وجهة نظر

المؤتمر العام الرابع عشر ورهان إعادة المعنى للفعل السياسي الشبابي

في لحظة سياسية تتسم بتراجع منسوب الثقة في الحياة السياسية، واتساع الهوة بين الشباب والفعل الحزبي والعمل السياسي بصفة عامة، تستعد منظمة الشبيبة الاستقلالية لعقد مؤتمرها العام الرابع عشر (14)، في سياق يعيد إلى الواجهة أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل الشبيبات الحزبية ووظيفتها وأدوارها داخل الحقل السياسي الوطني، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، خاصة على مستوى فئة الشباب، وهي الفئة العمرية المفروض أن توجه إليها مجهودها السياسي.

ذلك أن الأزمة المتصلة بالعمل السياسي الشبابي لم تعد مرتبطة فقط بالأعطاب المزمنة الجاثمة على الشبيبات الحزبية من حيث كونها تنظيمات سياسية، بل أصبحت تعكس مأزقًا أشمل يهم وظيفة وأدوار هذه التنظيمات، ومدى قدرتها على المساهمة في إعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والسياسة.

فالشباب المغربي اليوم لا يعيش فقط أزمة اندماج سياسي، بل يعيش أيضًا أزمة ثقة حقيقية في جدوى الفعل العام نفسه، وهي أزمة بلغت حدًّا لم يعد من الممكن الاستمرار في تجاهلها.

إذ إن جزءًا واسعًا من الشباب لم يعد ينظر إلى السياسة باعتبارها وسيلة للتغيير من الداخل وخدمة الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة، بل أصبح يراها مجالًا خاصًا ومغلقًا تحكمه توازنات سياسية وانتخابية مدعومة بالنفوذ والجاه والمال والانتماء القبلي والنسب العائلي، وهو ما يراه ويلمسه في مختلف مناحي التدبير العمومي المركزي والترابي، وعند كل انتخابات تشريعية وجماعية.

ومن داخل التجربة الشبابية الحزبية نفسها، نستطيع القول إن الأزمة الخانقة التي تعتري العمل السياسي الشبابي لا ترتبط فقط بضعف الإمكانيات أو بشحّ الأفكار والمبادرات، بل ترجع، في جزء كبير منها، إلى غياب الجدوى من العمل السياسي الشبابي، الذي من المفترض أن يشكل حافزًا دافعًا للعمل والانخراط.

لقد أعاد الفضاء الرقمي تشكيل مفهوم المشاركة السياسية ذاته، وأفرز جيلاً أكثر نفورًا من البنيات السياسية الكلاسيكية، وأكثر ميلاً إلى التعبير المباشر والسريع والأفقي، وهو ما يجعل الخطاب السياسي السائد، الغارق في الشعبوية والمزايدات السياسية، عاجزًا عن مواكبة هذه التحولات، وغير قادر على ترجمة انشغالات الشباب وتطلعاتهم.

إن جيلاً كاملاً من الشباب المغربي يعيش اليوم تحولات اجتماعية وثقافية عميقة في علاقته بالهوية، والشغل، وحرية الرأي والتعبير، والعدالة الاجتماعية، والكرامة…، وغيرها من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو ما يجعل أي خطاب سياسي لا ينطلق من الأسئلة الحقيقية لانشغالات الشباب اليومية خطابًا معزولًا ومتجاوزًا، بعيدًا عن الواقع، مهما بلغت فصاحته وطرافته.

كما أن نسبة الشباب المنتمية للأحزاب السياسية والنشطة داخل شبيباتها، على الرغم من كونها ترفع الحرج عن قيادات أحزابها من حيث الصورة فقط، ولا سيما عندما يتجدد النقاش حول الشباب في الرأي العام، فإنها تبقى نسبة محدودة جدًا أمام الغالبية العظمى من الشباب المغربي الكاره للسياسة ولمن يمارسها.

لذلك، فإن الرهان الأكبر الملقى على عاتق الشبيبات الحزبية هو توفير المناخ الحقيقي لانخراط الشباب في العمل السياسي، وتيسير الطريق أمامهم للاندماج في الحياة العامة، باعتبارهم شركاء معنيين بقضايا مجتمعهم ومصالح وطنهم، لا مجرد جيل نتذكره وننتبه إليه ونخاطبه فقط عندما يتمرد أو يحتج.

لأننا في حاجة إلى إنتاج وتأهيل شباب متتبع للشأن العام، واعٍ بتحولات مجتمعه، راصد لاختلالات التدبير العمومي بمختلف مستوياته، ومنتبه للتراجعات التي قد تتسرب إلى السياسات العمومية والقطاعية والمخطط التشريعي، لأن من صميم وظائف الشبيبات الحزبية إنتاج جيل من الكفاءات والقيادات يمتلك القدرة على الفهم والمساءلة والمبادرة والترافع.

غير أن الحديث المناسباتي عن تشجيع وتحفيز الشباب على الانخراط في العمل السياسي لا يستقيم مع واقع أحزابنا، الذي لا يزال غارقًا في بنية تدبير تقليدية قائمة على أساليب ومعايير هي، في الأصل، مدانة ومرفوضة من طرف الشباب عمومًا.

فالكثير من الشباب ينخرطون في العمل الحزبي وهم لا يملكون سوى أفكارهم ومبادئهم واجتهادهم وإيمانهم الصادق بجدوى العمل السياسي، معوّلين على تدرجهم التنظيمي ورصيدهم النضالي للمساهمة في خدمة وطنهم، لكنهم يكتشفون، مع مرور السنوات والمحطات، أن هذه العناصر وحدها لا تكفي للإنصاف.

وفي المقابل، يشاهدون أمامهم الطريق معبّدًا بالطول والعرض لمن يلج إلى أحزابهم السياسية مستندًا إلى المال أو النسب أو العامل الانتخابي، وهكذا يمتلكهم اليأس والإحباط، ويختارون الانسحاب بصمت.

وإذا كان العقدان الأخيران قد شهدا تراجعًا واضحًا في أدوار وحضور الشبيبات الحزبية وتأثيرها السياسي والمجتمعي، بفعل التدبير اللاديمقراطي للائحة الوطنية، الذي أعاد، بشكل غير مباشر، تشكيل قياداتها وربط إيقاع ودينامية عملها بالاستحقاقات الانتخابية المرتبطة بالتمثيلية البرلمانية، فإن مرحلة ما بعد إلغاء اللائحة الوطنية تملي علينا اليوم الرجوع إلى تفعيل الأدوار الأصيلة المنوطة بالشبيبات الحزبية، والتفكير في آليات ووسائل محفزة لترجمتها على أرض الواقع.

والطريق نحو محطة المؤتمر العام الرابع عشر (14) لمنظمتنا العتيدة يشكل فرصة أمام الشباب الاستقلالي للتفكير ومحاولة الإجابة عن إشكالية وظائف وأدوار الشبيبات الحزبية وأفقها في مغرب اليوم، والرهانات المعلقة عليها، ولا سيما في محاولة إعادة بناء المعنى داخل الفعل السياسي الشبابي، ومصالحة الشباب مع السياسة، بنفس أكثر تمسكًا بالديمقراطية الداخلية، وأكثر جرأة وانفتاحًا والتحامًا بالقضايا والمصالح الحقيقية للشباب والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *