وجهة نظر

أين هو المغرب من تحقيق السيادة الغذائية؟

مقدمة

السيادة الغذائية مفهوم حديث نسبياً، يعود تاريخه إلى أواخر القرن العشرين، انبثق من رغبة مجموعة من المنظمات غير الحكومية العاملة مع المزارعين في إعادة قضية تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان إلى صدارة الأجندة السياسية العالمية. و لا بد من الإشارة إلى أن قصور الأمن الغذائي في إيجاد حلول مقبولة بات آنذاك جلياً، إذ بلغت معدلات سوء التغذية مستويات قياسية (نحو 800 مليون شخص). وللأسف، لا يزال هذا الوضع قائماً بقوة اليوم، على الرغم من التحركات الجادة من المجتمع الدولي بأسره. تستند السيادة الغذائية إلى 7 مبادئ أساسية:

1) مراعاة الاحتياجات الغذائية للناس، 2) تقدير جهود موردي الغذاء (المزارعين ومربي الماشية و الصيادين)، 3) العمل في انسجام مع الطبيعة من خلال تعزيز الزراعة الإيكولوجية، 4) حصر النظم الغذائية على نطاق محلي، 5) تمكين المجتمعات من إدارة موارد المياه والتربة و البذور بطريقة مسئولة اجتماعياً ومستدامة بيئياً، 6) تعزيز المهارات من خلال تعزيز المعرفة التقليدية و استخدام نتائج البحث العلمي، 7) الاعتراف بالطبيعة المقدسة للغذاء.

منذ اعتماد مبادئ السيادة الغذائية كأساس للتفكير في استدامة الإمدادات السوقية، تعززت أهميتها بفعل التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم، مثل حجم أزمة المناخ، و تداعيات النزاعات على السيطرة على المواد الخام و طرق التجارة العالمية، و الاضطرابات الناجمة عن تزايد تقلب أسعار الغذاء والمتدخلات. في ضوء هذه العوامل، تهدف هذه الورقة إلى فهم أفضل للوضع الراهن للسيادة الغذائية في المغرب، ومواطن ضعفها الهيكلية، وعرض سبل للتفكير من أجل إرساء أساس متين لها.

المغرب يواجه عبء مزدوج من خلال التبعية الغذائية

يدرك أي مراقب دقيق للتجارة الخارجية في المغرب مدى اعتماده الكبير على واردات المواد الغذائية، و خاصة المواد الأساسية. فعلى سبيل المثال، في عام 2024، و وفقًا للإحصاءات الرسمية (مكتب الصرف)، بلغت الواردات 6.3 مليون طن – أو ما يقارب 171 كيلوغراماً للفرد الواحد – من القمح الطري بقيمة 17.8 مليار درهم، و 2.2 مليون طن من كسب البذور الزيتية (7 مليارات درهم)، و2.7 مليون طن من الذرة (6.6 مليار درهم).

هذا بالإضافة إلى كميات كبيرة من المواد الغذائية اليومية الأساسية الأخرى: السكر المكرر، و زيوت الطهي، والشاي، والقهوة، والتمر، وغيرها. ومن التطورات الجديدة أن المنتجات الحيوانية قد شقت طريقها إلى قوائم الاستيراد الضخمة: 37 ألف طن من الحليب المجفف (في حين لم تتجاوز المستويات 6500 طن في السنة قبل عام 2019) و حتى 118 ألف طن من الحيوانات الحية (معظمها من الماشية المخصصة للذبح المحلي) مما يدل على فقدان الاكتفاء الذاتي من الحليب واللحوم، بسبب 7 سنوات متتالية من الجفاف الحاد (من 2019 إلى 2025)، ولكن أيضًا بسبب عدم مراعاة مربي الماشية وعملهم، قبل تنفيذ التعليمات الملكية لإعادة تشكيل قطيع الماشية الوطني في ربيع عام 2025.

تعكس هذه الأرقام حقيقة لا مفر منها: تمثل هذه الواردات مياهًا افتراضية، في محاولة للتغلب على النقص الهيكلي في المياه. و إلى جانب العبء الاقتصادي لهذه الواردات بالعملة الصعبة، فإنها تُكبّد ميزانية الدولة تكلفة مالية باهظة: فقد بلغ تثبيت أسعار دقيق القمح الطري والسكر المكرر، من خلال صندوق المقاصة، مستويات قياسية في عام 2023، حيث بلغت 1.3 مليار درهم و4.4 مليار درهم على التوالي. وبعيدًا عن هذه الأرقام، يتخذ رصد هذا الاعتماد منحىً مقلقًا آخر: فقد أصبح هدر الطعام أمرًا شائعًا. و في هذا الصدد، تشير الدراسات إلى أن الأسرة الحضرية تُهدر ما يقرب من 360 غرامًا من الخبز أسبوعيًا.

والأسوأ من ذلك، أن سهولة الحصول على سعرات حرارية فارغة مدعومة (دقيق القمح الطري للخبز والسكر المكرر) تؤدي إلى ارتفاع حاد في معدلات البدنة، بل و السمنة، حتى بين الأطفال: فبعد أن كانت هذه الحالات شبه معدومة (في سبعينيات القرن الماضي)، أصبحت الآن شائعة. وهذا أمرٌ مقلق للغاية على الصحة العامة، وخاصةً للأجيال القادمة، التي ستتأثر بشكل مباشر بآثار الأمراض غير المعدية (كالسرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم، وغيرها) وتداعياتها على الموارد المحدودة أصلاً لنظام الرعاية الصحية الحالي.

الاعتماد الملحوظ على واردات المتدخلات الزراعية

تكشف إحصاءات التجارة الخارجية أيضًا عن تزايد هشاشة النظام الغذائي الوطني أمام تقلبات أسعار المتدخلات الزراعية الاستراتيجية، مثل الوقود الأحفوري (وتُعدّ آثار ارتفاع أسعار الوقود في مارس و أبريل 2026، في أعقاب الصراع في الشرق الأوسط، مثالًا واضحًا على ذلك)، و الآلات و المعدات (الجرارات، وحظائر الحلب، وما إلى ذلك)، وحتى الموارد الوراثية: بذور البستنة و الحبوب، و البقر الحلوب، و ما إلى ذلك.

ومع تجدد الصراعات العالمية التي تُهدد الإمدادات، يضطر المزارعون إلى تحمّل زيادات غير مسبوقة في بعض الأحيان في التكاليف المرتبطة بها، وغالبًا ما يحاولون تحميل هذه الزيادات على أسعار بيع منتجاتهم. وينطبق هذا بشكل خاص على الأسمدة النيتروجينية (اليوريا و نترات الأمونيوم)، التي نفدت من المخزون أو تضاعفت أسعارها في ربيع عام 2026. و مع ذلك، تُعدّ هذه الموارد ضرورية لتحقيق إنتاجية زراعية عالية، لا سيما في المناطق الفلاحية المتخصصة التي تُركّز حصراً على زراعة الخضراوات والفواكه، حيث أصبح الفصل بينها وبين تربية المواشي أمراً شائعاً.

ولم يعد بالإمكان الاعتماد حتى على نشر السماد الحيواني لإعادة تدوير العناصر الغذائية الأساسية كالنتروجين و المواد العضوية. و في نهاية المطاف، يضطر المستهلكون إلى تقبّل التضخم، أحياناً دون فهم أسبابه الحقيقية. وبطبيعة الحال، يؤثر هذا بشكل مباشر على القدرة الشرائية، كما يتضح من الارتفاعات الأخيرة في أسعار اللحوم الحمراء والفواكه والخضراوات.

نموذج تصدير زراعي يفرض ضغطاً حقيقياً على الموارد الطبيعية والبشرية

إلى جانب استيراد المواد الغذائية الهيكلي، يسعى المغرب إلى تعزيز نموذج التصدير الزراعي، بما يتماشى مع نظرية التجارة الحرة والميزة النسبية. هذا النهج، بطبيعة الحال، يتعارض تمامًا مع مبادئ السيادة الغذائية، ويزيد من الضغوط على موارد هشة أصلًا، كالماء و خصوبة التربة و حقوق العمال في هذا القطاع، بل إنه في بعض الأحيان يعرّض الإمدادات للسوق المحلية للخطر…

ووفقًا لنتائج دراسات عديدة، يصدّر المغرب كميات كبيرة من المياه، بعضها غير متجدد، عبر بعض المنتجات البستانية (الفواكه والخضراوات – الطماطم و التوت و الحوامض وغيرها). وقد أدى ذلك إلى استنزاف المياه الجوفية في مناطق عديدة، لا سيما المناطق الأكثر جفافًا (سوس ماسة، ملوية، وغيرها)، وحتى اقتلاع آلاف الهكتارات من الأشجار المثمرة، و التي كانت قد استفادت من دعم مالي من الميزانية العمومية لزرعها. و تُظهر أيضا الحقائق على أرض الواقع أن شريحة كبيرة من القوى العاملة في قطاع التصدير الزراعي لا تتمتع بظروف عمل لائقة، كالأجور العادلة والمستقرة، والسلامة في مكان العمل وأثناء التنقل، و غيرها. وهذا يُفسر إلى حد كبير الأزمة الخانقة الحالية المتمثلة في نقص حاد في العمالة الزراعية، إذ لم يعد التجديد الجيلي مضمونًا. ونتيجةً لذلك، تتضاءل جاذبية هذه الوظائف، نظرًا للمخاطر الجسيمة للإنتاج بسبب تقلبات المناخ الشديدة، وانعدام الدعم الاجتماعي و التغطية الصحية، بالإضافة إلى التعرض المتكرر لمواد سامة مثل المبيدات.

بعض سبل التدخل

يُظهر الوضع الراهن للنظام الغذائي في المغرب أنه نقيض السيادة. فالتبعية فيه مرتفعة للغاية، مما يُلحق أضرارًا جسيمة باستدامة الموارد الطبيعية الهشة (المياه، والتربة، والغابات، و غيرها)، فضلًا عن عواقب وخيمة على الصحة العامة. إن إعادة السيادة إلى صميم النقاش حول نظام غذائي يضمن الحفاظ على النظم البيئية الطبيعية و صحة المستهلك، يستلزم بالضرورة الدعوة إلى قطيعة مع الممارسات الحالية. و من الواضح أن هناك سبلًا عاجلة للتدخل، يمكن عرضها على النحو التالي:

• الاستفادة من رغبة المغاربة المعلنة في العودة إلى نظام غذائي صحي، وهو ما يعني ترسيخ التقاليد الغذائية كركيزة أساسية للاستهلاك اليومي، من خلال الترويج للمنتجات المحلية و الموسمية. يجب أن يستهدف هذا الجهد جميع شرائح المجتمع، و لا سيما الأجيال الشابة، من خلال التثقيف الغذائي في جميع المراحل الدراسية، حتى لو تطلب الأمر فرض ضرائب على السعرات الحرارية الفارغة، التي تضر بالصحة العامة ضرراً بالغاً؛

• توعية المواطنين في جميع مراحل سلسلة الغذاء بالتحديات التي يفرضها تغير المناخ في بلد ذي مناخ قاحل أو شبه قاحل. في المستقبل، وجب النظر في نظام يسمح لكل مواطن بتصور البصمة المائية المرتبطة بعاداته الغذائية، مما قد يولد حركة تلقائية لتقليلها أو على الأقل جعلها أكثر استدامة، من خلال إعطاء الأولوية للمنتجات المحلية المصنوعة من المياه المتجددة، وتحديداً مياه الأمطار؛

• ينبغي النظر في الإدارة المثلى لموارد الثروة السمكية لإرساء أسس الاكتفاء الذاتي من البروتين. وهذا أمر بديهي وينبع مباشرة من ندرة المياه. فموارد الثروة السمكية لا تعتمد على استخدام المياه العذبة، وتُعدّ مصدراً ممتازاً للبروتين والعناصر الغذائية الأساسية الأخرى (الأحماض الذهنية و المعادن و الفيتامينات وغيرها). و يتمتع المغرب بوفرة الأسماك على طول ساحل يمتد لما يقارب 3500 كيلومتر، مما يسمح له بتقليل اعتماده على المتدخلات اللازمة لتربية المجترات والدواجن (كالأعلاف مثل الذرة و فول الصويا) دون التأثير على موارده المائية.

خاتمة

إن السيادة الغذائية ليست مجرد شعارٍ رنان يُرفع لتهدئة ضمائرنا. ففي عالمٍ يعجّ بالاضطرابات الجيوسياسية، يجب أن تُرسّخ كهدفٍ ذي أولوية لضمان إمدادات غذائية مستقرة للسكان بأسعارٍ تلبي الاحتياجات الغذائية الأساسية دون الإضرار بالموارد الطبيعية الهشة. و يتطلب السعي لتحقيق السيادة الغذائية دعمًا وثيقًا لجميع سلاسل القيمة الزراعية، ولا سيما للمنتجات الاستهلاكية اليومية، بدءًا من المواد الوراثية و مستلزمات الإنتاج وصولًا إلى تثمين المنتجات و توزيعها، بهدف إعادة تأهيل الاقتصاد الدائري الحيوي و سلاسل التوريد القصيرة، حيث لا يتم إهدار أي شيء، في سياق تغير المناخ الذي ينطوي على تحديات كبيرة في مجال المياه .
من الواضح أن الوضع الراهن للنظام الغذائي في المغرب يتسم بالاعتماد المفرط على الواردات، مما يُلحق أضرارًا جسيمة بالمالية و الصحة العامة. و يتطلب إعادة النظر في أنماط استهلاك الغذاء في المغرب، بهدف تعزيز السيادة، تحولًا سياسيًا جريئًا، يضع التوعية في صميم هذا التحول. و يشمل ذلك كل شيء بدءًا من بناء قدرات المنتجين الغذائيين وصولًا إلى بناء قدرات المستهلكين. ويُعدّ هذا المجال أولوية قصوى للتدخل إذا ما طمح المغرب إلى تعزيز ريادته الإقليمية والتغلب على مواطن الضعف المتعددة المرتبطة بهذه التبعية الغذائية المفرطة .

*ملاحظة: هذه المقالة هي نسخة مختصرة من تقرير أكثر تفصيلاً حول حالة السيادة الغذائية في المغرب، والذي كتبه المؤلف في خريف عام 2025 ويمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي: https://mipa.institute/?wpdmpro=%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B0%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-jtgb_mipa&lang=ar

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *