منتدى العمق

الحكامة المالية بين صرامة النصّ واختبار الأثر: من إنفاق مُؤطَّر إلى أثر مُنتَظَر

لا شك أن المغرب يقف اليوم عند مفترق دقيق في مسار تدبيره للمالية العمومية… مفترق تتقاطع فيه رهانات الإصلاح مع ضغوط الواقع، وتلتقي فيه صرامة النصوص القانونية مع تعقيدات التنزيل العملي. فمن المؤكد أن إعلان الدولة عن تبني إطار استراتيجي جديد للفترة 2026-2032، يقوم على جعل كل درهم عمومي مُنتِجًا لنتيجة قابلة للقياس، يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الإنفاق العمومي، كما يعكس، في الآن ذاته، وعيًا متناميًا بحدود المقاربات التقليدية التي استنفدت جزءًا معتبرًا من فعاليتها.

وبالتالي، فإن الانتقال من منطق الوسائل إلى منطق النتائج لا يُعد مجرد تعديل تقني في أدوات التدبير، وإنما يُجسد تحولًا بنيويًا في مفهوم الدولة ذاتها… دولة تُقاس نجاعتها بما تُحدثه من أثر، لا بما تُراكمه من نفقات. ومن ثم، فإن هذا التحول يجد جذوره في الإصلاحات التي دشنها القانون التنظيمي للمالية لسنة 2015، الذي أسس لمنظومة ترتكز على البرمجة متعددة السنوات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد مؤشرات الأداء، بما يجعل من الميزانية أداة للتخطيط الاستراتيجي بدل أن تظل مجرد وثيقة محاسباتية.

غير أن هذا البناء النظري المتماسك، والذي حظي بإشادة مؤسسات دولية من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يواجه مفارقة جوهرية… مفارقة تتجلى في الفجوة بين صلابة الإطار القانوني وضعف الأثر الميداني. إذ إن تقارير التقييم، وعلى رأسها تقارير PEFA، تُجمع على أن النظام المالي المغربي متقدم من حيث المعايير، لكنه ما يزال محدود التأثير من حيث النتائج.

وهنا تبرز الحكامة باعتبارها الحلقة الأضعف في هذه المعادلة… فالإشكال، دون ريب، لا يكمن في غياب النصوص أو نقص الأدوات، وإنما في كيفية تفعيلها داخل بنية إدارية لم تستكمل بعد انتقالها الثقافي نحو منطق الأداء. ذلك أن الإدارة، التي ظلت لعقود طويلة رهينة ثقافة الامتثال الشكلي، تجد نفسها اليوم مطالبة بتبني عقلية تدبيرية جديدة، تقوم على المبادرة، وتحمل المخاطر، والالتزام بالنتائج.

ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي يتجاوز التقنية ليطال البنية الذهنية للفاعل العمومي… حيث إن الانتقال من “موظف ينفذ الميزانية” إلى “مدبر يُنتج الأثر” يقتضي إعادة تشكيل عميقة لمنظومة القيم الإدارية. فالمؤشرات، مهما بلغت دقتها، تفقد معناها إذا لم تُترجم إلى قرارات فعلية، والتقارير، مهما بلغت جودتها، تظل بلا جدوى إذا لم تُؤثر في توجيه السياسات العمومية.

وعلاوة على ذلك، فإن تعدد المتدخلين وغياب التنسيق الفعّال بين القطاعات الوزارية يُفاقم من أزمة الحكامة… حيث إن العديد من السياسات العمومية تُصاغ وتُنفذ داخل منطق قطاعي ضيق، في حين أن الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية ذات طبيعة عرضانية تتطلب مقاربات مندمجة. فالتعليم، على سبيل المثال، لا يمكن عزله عن النقل والبنية التحتية، كما أن الصحة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والتوزيع المجالي للخدمات.

لذلك، فإن من الثابت أن تجاوز هذا القصور يمر عبر اعتماد مقاربة قائمة على “منطق المهام” بدل “منطق القطاعات”… أي الانتقال من توزيع الموارد حسب الوزارات إلى تخصيصها وفق أولويات وطنية كبرى، تتقاطع فيها تدخلات عدة فاعلين داخل رؤية موحدة. وهي مقاربة من شأنها أن تُعزز الانسجام، وتُقلص الهدر، وتُحسن من مردودية الإنفاق.

وفي السياق ذاته، تطرح مسألة قياس الأداء تحديًا آخر لا يقل أهمية… إذ إن تحديد “المؤشر المناسب” يظل إشكالًا معقدًا، بالنظر إلى أن الأثر الحقيقي للسياسات العمومية لا يظهر في المدى القصير، كما أنه غالبًا ما يتداخل مع عوامل خارجية. فبناء مدرسة، على سبيل المثال، يُعد إنجازًا ماديًا، لكن أثره في تقليص الهدر المدرسي أو تحسين جودة التعليم يظل رهينًا بعوامل متعددة، من بينها النقل، والتأطير التربوي، والبيئة الاجتماعية.

ومن ثم، فإن الاقتصار على مؤشرات كمية قد يُفضي إلى نتائج مضللة… الأمر الذي يستدعي تطوير منظومة تقييم أكثر شمولية، تجمع بين البعد الكمي والبعد النوعي، وتُراعي السياق الاجتماعي والاقتصادي لكل تدخل عمومي.

وفي موازاة ذلك، تبرز إشكالية أخرى تتعلق بتمويل الميزانية، خاصة في ظل تصاعد الالتزامات المرتبطة بالدولة الاجتماعية… حيث إن توسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، يفرضان ضغطًا متزايدًا على الموارد المالية. وهنا، يصبح من الضروري البحث عن توازن دقيق بين متطلبات الإنفاق وضرورات الاستدامة المالية.

وبالتالي، فإن النقاش حول الضغط الضريبي لا يمكن فصله عن مسألة توسيع الوعاء الجبائي… إذ إن استمرار هيمنة القطاع غير المهيكل، الذي يُقدَّر بحوالي 40% من الاقتصاد، يُقوض مبدأ العدالة الضريبية، ويُحد من قدرة الدولة على تعبئة الموارد. كما أن بعض الاختيارات الجبائية، التي رفعت العبء عن المقاولات الكبرى مقابل تشديده على الصغرى، تُثير تساؤلات حول مدى انسجام السياسة الضريبية مع أهداف الإدماج الاقتصادي.

أما على مستوى تمويل العجز، فإن اللجوء إلى ما يُعرف بـ”التمويلات المبتكرة” يطرح بدوره إشكالات بنيوية… فآليات من قبيل “البيع وإعادة الاستئجار” (Leaseback) تُوفر سيولة ظرفية، لكنها تُرتب التزامات مستقبلية قد تُثقل كاهل المالية العمومية. كما أن إدراج هذه الموارد ضمن المداخيل العادية يُثير إشكالًا محاسباتيًا، بالنظر إلى طابعها الاستثنائي.

وهنا، يتأكد أن الحكامة المالية لا تتعلق فقط بكيفية الإنفاق، وإنما أيضًا بكيفية التمويل… إذ إن الشفافية في عرض المعطيات، والدقة في تصنيف الموارد، تُعد شرطًا أساسيًا لاتخاذ قرارات رشيدة.

وعلى صعيد آخر، يظل دور المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، محوريًا في تعزيز المساءلة… غير أن محدودية الموارد البشرية والتقنية تُقيد من فعالية هذه الرقابة، كما أن ضعف التفاعل مع تقاريرها يُفرغها أحيانًا من أثرها العملي. الأمر ذاته ينطبق على البرلمان، الذي يُفترض أن يضطلع بدور أساسي في تقييم السياسات العمومية، لكنه يواجه تحديات مرتبطة بالخبرة التقنية والقدرة على التحليل.

ومن ثم، فإن تعزيز الحكامة يقتضي تمكين هذه المؤسسات من الوسائل اللازمة، إلى جانب تطوير كفاءات الفاعلين داخلها، بما يُعزز قدرتها على ممارسة رقابة فعالة ومؤثرة.

وفي امتداد لهذا التحليل، لا يمكن إغفال دور الجماعات الترابية في تنزيل السياسات العمومية… حيث إن الجهوية المتقدمة تفتح آفاقًا واعدة لإرساء حكامة قريبة من المواطن، قائمة على التخطيط الترابي المندمج. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينًا بتعزيز قدرات هذه الجماعات، سواء على مستوى الموارد أو الكفاءات، وكذا بتحسين آليات التنسيق بينها وبين الدولة المركزية.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في سنّ إصلاحات جديدة بقدر ما يكمن في ضمان تنزيل فعّال للإصلاحات القائمة… إذ إن التراكم التشريعي، مهما بلغ من الجودة، يظل محدود الأثر إذا لم يُواكَب بإرادة تنفيذية قوية، وثقافة مؤسساتية قائمة على النتائج.

وفي المحصلة، يمكن القول إن المغرب لا يعاني من أزمة في الرؤية أو في النصوص، وإنما في الحكامة… حكامة تتطلب وضوحًا في الأهداف، وانسجامًا في السياسات، وصرامة في التقييم، وربطًا فعليًا بين المسؤولية والمحاسبة. لذلك، فإن نجاح الإصلاح المالي الحالي سيُقاس، في نهاية المطاف، بقدرته على إحداث تحول ملموس في حياة المواطن… لأن كل درهم عمومي، كما رُفع الشعار، مطالب بأن يُثبت جدواه، لا في التقارير، وإنما في الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *