موريتانيا ونزاع الصحراء: معادلة الحياد والتوازن الإقليمي
في الثامن من يونيو من كل سنة تحل ذكرى الهجوم الذي شنته جبهة البوليساريو على العاصمة الموريتانية نواكشوط سنة 1976، وهو الهجوم الذي انتهى بمقتل مؤسس الجبهة الولي مصطفى السيد وعدد من مرافقيه في منطقة أم التونسي شمال العاصمة الموريتانية. وقد شكل ذلك الحدث إحدى أبرز المحطات في تاريخ النزاع حول الصحراء، ليس فقط بسبب نتائجه العسكرية المباشرة، بل أيضا لما ترتب عنه من تحولات سياسية وإقليمية أثرت في مسار القضية لعقود لاحقة.
وقد استعرض الجيش الموريتاني آنذاك كميات من الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها خلال المواجهات، كما عرض رفات الولي مصطفى السيد، في مشهد عكس حجم الصدمة التي خلفها الهجوم داخل موريتانيا وخارجها. وتشير العديد من الدراسات والوثائق التاريخية إلى أن ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي كانت توفر دعما ماليا وعسكريا للجبهة، فيما كانت الجزائر تؤمن لها الإسناد السياسي والاستخباراتي واللوجستي.
وقد شكل التنسيق الجزائري الليبي خلال تلك المرحلة أحد أبرز ملامح التنافس الجيوسياسي في المنطقة المغاربية، حيث التقت الرؤية الإقليمية للرئيس الجزائري هواري بومدين مع التوجهات الثورية للعقيد القذافي، في سياق إقليمي اتسم بالاستقطاب الحاد حول ملف الصحراء. وفي ظل هذه المعادلة، وجدت موريتانيا نفسها طرفا مباشرا في نزاع إقليمي معقد تجاوز في أبعاده الحدود التقليدية للخلاف حول الصحراء.
وقد أدى انخراط موريتانيا في الحرب إلى استنزاف اقتصادي وعسكري كبير، في وقت لم تكن فيه الدولة الموريتانية تمتلك الإمكانيات الكافية لتحمل أعباء مواجهة طويلة الأمد. وساهمت هذه الظروف في إضعاف النظام السياسي القائم آنذاك، قبل أن تنتهي المرحلة بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس المختار ولد داداه في 10 يوليوز 1978.
وفي مذكراته المعنونة بـ”موريتانيا في مواجهة العواصف والأمواج”، اعتبر المختار ولد داداه أن الهجوم على نواكشوط شكل مؤشرا على انتقال الحرب إلى مستوى جديد، بعدما أصبحت العاصمة نفسها هدفا مباشرا للعمليات العسكرية. كما رأى في ذلك محاولة لضرب استقرار الدولة الموريتانية وإضعاف قدرتها على الاستمرار في خياراتها السياسية والسيادية.
ومن الصعب فهم تطورات قضية الصحراء دون استحضار الدور الذي لعبته موريتانيا منذ اندلاع النزاع. فالجغرافيا والتاريخ والامتدادات الاجتماعية والقبلية جعلت من موريتانيا أكثر من مجرد دولة مجاورة، بل طرفا معنيا بصورة مباشرة بمختلف التحولات التي عرفها الملف منذ سبعينيات القرن الماضي.
وعلى خلاف بعض القراءات التي تقدم نواكشوط باعتبارها مجرد مراقب محايد، فإن الوقائع التاريخية تؤكد أن موريتانيا ظلت حاضرة في مختلف المراحل المفصلية للنزاع، سواء خلال فترة المواجهات العسكرية أو خلال مراحل البحث عن التسويات السياسية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، جاء الهجوم على نواكشوط في 8 يونيو 1976 ضمن مرحلة اتسمت بتصاعد التوترات الإقليمية. وقد تمكن الجيش الموريتاني من صد الهجوم وإلحاق خسائر كبيرة بالقوة المهاجمة، ما أدى إلى مقتل الولي مصطفى السيد وعدد من قيادات الجبهة وأسر مئات العناصر المسلحة.
وشكل مقتل مؤسس البوليساريو نقطة تحول بارزة في مسار النزاع. فمن الناحية العسكرية، أثبتت موريتانيا قدرتها على حماية مؤسساتها رغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها. ومن الناحية السياسية، أظهر الحدث حدود الرهانات القائمة على فرض الوقائع عبر العمل العسكري المباشر ضد الدولة الموريتانية.
غير أن الهجوم خلف أيضا تداعيات عسكرية وسياسية واقتصادية عميقة داخل موريتانيا. فبعد أشهر قليلة من التغيرات التي عرفتها المؤسسة العسكرية، وقعت نواكشوط اتفاق سلام مع جبهة البوليساريو في غشت 1979، معلنة انسحابها من النزاع وتخليها عن مطالبها في إقليم وادي الذهب الذي كانت قد حصلت عليه بموجب اتفاقية مدريد الثلاثية سنة 1975.
غير أن الانسحاب الموريتاني لم يترك فراغا ميدانيا طويلا، إذ تحرك المغرب لتعزيز حضوره في المناطق التي انسحبت منها موريتانيا، لتدخل القضية مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي.
ورغم التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الموريتانية خلال العقود اللاحقة، بما في ذلك الاعتراف الدبلوماسي بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، فإن العلاقات المغربية الموريتانية ظلت محكومة باعتبارات استراتيجية عميقة تتجاوز الخلافات الظرفية. فالموقع الجغرافي والتحديات الأمنية المشتركة والمصالح الاقتصادية المتبادلة جعلت استقرار البلدين مرتبطا بصورة وثيقة.
ومنذ نهاية السبعينيات، وجدت موريتانيا نفسها أمام تحدي الحفاظ على توازن دقيق بين مختلف الأطراف الإقليمية الفاعلة في الملف. وقد تجلى ذلك بوضوح في تعاملها مع التطورات التي عرفتها منطقة الكركرات، حيث يمثل هذا المعبر شريانا اقتصاديا حيويا بالنسبة للتجارة بين المغرب وموريتانيا وبلدان غرب إفريقيا.
وقد أثار إغلاق المعبر سنة 2020 من طرف عناصر البوليساريو مخاوف واسعة داخل الأوساط الاقتصادية الموريتانية، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على حركة المبادلات التجارية وتدفق السلع نحو الأسواق المحلية. كما أبرزت تلك الأزمة الأهمية الاستراتيجية التي بات يكتسيها المعبر بالنسبة للتوازنات الاقتصادية والإقليمية في المنطقة.
وفي المقابل، تسعى الجزائر إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في موريتانيا عبر مشاريع بنيوية مختلفة، من بينها مشروع الطريق الرابط بين تندوف وزويرات، إضافة إلى مبادرات أخرى مرتبطة بالتجارة والطاقة والتعاون الحدودي. ويعكس هذا الواقع حجم التنافس الجيوسياسي والاقتصادي المتزايد بين الرباط والجزائر في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
كما ساهمت بعض الحوادث الأمنية المرتبطة بالنزاع في زيادة حساسية الوضع على الحدود الموريتانية، وهو ما دفع السلطات في نواكشوط إلى تعزيز انتشارها العسكري ومراقبتها للشريط الحدودي، مع الحرص على منع استخدام أراضيها في أي أعمال عسكرية أو تحركات قد تؤثر على استقرارها الداخلي أو علاقاتها الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، واصلت موريتانيا تطوير آليات التنسيق الأمني مع مختلف الأطراف المعنية بأمن المنطقة، بما ينسجم مع نهجها القائم على الحياد وتجنب الانخراط المباشر في النزاع.
وتبرز التجربة الموريتانية في سياق قضية الصحراء أن إدارة التوازن بين الاعتبارات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية تمثل خيارا استراتيجيا طويل المدى أكثر من كونها مجرد موقف ظرفي. وبين ضغوط الجغرافيا وتعقيدات التنافس الإقليمي، تواصل نواكشوط اعتماد سياسة تقوم على الحياد المرن، وتعزيز أمنها الداخلي، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين في محيطها الإقليمي، بما يخدم مصالحها الوطنية ويحافظ على استقرارها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
اترك تعليقاً