منتدى العمق

التسجيل في اللوائح.. حق تتنازل عنه لغيرك

في كل مرة يُفتح فيها باب التسجيل في اللوائح الانتخابية، يتكرر المشهد ذاته. يعرف كثير من المواطنين بالأمر، ويتداولونه في أحاديثهم، لكن عدداً كبيراً منهم لا يُقدم على التسجيل. وليس السبب دائماً هو الكسل أو اللامبالاة، بل إن كثيرين يحملون قناعة راسخة مفادها أن مشاركتهم أو عدمها لن تُحدث فرقاً حقيقياً.

قد تبدو هذه الفكرة منطقية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تخدم، من حيث لا يشعر أصحابها، كل من يرغب في بقاء الأوضاع كما هي دون تغيير.

فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة قائمة في العاصمة، بل هو الفضاء الذي تُناقش فيه القوانين التي تؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين اليومية، سواء تعلق الأمر بالشغل أو التعليم أو الصحة أو غيرها من المجالات. وهذه القوانين لا تظهر من فراغ، وإنما تمر عبر ممثلين تم اختيارهم من خلال العملية الانتخابية، التي تبدأ أساساً بالتسجيل في اللوائح الانتخابية.

إن العزوف السياسي لا يقتصر أثره على صاحبه وحده، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. فعندما تبتعد فئات واسعة من الشباب والمتعلمين وأفراد الطبقة الوسطى عن التسجيل والمشاركة، فإنها لا تضع نفسها خارج المعادلة فقط، بل تساهم عملياً في إعادة تشكيلها وفق موازين جديدة يستفيد منها من بقي حاضراً فيها.

والانتخابات التشريعية لا تنتظر المترددين أو المقاطعين. فهي تُنظم في موعدها المحدد، وتُحتسب نتائجها بناءً على أصوات المشاركين فقط، ثم تُوزع المقاعد على الجهات التي نجحت في تنظيم قواعدها الانتخابية وحشد ناخبيها.

وهنا تبرز مفارقة يغفل عنها كثير من الناس. فالقوى الأكثر تنظيماً ليست في حاجة إلى تأييد أغلبية المجتمع بأسره كي تصل إلى البرلمان، بل يكفيها في كثير من الأحيان أن يختار منافسوها المحتملون البقاء بعيداً عن التسجيل أو التصويت.

لذلك، فإن غياب أعداد كبيرة من المواطنين عن العملية الانتخابية لا يقلص تأثير الآخرين، بل على العكس من ذلك، يوسع هامش تأثيرهم ويزيد من وزن أصواتهم. وهذه ليست مجرد قراءة نظرية، بل حقيقة تؤكدها الحسابات الانتخابية البسيطة التي يدركها كل من له احتكاك بهذا المجال.

ومن المفارقات أيضاً أن كثيراً من المواطنين يوجهون انتقادات متكررة للقوانين والسياسات العمومية بعد صدورها، رغم أنهم لم يشاركوا في المسار الذي أفرزها. فالقرارات العامة لا تتوقف بسبب غياب البعض، وإنما تُتخذ في جميع الأحوال، وقد تُتخذ باسمهم أيضاً، دون أن يكون لهم إسهام في صياغة اتجاهها.

ولا تظهر آثار العزوف السياسي مباشرة بعد انتهاء الانتخابات، بل تتجلى مع مرور الوقت. فعندما يتساءل الناس بعد سنوات عن أسباب وصول شخص معين إلى البرلمان، أو عن خلفيات صدور قانون بصيغة معينة، أو عن الأسباب التي جعلت ميزانيات التعليم والصحة تتجه في مسار دون آخر، فإن جزءاً مهماً من الجواب يرتبط دائماً بمن شارك في صناعة القرار الانتخابي، ومن اختار الوقوف بعيداً عنه.

في النهاية، لا يوجد في الممارسة الانتخابية ما يمكن اعتباره موقفاً محايداً بالكامل. فعدم التسجيل في اللوائح الانتخابية، كما عدم المشاركة في التصويت، يظل اختياراً قائماً بذاته. غير أن أثر هذا الاختيار لا يذهب عادة إلى مصلحة صاحبه، بل يصب في مصلحة طرف آخر قرر أن يكون حاضراً عندما غاب غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *