وجهة نظر

العيد الذي سرقته الأسعار

هناك أوجاع لا تُقاس بالكلام، بل ترى في عيون الآباء وهم يخفون عجزهم، وفي صمت الأمهات وهنّ يحاولن إقناع الأطفال بأن الفرح لا يحتاج دائمًا إلى أضحية.

لكن أي طفل سيفهم أن العيد الذي كان يملأ البيوت دفئا وضحكا، صار اليوم يمرُّ ثقيلاً كأنه موسمٌ آخر من مواسم الحرمان؟

في السنة الماضية، طُلب من المغاربة أن يتفهموا قرار المنع، فصبروا، لأن هذا الشعب حين يتعلق الأمر بالمصلحة العامة، يعرف كيف يغلّب صوت الوطن على وجعه الخاص.

لكن الناس كانوا ينتظرون أن يكون ذلك الاستثناء بداية انفراج، لا بداية اختناق أكبر.

غير أن الواقع كان أقسى من كل التبريرات.

فالأسعار اشتعلت، والقدرة الشرائية انهارت، واللحم الذي كان يدخل بيوت البسطاء في العيد فقط، صار بعيدًا حتى عن أحلامهم.
ثم يأتي من يقول ببرود: “الأضحية سنة مؤكدة وليست فرضا.”

وكأن القضية مجرد نقاش فقهي، لا مأساة اجتماعية يعيشها شعب أنهكه الغلاء.

نعم، الأضحية سنة مؤكدة… لكن ماذا يعني أن يصبح حتى أداء السنة عسيرًا على هذا العدد الكبير من الناس؟

وماذا يعني أن يشعر المواطن أن كل شيء يُنتزع منه بالتدريج: راحته، وقدرته، وحقه في الفرح؟

العيد عند المغاربة ليس مجرد شعيرة تُؤدى وتنتهي، بل هو لمة عائلة، وطمأنينة بيت، ووليمة تُدخل السرور على القلوب المتعبة.
هو ذلك اليوم الذي يشعر فيه الفقير، ولو قليلًا، أن للحياة وجها رحيما، و لدنياه طعما مختلفا…. ولو لمدة قصيرة…

ثم إن هناك من لا يأكل اللحم إلا في هذه المناسبة، و هناك من ينتظرها أطفالهم كما ينتظر العطشان المطر…. والتائه البوصلة.
لذلك، كفّوا عن تعاليقكم الباردة، الملفوفة بنصائحكم المسمومة…

لا تُحاضروا الموجوعين في الصبر، ولا تُزايدوا على من اكتووا بحرِّ الفقر.

فحين يفوق ثمن الخروف، أجرة شهر …. فهذا عنوان لعجز مسبق عن أي محاولة شراء أضحية…. وبالتبع، لا يحتاج العاجز – وما أكثر العاجزين في وطني! – من يشرح له الأحكام، بل يحتاج وطنًا يحفظ له كرامته، وسياساتٍ لا تجعل الفرح امتيازا للأغنياء فقط.
لقد تآكلت الثقة من كثرة الوعود التي تبخرت، ومن اتساع المسافة بين الخطاب والواقع.

وصار المواطن يسمع الكلام نفسه كل مرة، بينما الأسواق تلتهم ما تبقى في جيبه، والهموم تتكاثر في بيته، والأعياد تمرُّ عليه مثقلة بالحرج والحسرة….

إن أخطر ما يحدث اليوم، ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل اعتياد الناس على الانكسار، اعتيادهم على دمع عالق في العين، وغصة في الحلق…

أن يصبح العيد عبئًا بدل أن يكون رحمة، وأن تتحول فرحة الأطفال إلى سؤال موجع في عيون آبائهم.

ومع ذلك، سيبقى هذا الشعب يرفع يديه إلى السماء، مؤمنًا أن الله لا ينسى الفقراء، ولا يرضى بسياسات تُرهق الناس ثم تطلب منهم أن يبتسموا بصمت.

فالعيد ليس خروفا فقط…

العيد شعور بالكرامة.

وبكلمة، حين تُسرق من الناس قدرتهم على الفرح، فاعلموا أن الأسعار لم تسرق الأضحية فقط… بل سرقت شيئًا من روح العيد نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *