منتدى العمق

أرواحٌ في جيوب زجاجية

تقف هضبة “إغَرْغَرْ” عند خاصرة جبل تاصميت المنتصب كحارسٍ أزلي يرقب أسرار المدينة. هنا، تنتفي برودة التكوين الجيولوجي؛ ليبدو الجبل ككائنٍ أسطوري نابضٍ بالحياة، متجرد من قسوته الحجرية، متدلي من سقف السماء كضرع كونيّ ضخم مكتنزٌ بثقل الخصب.

تلتف حول القمة غيوم بيضاء كثيفة تنتظر لحظة المخاض. تتمدد موجات الريح الباردة، لتمسح على ضرع القمة الحجري برفق، تنهمرالأمطار كخيوطٍ من حليبٍ نقي شافي، أبيض، يحمل دفء الأمومة الكونية وسر البعث. يجري السيل في مسارات متدفقة عبر تجاعيد الجبل وأوردته العميقة. يهبط ليعانق المنحدرات ويغسل أحزان الصخور، يزداد نبع “عين أسردون” صبيبا، يروي الدير الراقد كطفلٍ يتيم أنهكه الجوع والعطش لسنوات عجاف متتالية. ومع كل قطرة تلامس طيناً، تنفجر من بطن الأرض شرارةٌ خضراء، تمحو أثرالرماد، بعد أن حول الجفاف الدير شفاه ترابية مشققة.

“إغرغر” ملاذ الفارين من صخب مدينةٍ تتآكل فيها الأعمار بأسنانٍ من أسمنت. هنا، تعانق السماء قمم الجبال، يمتد الأخضر كبساطٍ سحري تتنفس معه الأرض الصعداء، تلتف الجراح الصخرية بخيوطٍ من عشب طري، تلتئم معها قلوب أهل الجبل.

من بين تموجات مَدّ “إغرغر” يخرج زَايْد الراعي الأربعيني، بجلبابه الذي يحمل لون الأرض ورائحة المطر الأول، بدأت معزاته القليلة تستعيد عافيتها بعدما نالت من در الطبيعة السخي. ينحني كلبه في لحظات ضعف بجسده المُنهك، مديرا رأسه نحو ظهره، ليطاردُ لذعةً خفيّةً تسري تحت جلده.

لم أنتبه إلى وقع خطاه، اقترب مني بخفة، بعد سلامٍ يشبه تقليدا موروثاً، وسؤالٍ عن أحوال الدنيا والطقس، مد لي هاتفه الخلوي متسائلا بعينين حائرتين: لم أعد أتلقى أجوبة لرسائلي الصوتية؟ يبدو أن هذا الهاتف أصابته لَّقوة عُسرية أفقدته النطق؟ تناولت الهاتف من بين يديه، فحصتُ ثنايا إعداداته. وجدت خاصية “وضع الطيران” مُفَعّلة، بنقرة واحدة، أبطلت مفعولها، لأُشْرع تلك الشاشة الصغيرة على مصراعيها نحو بوابات السماء الرقمية.

ارتجف الجهاز، تحررت الأرواح الحبيسة، انهالت على الشاشة ومضات برق من إشعارات سريعة: صبيب لا ينضب من كلمات وأصوات.

ارتبك زايْد، انتزع الهاتف من يدي، راحت سبابته المتشققة تمسح الشاشة الزجاجية صعودًا ونزولاً، حاول فك طلاسم رسائل مستترة، أدنى الهاتف من أذنه ليصغي لتمتمات صوتية.

رفع رأسه كمن استفاق من غيبوبة قصيرة، انتبه لوجودي، رد بابتسامة خجولة: ‘سامحي’، لقد سحبني هذا الطوفان من الرسائل … شكرًا لك من القلب لأنك أعدت الحياة لهاتفي.

أجبته بخبث المدينة: لا تشكرني يا صديقي، بل اشكر ساحراً بعيداً يُدعى مارك زوكربيرج. صاحب إمبراطورية “ميتا”، هو من تلقف رسائلك، واحتفظ بها في أمانٍ تام داخل أقبية خوادم باردة في الولايات المتحدة الأمريكية، أما أنا فكل ما قمت به هو فتح باب هاتفك للسماء الرقمية.

أطال صمته، حاول أن يستوعب ما قلته، اتسعت عيناه، وتقلصت المسافة بين حاجبيه في ارتباك واضح، ليستفهم: “وما شأن هذا ‘المارك’ برسائلي ليحتفظ بها؟ أهي في غاية الأهمية؟ ما عساه يجني من رسالة صوتية بعثُ بها لحْمَاد، البقال في السوق الأسبوعي، استفسر عن دواء فعال لداء الجرب الذي أصاب كلبي المسكين؟ وماذا سيستفيد من مشاركتي أغنية “أسارا لعواري” مع بعض أصدقائي!

نظرت إلى الهاتف في يده واسترسلت: كل قطرةٍ من أرواحنا منقوشةٌ بحبرٍ سريّ في لوح مارك المحفوظ. هناك، في أقاصي مملكته الرقمية التي لا تغفو، تتربع ‘ميتا’ كآلهة من ضوءٍ وأسلاك، تستوي على عرشٍ شُيّد حجراً حجراً من تنهداتنا وهمساتنا المنسية. تتذوق طعم حروفنا، وتتلمس ارتجافات أصابعنا على الشاشات الباردة.

تحصي أنفاس أشوقنا قطرةً قطرة، وتقيس نبضاتنا بتعداد القلوب الحمراء التي ننثرها كبتلات وردٍ على عتبات جميلات الفضاء الأزرق.

زاد ارتباكه درجات، نطق بصوت مهزوز: صرت أحمل معي شهود الدنيا والآخرة…! سَكَتَ للحظة، تم واصل، وماذا سيجني هذا الرجل من بدل كل هذا الجهد و العناء في جمع و تخزين رسائل عابرة، يومية، مكرورة و تافهة بدون مقابل؟

أجبته: لا تنخدع بسراب الهبات المفتوحة والمجانية، ففي هذه العوالم المنسوجة من أثيرٍ وشيفرات، تُدفع الأثمان من عملة الروح. يقايضون بظلك، بخصوصيتك التي تنفلت من بين أصابعك. كل قهقهةٍ عابرة تُسحب من شفتيك لتُحنّط في قوارير زجاجية داخل أقبيةٍ باردة، تغذي شرايين معادلات آلية، لكائنٌ أسطوريٌّ لا يغفو ولا يملّ، ذاكرته لا تعرف رماد النسيان.

لم يفهم زايد تفاصيل حديثي عن شبكات العناكب الرقمية، لكن روحه الرعوية الحرة التقطت رائحة الفخ. نظر مطولاً لهاتفه بارتباك قاهر، كمن اكتشف خيانةً غير متوقعة من أقرب أصدقائه.

أدار ظهره ببطء، متمتمًا بكلماتٍ أمازيغية غاضبة وحزينة كتعويذة وصلتني بصعوبة مفردات منها: “….اوا أيْ هايّا، تخْلا الدُونيت”.

بدأ ينده على أفراد معزاته المشتتة، يسترق نظراتٍ محملة بريبة الى هاتفه.

لم يبتعد كثيرا، تبعه كلبه في تردد، اتجه نحو سفح “تاصميت”، كقطرة ماءٍ تعود إلى بحرها الأول.

لماذا أدخلتُ إلى قلبه كل هذا التوجس؟ لماذا لوثتُ براءته بندوب معرفتنا المريضة؟ لماذا لم أتركه سعيدًا، منبهرًا بدهشة الاكتشاف وعودة الأصوات السحرية؟

توقف هناك، حيث تبدأ الأرض بالصعود التدريجي نحو السماء. ببطءٍ شديد، كمن يمارس طقساً للتحرر، أخرج الهاتف الذي كان منذ لحظات يبث سموم القلق في روحه، ألقى عليه نظرة مطولة، دسّه في أعمق جيبٍ داخل جلبابه الصوفي المنسوج من وبر الأرض، كمن يدفن حجراً ملعوناً في قاع بئر سحيقة. رفع رأسه محدّقا في الشاشة الكبرى: سماء قمة “تاصميت”.

وبصفته راعياً قضى عمره يتلمس ضروع الماعز النحيلة في سنوات العجاف بحثاً عن قطرة حياة، كان هو وحده، دوناً عن كل أهل المدينة، من يفهم لغة هذا الجبل. كان يعرف متى يكتنز ضرع “تاصميت”، وكيف تقترب لحظة المخاض السماوي.

ركبتُ سيارتي نحو انحدار المدينة المحتوم، تبتلع الطريق المسافات، بينما أتابع عبر مرآتي الخلفية تلاشي القمة و روابيها.

صوتُ ‘محمد مَغْني’ شجيا معتقا ينبعث من جوف المذياع، يلتحم بحنجرة ‘الشريفة كْرسيت’ الدافئة القوية. يصدحان بنبرة جبلية صادقة: “يودجا ديكي باضاض اوسمون أسارا لعواري”: حكاية قلب ألهبه الشوق، فخاصمه النوم، يهيم شارداً في الأعالي، يَعِدُ حبيبته بصهوة على كتفيه، ليطوف بها عنان الجبال.”

لم تملأ تلك الأغنية مقصورة السيارة فحسب، بل راحت تُرمم تصدعات الروح وهي تودع شموخ الجبل لتعود مرغمةً إلى ممرات المدينة المنكسرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *