السوسيولوجيا دعامة أساسية لنجاح التنمية
“على الأنثروبولوجي أن يبلل قميصه عرقا من فرط التعب بحثا عن المعنى”، هكذا قال موريس كودولييه، وهي عبارة تختزل في عمقها حقيقة العلوم الاجتماعية عموما، سواء تعلق الأمر بالأنثروبولوجيا أو السوسيولوجيا. فالباحث الحقيقي ليس مجرد مراقب للواقع، بل هو فاعل معرفي يغوص داخل البنيات الاجتماعية المركبة، يلامس تفاصيل الحياة اليومية، ويفكك الظواهر الاجتماعية بحثا عن المعنى الكامن خلف السلوك والممارسة والخطاب.
إن ما ينطبق على الأنثروبولوجي ينطبق كذلك على السوسيولوجي، لأن السوسيولوجي هو الآخر رجل ميدان بامتياز، يشتغل على فهم المجتمع لا من خلال التخمين أو الأحكام الجاهزة، بل عبر البحث العلمي، والتحليل، والاستناد إلى المعطيات الواقعية، وفي ظل الحراك التنموي الذي يشهده المغرب اليوم، والجهود التي تبذلها المؤسسات بمختلف أنواعها لإنجاح البرامج التنموية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: هل استحضرنا فعلا أهمية البحث السوسيولوجي؟ وهل منحنا للسوسيولوجي المكانة التي يستحقها داخل منظومة التنمية وصناعة القرار؟
إن الحديث هنا ليس ترفا فكريا، بل هو حديث ينطلق من إحساس حقيقي بأزمة يعيشها خريجو علم الاجتماع بالمغرب، سواء كانوا مجازين، أو حاملي شهادات الماستر، أو باحثين في سلك الدكتوراه بمختلف تخصصات السوسيولوجيا، ومن بينها سوسيولوجيا التنمية المحلية، فهؤلاء يمتلكون أدوات الفهم والتحليل والتشخيص، لكنهم يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان خارج دوائر القرار والتخطيط، رغم أن الواقع الاجتماعي اليوم أصبح أكثر تعقيدا وتركيبا من أي وقت مضى.
صحيح أن الإرادة السياسية عنصر أساسي في التنمية، وأن الفاعل السياسي يؤدي دورا محوريا، لكن التنمية لا يمكن أن تختزل في القرارات الإدارية أو في التدفقات المالية وحدها، فالمجتمع يحتاج قبل كل شيء إلى الدراسة، والتحليل، والفهم. والفهم هنا ليس مفهوما عاديا، بل هو آلية مركزية قد تحدد نجاح البرامج التنموية أو فشلها.
في كثير من الأحيان تصرف ميزانيات ضخمة لإنجاز مشاريع تنموية، لكن النتائج تكون محدودة أو حتى فاشلة، والغريب أن سؤال “لماذا فشلت هذه البرامج؟” لا يطرح بالعمق المطلوب، هنا يتدخل السوسيولوجي ليقول إن أحد أهم أسباب الفشل هو غياب الدراسة السوسيولوجية القبلية والمواكبة العلمية للمشاريع. فالتنمية ليست مجرد إسمنت وبنيات تحتية، بل هي فهم للإنسان، لحاجاته، لتمثلاته، ولطبيعة علاقته بالمجال والمؤسسات.
وأستحضر هنا شهادة سيدة غير متعلمة سألتها فاطمة المرنيسي في إحدى دراستها الميدانية عن سبب فشل مشروع موجه للنساء في منطقة نائية، حيث قالت: “نحن لا نريد أموالا فقط، بل نريد أفكاراً”، هذه العبارة البسيطة تختزل أزمة حقيقية؛ فالأفكار لا تنتج في المكاتب المغلقة، بل تبنى من خلال الاحتكاك بالميدان، والإنصات للناس، واعتماد آليات البحث العلمي السوسيولوجي.
إن السوسيولوجيا ليست علما هامشيا، بل هي علم يدرس مكامن القوة والضعف داخل المجتمع، وينير الطريق أمام الفاعل السياسي والمؤسساتي حتى يبني برامجه انطلاقا من نتائج علمية دقيقة، لذلك فإن الدول الغربية وأمريكا لم تصل إلى مستويات متقدمة في التدبير إلا لأنها اعتمدت على الخبرة السوسيولوجية والأنثروبولوجية في فهم المجتمع وصناعة القرار، بل إن كثيرا من السياسات العمومية هناك تبنى على نتائج الأبحاث الميدانية والدراسات النقدية.
ومن هنا تبرز أهمية السوسيولوجيا النقدية باعتبارها آلية لفهم الاختلالات وكشف الأعطاب الاجتماعية، وليس فقط وصف الواقع، فالمجتمع اليوم في حاجة إلى سوسيولوجي قادر على التشخيص والنقد والتفسير، لا إلى مجرد خطابات إنشائية معزولة عن الواقع.
إن الدعوة اليوم ليست فقط إلى الاعتراف الرمزي بالسوسيولوجيا، بل إلى دمج خريجي هذا التخصص داخل مختلف المرافق والمؤسسات بشكل فعلي وكثيف، لأن تهميشهم لا يقتل فقط فرصهم المهنية، بل يقتل أيضا حس البحث والميدان لديهم. والسوسيولوجي، كما الأنثروبولوجي، لا يمكن أن يعيش بعيدا عن الواقع الاجتماعي، لأنه ابن الميدان، وصانع الأسئلة، وباحث دائم عن المعنى.
إن التنمية الحقيقية لا تصنع خلف الجدران، بل تبنى من خلال الربط بين السياسي والسوسيولوجي والأنثروبولوجي، أي من خلال برامج تنطلق من الميدان، من البحث، من فهم الواقع وتفكيكه، لا من الاكتفاء بتصوره نظريا، ولذلك فإن العودة إلى السوسيولوجيا اليوم لم تعد خيارا فكريا فقط، بل أصبحت ضرورة تنموية ومطلبا مجتمعيا ملحا.
اترك تعليقاً