منتدى العمق

حقيبة سناء

جلست تتأمل حياتها التي تتآكل يوما عن آخر. إنها في ثلاثينيات العمر، حياة بلا أهداف بلا طعم ولا معنى، حياة بلا زوج ولا ابناء .. تعيش لتأكل وتنام وتصرف على أبويها. تذهب يوميا لإدارة بئيسة حيث تملأ أوراقا بأرقام ومعطيات، ثم تتلقى أجرة في آخر الشهر توزعها مباشرة على أصحاب الديون المتراكمة، وأحيانا تستعين بعمليات دَيْن مشتركة مع صديقاتها يسمونها (دارت)، وهي عملية تجميع لمبالغ معينة تدور وتلف ثم تعود من حيث انطلقت. عمليات تجميع بدون رسوم مصرفية أو فوائد كما تفعل البنوك. تنتظر آخر الشهر، وعندما يحل هذا اللعين يمر سريعا، وتذوب مع حلوله النقود بين يديها كالملح وسط الماء.

انطلقت في ذلك الصباح إلى عملها، جلست على مقعدها كالمعتاد بين زميلات الوظيفة، الناس يتحلقون على المكاتب الإدارية كأنما جاؤوا لتلقي المعونة، مع أنهم يدفعون رسوما عن كل وثيقة يطلبونها، بعضهم متجهم، والبعض يحمل قسمات متصلبة لا تحمل أي معنى. في مثل هذا اليوم من كل شهر يُظهر زملاؤها في العمل سخاء لا نظير له في باقي الأيام، إنهم يطلبون الشاي والحلوى احتفاء بمقدم الراتب، ولكنها كانت تنتظر أن يقل المواطنون في مكتبها، وربما في العاشرة والنصف أو الحادية عشرة ستذهب للشباك الآلي وتعود سريعا دون لفت انتباه رئيسها في العمل، ستفعل ذلك مثل كل مرة ومثلما يفعل زملاؤها و زميلاتها أيضا. وربما هو يعرف، ولكنه يغمض عينيه حفاظا على السير العام الذي يحتم عليه عدم التوقف عند كل كبيرة وصغيرة ترفعا منه عما يبدو من صغائر الأمور وحتى يكبر احترامه وهيبته أكثر في أعين مرؤوسيه.

دست سناء البطاقة المغناطيسية مترقبة ترقية منتظرة ثم سحبت المبلغ الشهري، لم تجد أي مبلغ إضافي غير ما هو معتاد، فلتنتظر شهرا آخر ـ ربما ـ من أجل زيادة طفيفة كل ثلاث سنوات تقريبا. وما كادت تقطع الطريق الرئيسي وتبتعد عن الطابور ـ حيث ينتظر كل شخص دوره في مثل هذا اليوم من كل شهر دون سائر الأيام التي يبقى فيها الشباك شبه وحيد ـ حتى أحست كأن كتفها انخلع من مكانه، لقد جذب أحدهم حقيبتها التي تضعها على الكتف بكل قوة وفر بها ، وفيها كل أوراقها .. لقد انطلق خلف شخص آخر على دراجة نارية تاركا الموظفة سناء كأنها تمثال يرقب المشهد . لم تدرِ أول الأمر ما حل بها.. تحلق الناس حولها وهم يقولون: “يعوضك الله، المهم أنك سليمة من أي أذى جسدي”. هؤلاء لا يدرون مقدار الأذى والانكسار غير المرئي الذي حل بها. انطلق البعض يعدو خلف السراب ثم عادوا أدراجهم نحوها، كان أحدهم يضرب كفا بأخرى في حين شرعت هي في استعادة شريط الأحداث واستيعاب دلالات ما حدث وتبعاته. وبدأت فجأة تولول كأنما فقدت أبا أو عزيزا.. ثم جلست على الرصيف وكأن رجليها ما عادتا قادرتين على حملها، كان منظرها يثير الشفقة وهي تضع يديها على رأسها، بينما اتجهت امرأة نحوها قائلة:

ـ احمدي الله يا ابنتي أنك لم تتلقي أي طعنة من سكين أومن شفرة حادة على وجهك، عندها كنوز الأرض لن تكفي لإعادتك إلى وضعك السابق. ما قدر الله حصل، فلا جدوى من العويل.

عادت سناء إلى وظيفتها كالمومياء ، لقد أصبح لونها في صفرة الموتى، وكل تفكيرها في أصحاب الديون من خضار وجزار وبقال وصديقات يشتركن معها في جمعية: (دارت). لقد دارت الدوائر عليها هي التي كانت تنتظر نهاية الشهر بشغف ولهفة للتخفف من أثقال الناس، ومع نهاية الشهر حلت عليها اللعنة. ماذا تقول وكيف تفسر وتبرر..؟

تلقت الإدارة والزملاء خبر مأساة سناء التي سرقت حقيبتها وفيها مبلغ الراتب كاملا غير منقوص، وفيها أوراقها الشخصية. طلبت منها زميلاتها الذهاب لمركز الشرطة للتبليغ وإعطاء الأوصاف المطلوبة.. فلا ينبغي التأخر في القيام بالإجراءات القانونية.

كان الأستاذ عادل ناشطا في أحد المواقع الإلكترونية، وقد علم بالخبر من أحد أصدقائه الذين يتداولون بينهم كل كبيرة وصغيرة في لقاءاتهم اليومية بمقهى الأميرة. هي فرصته لتدوين مقال اليوم، كان متابعوه بالآلاف. إنه يكتب تدوينته اليومية بالعامية لاستقطاب وإثارة أكبر عدد ممكن من المتابعين. تلقف الناس الخبر بتعاطف كبير . ومن حيث لم يتوقع هو نفسه، جاءه خبر على الخاص من شخص مجهول يدعوه لصرف مبلغ مالي ـ بقيمة خمسة آلاف درهم ـ من المصرف المركزي لتقديمه للموظفة سناء.

في المساء وبعد انصراف الموظفين من مكاتبهم، انطلق عادل وصديقه الحسين بالسيارة باتجاه العنوان الذي تلقياه من الأصدقاء بالمقهى. وضع عادل أصبعه على جرس الباب، نزلت سناء أدراج البيت بخطوات متثاقلة، لم يكثر الرجلان الكلام، اكتفى عادل بأن مد الظرف وبه المبلغ المالي معلقا على الأمر:

ـ شخص من المحسنين يتضامن معك، وأرسل لك هذا المبلغ وهو يقول لك: إن أُغلِق في وجهك باب، فأبواب رحمة الله كثيرة.

انطلق الشابان بسيارتهما، بينما تسمرت سناء في موقف شبيه ـ في ظاهره ـ بموقفها أمام الشباك الآلي في ذلك اليوم المشهود، ولكنها ـ في حقيقة الأمر ـ كانت مغمورة بإحساس مزيج من الفرحة والأمل والرغبة في البكاء. ربّاه ! إنها بالأمس كانت على وشك أن تكره الناس والوجود، أن تنكر الخير والألوان البيضاء والوردية والبنفسجية من حياتها ومن الكون. وها هي اليوم تستعيد ثقتها بنفسها بالناس. بالأمس كادت تبكي كمدا وقهرا، واليوم تبكي لأن الخير في دنياها لم ينقطع، والأمل سيستمر. لقد استعادت سناء فجأة إحساسا فقدته منذ منصف العشرينات من عمرها. ستستعيد فساتينها الجميلة التي ركنتها في دولابها، وستستعيد زينتها ولن تنكمش من الآن على ذاتها. إنها الآن تسامح الشخص الذي سرق حقيبتها، من يدري بظروفه وأحواله؟! هي تسامحه وتتمنى له عملا شريفا يحفظ به كرامته وآدميته.

وفعلا استعادت سناء ابتسامة الحياة والأمل من جديد، وأصبحت اسما على مسمى، والفضل كان لفاعل الخير وللدال عليه أيضا، وربما الفضل لسارق الحقيبة أيضا كما علقت على ذلك صديقات سناء اللواتي لاحظن التحول الكبير الذي طرأ في حياة سناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *