير بينهما، تبادلا كلمات عنيفة، ثم تدخل النادل ليهدئ الأمر، فتوجه سفيان نحو طاولة الصحفيين، مطمئنا إياهما بنظرة.
“أنتما بلا شك صحافيان؟”
تبادلا النظرات، ثم أجاب الأول:
“كيف عرفت؟ هل نحن مكشوفان لهذه الدرجة ”
ضحك الشاب ضحكة قصيرة وقال:
“الهاتف مستمر في تلقي الإشعارات، والكاميرا، ثم نظراتكما التي لا تتوقف عن البحث عن التفاصيل… هذه نظرة من يبحث عما يثير فضوله وشغفه للكتابة.”
دعاه الأول للجلوس، فأخذ الشاب كرسيا من طاولة مجاورة وجلس دون تردد. نظر حوله كمن يخشى أن يسمعه أحد، ثم قال:
“سموني سفيان. هنا يعرفونني باسم آخر، ليس مهما. أنا مدمن، لن أتخذ الكذب مسلكا معكما. الحي كله يعلم هذا. ولكنني أحتفظ لنفسي بسر لا يعرفه عني إلا قلائل.”
مال الثاني نحوه باهتمام:
“ما السر الذي تخفيه يا سفيان؟”
أجاب وهو يطفئ سيجارته في علبة معدنية صغيرة:
“أحب الشعر والعربية. لا أملك ملكة الكتابة، أحفظ وأتلو فقط.”
ساد صمت قصير. اشتدت ضوضاء الشارع، لكن الطاولة التي يجلسون إليها بدت كأنها خارج الزمن. الأول، الميال إلى القصص الإنسانية، وضع مرفقيه على الطاولة وقال:
“شعر؟ ماذا بلغت في دراستك.”
ابتسم سفيان ابتسامة فيها شيء من الفخر وشيء من الألم:
“لم أتجاوز المستوى الخامس من المدرسة الابتدائية. خرجت من المدرسة لأن والدتي كانت مريضة، والوالد… هو من فتح عيني على الدنيا بهذا الشكل، بلا رحمة. متزوج ولدي ولد صغير، ولكن الخلافات مع الزوجة تدفعني للشارع دائما. وقضيت أكثر من سبع سنين بالسجن بسبب المشاكل والشجارات التي أدخلها بسبب الإدمان. ولكن علاقتي بالعربية مستمرة دون توقف، في اليوتيوب، قصائد المتنبي، نزار، درويش… وخاصة هشام الجخ.”
وصل النادل بطبق العدس والبيض المسلوق وكؤوس الشاي، فوضعهم على الطاولة ثم انصرف وهو يتمتم دعاء خفيفا. قسم الأول الخبز بينهم وقال لسفيان:
“أعد علينا بعض ما تلوته من قصيدة التأشيرة إذا لم تمانع.”
رفع سفيان رأسه نحو السماء للحظة، كأنه يستدعي الكلمات من مكان بعيد، ثم بدأ يتلو بصوت خافت لكن نبرته ثابتة قصيدة “التأشيرة” لهشام الجخ:
وكنا في مدارسنا نردد بعض ألحان
نغني بيننا مثلا:
“بلاد العرب أوطاني.. وكل العرب إخواني”
وكنا نرسم العربي ممشوقا بهامته
له صدر يصد الريح إذ تعوي.. مهابا في عباءته
وكنا محض أطفال تحركنا مشاعرنا
ونسرح في الحكايات التي تروي بطولتنا
وأن بلادنا تمتد من أقصى إلى أقصى
وأن حروبنا كانت لأجل المسجد الأقصى
وأن عدونا (صهيون) شيطان له ذيل
وأن جيوش أمتنا لها فعل كما السيل
سأبحر عندما أكبر
أمر بشاطئ (البحرين) في (ليبيا)
وأجني التمر من (بغداد) في (سوريا)
وأعبر من (موريتانيا) إلى (السودان)
أسافر عبر (مقديشيو) إلى (لبنان)
وكنت أخبئ الألحان في صدري ووجداني
“بلاد العرب أوطاني.. وكل العرب إخواني”
وحين كبرت.. لم أحصل على تأشيرة للبحر
لم أبحر…
تبادل الصحفيان نظرة دهشة صامتة. لم تكن التلاوة مثالية، لكن فيها صدقا وجرحا واضحا. قال الثاني:
“هشام الجخ… ‘تأشيرة الفقد’؟”
ابتسم سفيان بخجل:
“كما أخبرتك ليس لدي ملكة الكتابة، أحفظ ما يلمس قلبي. في السجن قرأت كتبا كثيرة وكنت أستمع للقصائد في هاتفي القديم، الشعر يجعلني أتماهى مع المنفى الذي أعيشه. زوجتي وابني يعيشان حياة طبيعية في بيت جدتي لكنني تائه في خلواتي لوحدي”.
تردد الأول قليلا، ثم سأل بصوت منخفض:
“سفيان، ألم تفكر في علاج الإدمان؟ لديك عائلة، وموهبتك في الحفظ حرام أن تضيع.”
نفث سفيان ضحكة مرة:
“العلاج يحتاج للمال والصبر، وأنا لا أملك مالا ونفذ مخزوني من الصبر مع زوجتي. خلافاتي معها تخرجني للشارع، والشارع لا يرحم. هنا المخدرات متوفرة أكثر من الخبز، رخيصة ومتوفرة. والسجن علمني الوحدة، ولكن الشعر كان الضوء الوحيد.”
تدخل الثاني بنبرة صحفي يبحث عن زاوية قصة:
“تخيل معي، لو أن برنامجا ثقافيا يستضيفك تتلو هذه القصائد، هل أنت مستعد؟”
اتسعت عينا سفيان كأنه يسمع شيئا مستحيلا:
“برنامج بالتلفزيون؟ لا لا، سيستهزؤون بي. أنظر كيف أبدو، والسجن لطخ سيرتي. سيقولون: أليس غريبا أن يتلو المدمن قصائد هشام الجخ.”
ابتسم الأول وقال:
“أحيانا القصص القوية تنبع من أناس صنفهم المجتمع في الهامش. هشام الجخ بنفسه كتب عن المنفى والفقد.”
سكت الثلاثة لوهلة، لا يسمع سوى قرقعة الأطباق في المطعم وصوت مباراة كرة قدم قادمة من تلفاز قديم في الداخل. بعد لحظات، قطع الأول الصمت:
“ما آخر بيت حفظته، وأحسست بنفسك فعلا قلت شيئا نابعا من القلب؟”
أطرق سفيان رأسه، ثم أكمل تلاوة ما تبقى من “التأشيرة”:
أتسمعني دواوين المعاقل في حكومتكم؟
هو الجمهور لا أنتم
ولا أخشى لكم أحدا
هو الإسلام لا أنتم فكفوا عن تجارتكم
وإلا صار مرتدا
وخافوا!
إن هذا الشعب حمال
وإن النوق إن صرمت
فلن تجدوا لها لبنا، ولن تجدوا لها ولدا
أحذركم!
سنبقى رغم فتنتكم فهذا الشعب موصول..
رفع الثاني هاتفه بسرعة وقال:
“هل تسمح، هل أستطيع تسجيل هذه التلاوة؟ قد أكتب قصة عنك.”
ارتبك سفيان للحظة، ثم سأل:
“قصة عني أنا؟ عن مدمن أدمن حتى الدخول إلى السجن؟”
أجابه الأول:
“قصة عن سفيان، الذي لم يتم دراسته، متزوج ولديه ولد، ولكنه يحفظ شعرا نظيفا.”
تردد الشاب، ثم حرك كتفيه مستسلما:
“سجل. لدي فقط شرط واحد.”
سأله الثاني:
“ما شرطك؟”
قال سفيان:
“لا تظهر وجهي. دع المشاهدين يتعاملون مع كلامي، لا مع ملامحي. أنا لم أتصالح بعد مع نفسي ولا مع زوجتي.”
وافق الصحفيان، وبدأ الثاني يسجل الصوت وهو يسأل:
“سفيان، لو عدت بالزمن، ماذا ستغير في حياتك؟”
أطفأ سفيان سيجارة أخرى، ثم قال:
“كنت سأسعى لشيء واحد: أن تتحلى معي زوجتي بقليل من الصبر، وأن أنعم ولو لمرة واحدة بنظرة ثقة من ابني. والسجن… كنت سأتجنب الشجارات. كلمة ‘أستطيع مساعدتك’ من أي كان كانت ستغير حياتي. اليوم أصبحت أقرأ في عيون كل من ألتقيهم ‘ضاعت حياتك’، ولم أحظ أبدا ببارقة أمل من أي أحد.”
رفع الأول نظره نحوه وقال بهدوء:
“قد تبدأ بارقة أملك الليلة. قد أعود يوما ما، لأجلب لك دواوين شعر، تقرأها بصوت عالي، وأسجلك. ربما يسمعك من يملك القدرة على تغيير حياتك، وحياة عائلتك أيضا.”
ضحك سفيان ضحكة قصيرة، لكن هذه المرة لم تكن مرة بالكامل:
“تسجيلات؟ أنا كنت أظن أن الشعر خاص بمن يملكون مكاتب في منازلهم، لا لمن ينامون على الدرج بلا زوجة.”
أجابه الثاني:
“الشعر ليس له سكنى. يسكن في القلب الذي يستقبله، حتى لو كان قلب مدمن قضى سبع سنوات في السجن.”
اقترب الليل من لحظة الهدوء التي تسبق الفجر، وبدأ المقهى يفرغ من رواده. دفع الأول ثمن العشاء والشاي، ثم التفت إلى سفيان:
“سأعود. لا أدري متى، ولكني سأعود. احفظ تلاوة جديدة حتى عودتنا.”
ابتسم سفيان، وعيناه تلمعان تحت ضوء المصباح:
“لا أملك ملكة الكتابة لكني سأحاول أن أكتب عن ‘صحفيين يبحثان عن الشعر في حواري الدار البيضاء الضيقة’. ولكن بشرط، لا تنسوا اسمي: سفيان… حتى ولو بقي رهين كراساتكم.”
وقف الثلاثة عند باب المطعم. الشارع ما زال ينبض بالحياة، لكن لحظتهم الصغيرة كانت قد اكتملت. اتجه الصحفيان نحو السيارة، بينما عاد سفيان إلى الزقاق، يجر خطواته بين الظل والنور، يحمل في جيبه هاتفا قديما وذكرى قصيدة، كأنهما كل ما تبقى له من معركة طويلة مع نفسه والعائلة والسجن.
وقبل أن يختفي في عتمة الزقاق، التفت للحظة ولوح بيده، ثم قال بصوت خافت بالكاد سمعاه:
“لا تكتبوا عني كضحية… قدموني لقرائكم كعاشق لكلمات هشام الجخ، حتى المدمنون يعرفون طريق الكلمات للقلب.”
اترك تعليقاً