كفانا من “ابتزاز” المواطن!
من المفترض في دولة الحق والقانون أن يشكل المرفق العام ملاذاً آمناً للمواطن، وسنداً يضمن قضاء مصالحه الحيوية بمرونة واستمرارية. غير أن الواقع يكشف، مع أسف شديد، عن تحول بعض الهيئات والمرافق العمومية (أو الشبه عمومية) إلى منصات لابتزاز المواطن البسيط، واللعب على أوتار احتياجاته اليومية؛ حيث أصبحت ترى في مصالح المواطنين وقضاياهم المستعجلة البوابة “الوحيدة” والورقة الضاغطة لاقتناص ما تعتبره “حقوقاً” لها من الجهات الوصية.
إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه إلا في خانة “الرهينة الاجتماعية”، حيث يُدفع بالمواطن إلى فوهة المدفع ليكون الضحية الأول والأخير لخلافات قطاعية ومطالب فئوية كان الأجدر أن تُحل في طاولات الحوار، لا على حساب جيوب وأعصاب ومصالح الشعب.
تجليات الابتزاز: مصالح المواطن كأوراق ضغط
تتعدد الأمثلة وتتنوع باختلاف القطاعات، لكنها تتوحد في التوقيت والنتيجة: اختيار اللحظات الحرجة لفرض واقع مرير على المواطن.
قطاع النقل العمومي (سيارات الأجرة خاصة)
مع حلول كل مناسبة وطنية أو دينية (كالأعياد والعطل المدرسية)، حيث يبلغ الطلب على السفر ذروته، يفاجأ المواطن بشلل شبه تام أو بقلة حادة في وسائل النقل. يتحجج أرباب ومهنيو القطاع بتفاقم أسعار المحروقات وغياب الدعم الكافي، ليتحول المواطن المتوجه لصلة رحمه إلى ضحية لارتفاع صاروخي غير قانوني في تسعيرة التذاكر، أو يجد نفسه عالقاً في المحطات لساعات طوال تحت رحمة المضاربين.
شركات “نقل الأموال” وتزويد الصرافات الآلية
في مشهد يتكرر بانتظام مع قدوم الأعياد والمناسبات، يشهد قطاع تزويد الصرافات الآلية بالسيولة النقدية تقاعساً ملحوظاً من طرف المستخدمين أو الشركات التدبيرية. والنتيجة؟ طوابير لا متناهية أمام صرافات فارغة، وتعطيل كامل لمصالح المواطنين المالية في أوقات هم أحوج ما يكونون فيها لمدخراتهم لقضاء مآرب العيد، مما يخلق حالة من الاحتقان والتوتر والتذمر العام رغم أن الخطاب الرسمي يدعو إلى ضرورة “تجنيد” كامل للأجهزة البنكية أمام حاجيات ومصالح المواطنين ، سيما في هذه المناسبات.
القطاع الصحي والتمريضي
لعل هذا القطاع هو الأكثر إيلاماً، لأنه يتعلق بالحق في الحياة والصحة. ففي كثير من المستشفيات والمستوصفات، يقابل الزائر المريض بإهمال غير مبرر ولا يعار الاهتمام الكافي. وتتعدد الذرائع الواهية: فإما أن “جهاز السكانير معطل” (وهو عطل غالباً ما يكون غامضاً)، أو أن الطبيب المسؤول المباشر في إجازة (كونجي) دون تعيين بديل يؤمن الخدمة، ليترك المريض يصارع آلامه بين ردهات المستشفى.
الإخلال بـ “استمرارية المرفق العام
خط أحمر ومسؤولية قانونية أمام هذا الوضع المقلق، وجب التذكير بأن “مبدأ استمرارية المرفق العام” ليس مجرد ترف فكري أو شعار بروتوكولي، بل هو مبدأ دستوري وقانوني ملزم. إن المرفق العام أُوجد لخدمة الصالح العام بانتظام واطراد، وأي إخلال بهذا المبدأ تحت أي ظرف من الظروف يعد خطأً جسيماً يعاقب عليه القانون.
إن رهن مصالح المواطنين وتعطيل عجلة الحياة اليومية يتطلب تفعيلاً صارماً للمساطر التأديبية والقانونية في حق المخالفين والمتقاعسين. ويجب أن تصل هذه العقوبات الردعية، تبعاً لحجم الضرر، إلى:
*التوقيف المؤقت عن الشغل ، مع الحرمان من الأجر للقطع مع العبث بمسؤولية المرفق.
*الفصل الفوري والمباشر من الخدمة، في الحالات التي يثبت فيها الامتناع العمدي عن تقديم المساعدة أو التسبب في كوارث إنسانية وصحية للمواطنين.
وكخلاصة ، إن التعبير عن المطالب المهنية والمادية حق مشروط بمشروعية الوسائل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول أن يكون المواطن “الحلقة الأضعف” التي تُبتز بلقمة عيشها، أو صحتها، أو حريتها في التنقل. كفانا استهتاراً بالمسؤولية، وحان الوقت لربط المسؤولية بالمحاسبة وتطبيق القانون بحذافيره لحماية كرامة المواطن واستقرار المجتمع.
اترك تعليقاً