من أزواد إلى برج باجي مختار.. رسائل الظهور الأزوادي داخل الجزائر
تُعد جمهورية مالي من أهم دول الساحل الإفريقي، بحكم موقعها الاستراتيجي وعمقها التاريخي والحضاري، كما شكلت عبر قرون طويلة فضاء للتبادل التجاري والعلمي والديني بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي. وقد ارتبطت مالي بعلاقات وثيقة مع المملكة المغربية من خلال القوافل التجارية والزوايا الدينية والروابط الثقافية التي ساهمت في بناء جسور التواصل بين الشعبين، وهو ما جعل العلاقات المغربية المالية تحافظ على طابعها المتميز رغم التحولات السياسية والإقليمية المتعاقبة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين الرباط وباماكو تطورا ملحوظا تجسد في تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، إضافة إلى المبادرات المغربية الموجهة لدول الساحل في مجالات التنمية والتكوين الديني والاستثمار. كما تعزز هذا التقارب بفعل الروابط الروحية والتاريخية التي تجمع العرش العلوي المجيد بعدد من العلماء وشيوخ الطرق الصوفية في مالي، وهي علاقات حافظت على استمراريتها عبر مختلف المراحل التاريخية.
وفي سياق التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، برز قرار السلطات المالية بسحب اعترافها بما يسمى “جمهورية الرابوني” ودعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره محطة سياسية مهمة تعكس إعادة تموقع باماكو ضمن التوازنات الإقليمية الجديدة. وقد اعتبر مراقبون أن هذا القرار ينسجم مع التوجه المتنامي لعدد من الدول الإفريقية والدولية الداعمة للحل السياسي الواقعي الذي تقترحه المملكة المغربية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد التوتر بين السلطات المالية وبعض الحركات المسلحة الناشطة في شمال البلاد، خاصة في منطقة أزواد، حيث شهدت السنوات الأخيرة عودة المواجهات المسلحة وتراجع منسوب الثقة بين الأطراف المعنية باتفاقات السلام السابقة. كما أصبحت منطقة الساحل مسرحا لتداخلات أمنية وسياسية معقدة بفعل نشاط الجماعات المسلحة وتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وفي هذا الإطار، تتهم أطراف مالية وإقليمية بعض الجهات وعلى رأسها الجزائر بالسعي إلى توظيف ملف أزواد كورقة ضغط سياسية في مواجهة السلطة المركزية بباماكو، وهو ما ساهم في زيادة التوتر بين مالي وبعض جيرانها. وتذهب بعض التحليلات إلى الحديث عن وجود دعم سياسي أو لوجستي لبعض الحركات المسلحة الناشطة في الشمال.
كما أثار ظهور عناصر وآليات تابعة لحركات أزوادية مسلحة داخل مناطق حدودية جنوب الجزائر، في وسط برج باجي مختار، موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة هذا الحضور ودلالاته الأمنية والسياسية والعسكرية. فظهور رايات وآليات عسكرية مرتبطة بحركات تحمل مطالب سياسية خاصة داخل فضاء حدودي حساس يعد حدثا لافتا يستدعي التوضيح والمتابعة بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على أمن المنطقة واستقرارها.
ويرى عدد من المتابعين أن هذه المشاهد تضع السياسات الإقليمية المرتبطة بملفات الحركات الانفصالية أمام اختبار جديد، خاصة أن منطقة الساحل أصبحت تعيش تحولات متسارعة وتغيرا مستمرا في التحالفات والتوازنات. كما تعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول تداعيات تشجيع أو استغلال النزعات الانفصالية في المنطقة، وما يمكن أن يترتب عنها من انعكاسات على الأمن والاستقرار ووحدة الدول.
وتشير تطورات جنوب الجزائر الأخيرة، في نظر عدد من المراقبين، إلى أن الجزائر بدأت تتجرع من الكأس التي اتُّهمت بسقيها للآخرين، بعد ظهور مركبات تابعة للحركات الأزوادية في وسط مدينة برج باجي مختار. ويرى هؤلاء أن المشهد يعكس، رمزيا، انقلاب السحر على الساحر، ويؤكد أن مشاريع الانفصال لا تنتج سوى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
اترك تعليقاً