وجهة نظر

تحولات بنية نظام الحكم.. هندسة ملكية تنفيذية ورهانات نخبة “تكنوسياسية”

علاء الدين بنهادي

I. سيكولوجية انتقال الحكم وثنائية الخوف والاستمرارية

تعتبر مسألة انتقال السلطة واستمرارية نظم الحكم من أعقد الإشكاليات التي تؤرق الفقه الدستوري وعلم الاجتماع السياسي على حد سواء. في السياق المغربي، لطالما ارتبطت اللحظات المفصلية لانتقال العرش بهاجس جماعي يغذي مخاوف تفكك الدولة أو تصدع النظام، وهو ما تكذبه باستمرار الممارسة التاريخية والترتيبات المؤسساتية الدقيقة التي ترافق هذه المحطات، حيث يظن أناس كثر بأن الخوف على استمرارية الدولة ونظام الحكم واستقرارها يكمن في حدث موت الملك، وهذا غير صحيح في جوهره، وإنما الخوف الحقيقي ينصب على ما سيحدث بعد غيابه، وعلى طبيعة الفراغ أو الصراع الذي قد ينشأ بين الاستمرارية والقطيعة.

لقد كان المغاربة يعتقدون قبيل نهاية القرن الماضي بأنه مع وفاة الملك الراحل الحسن الثاني سيتصدع النظام، وربما تنهار الدولة وتعم الفوضى في سياق إقليمي ودولي معقد. غير أنه لم يحصل شيء من ذلك القبيل؛ إذ جرى كل شيء تماما كما خطط له ورتبه الملك الراحل في هندسة سياسية استباقية محكمة. لقد رتب كل شيء كما أراد، حكومة اتحادية وطنية شارك فيها زعماء الأحزاب المعارضة تاريخيا، وجيش منضبط، وشعب حزين لموت سلطانه، ولكنه سرعان ما التف في إجماع وطني منقطع النظير حول الملك الشاب، محمد السادس. مات الملك، عاش الملك، لتبدأ حقبة جديدة من تاريخ المغرب في الألفية الثالثة، ألفية تهز أركان نظام أوروبي بدأ عقب معاهدة وستفاليا، 1648، وغربي، بقيادة أمريكية، أسس بعد الحرب العالمية الثاني، 1945.

اليوم، وبعد مضي أكثر من عقدين ونصف على ذلك الانتقال السلس، يطرح نفس السؤال بإلحاح متجدد، هل نحن مطمئنون عما سيحدث بعد الملك محمد السادس؟ وما هو الترتيب الاستراتيجي والمؤسساتي لانتقال الحكم إلى ولي العهد الأمير الحسن (الملك الحسن الثالث مستقبلا)؟ ينبثق هذا التساؤل من تشخيص دقيق ومرير لواقع الممارسة السياسية الحالية؛ حيث إن آليات الديمقراطية التمثيلية والتعددية الحزبية وصناديق الاقتراع لم تعد تظهر آثارها الإيجابية في حياة الناس، ولا في سير المؤسسات الدستورية نحو أهدافها المنشودة المتمثلة في سعادة المواطن وقوة الدولة.

وعوض أن تلتزم القوى الحزبية والسياسية بمهام التأطير والتنمية، انصرفت إلى ما يشبه “سيرك الانتخابات”، الذي تحول إلى مزاد علني يباع فيه كل شيء: المروءة، والوطن، والمواطن، والنخب، والتزكيات، والمناصب، وحتى المستقبل. في خضم هذا التيه الحزبي والسياسي، تجد المؤسسة الملكية نفسها تقاتل وحدها، وبفريق عمل قليل العدد، من أجل الحفاظ على السيادة الوطنية، والاستقرار، والوجود المادي للدولة بين أمم ستعصف الحروب والصراعات القادمة بأركان بعضها، محولة شعوبها إلى بؤساء كما حصل تاريخيا في الحربين العالميتين، وما حصل غداة أحداث “الربيع العربي” في جل البلاد العربية من حروب أهلية، وحرابة، ونهب، واغتصاب، وتعذيب، وقتل على الهوية.

إن التحديات الوجودية تفرض الحاجة الماسة لدولة قوية تقود كل شيء: الجيش، والاقتصاد، والمجتمع، والأمن، والاستخبارات، والدبلوماسية، والمشاريع الكبرى. إنها دولة السلم والحرب والعمران التي يجب أن تدار تحت قيادة نظام حكم يرتكز على “ملكية مواطنة” وقائدة وتنفيذية، تعمل بعيدا عن المناكفات الحزبية وتنابزها وأعطابها وعجزها المستحكم، ملكية تقود البلاد متآزرة مع نخبة وطنية “تكنوسياسية” وهبت حياتها للدولة والوطن وتقاليدها وعمرانها الحضاري وهويتها الإسلامية، وسط أعاصير الحروب التي تعصف شرقا وغربا.

سنتناول في هذه المقالة التحليلية، باستفاضة ونقد مركب، بنية النظام السياسي وتطوراته، مفككة آليات استمرارية الدولة عبر استقراء تجربة انتقال 1999، ومقوما لأعطاب الوساطة الحزبية واللعبة الديمقراطية العددية والاحتفائية المعطلة. كما تستشرف المقالة مستقبل هندسة الحكم، مجادلة بأن التحلل من عبء الكائنات الحزبية المعطلة وتكريس التدخل التنفيذي القوي للملكية يمثلان الخلاص الحتمي والفرصة الأخيرة لإنقاذ البلاد، مجتمعا ودولة ونظام حكم، تزامنا مع ترتيبات انتقال الحكم إلى الملك الحسن الثالث.

II. الهندسة الاستراتيجية لانتقال السلطة: استخلاص الدروس من تجربة 1999

لا يمكن بناء استشراف دقيق لمستقبل نظام الحكم في بلادنا دون العودة لتفكيك الآليات الميكانيزمية والسياسية التي أطرت انتقال السلطة في سنة 1999، والذي يعتبر واحدا من أنجح الانتقالات السياسية في التاريخ المعاصر للمنطقة. إن الوثائق والمقاربات الاستخباراتية والسياسية التي أفرج عنها، تؤكد أن ترتيبات هذا الانتقال لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت هندستها منذ بداية الثمانينيات.

1. الترتيبات السياسية والأمنية المبكرة

وفقا للوثائق المفرج عنها، وخاصة التقرير السري لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) رقم 10491 لسنة 1982، فقد بدأ الملك الراحل الحسن الثاني، وهو في سن الثانية والخمسين (سنة 1983)، في وضع اللبنات الأساسية لانتقال العرش إلى ولي عهده الأمير سيدي محمد (الملك محمد السادس)، حيث كانت الرؤية الاستراتيجية للقصر تتمحور حول ضرورة تأمين التحول ضد أي طارئ، سواء كان مرضا أو اغتيالا، عبر تحييد مكامن الخطر السياسية والعسكرية.

في هذا الصدد، اتجهت الآلة المخزنية إلى إحداث توازنات دقيقة داخل الحقل الحزبي أمام محاولة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان يمثل ثقلا جماهيريا ونخبويا للطبقات الحضرية الدنيا والمتوسطة، الضغط على الملكية لإحداث تحول اجتماعي، فكان الرد الذكي للقصر هو جر هؤلاء الاتحاديين في أواخر عهد الملك الراحل إلى تسوية تاريخية أثمرت عن تشكيل “حكومة التناوب التوافقي” في 14 مارس 1998 برئاسة المعارض التاريخي عبد الرحمن اليوسفي، والتي استمرت حتى 7 نوفمبر 2002.

لقد كان الهدف من تسليم حكومة الواجهة السياسية للمعارضة هو جعلها تبارك وتدعم القيادة العسكرية والأمنية للمغرب، وتتحمل جزءا من الكلفة الاجتماعية خلال الفترة الانتقالية الحساسة. وفي مقابل ذلك، تم إقصاء القوى غير القابلة للاستيعاب في تلك المرحلة، حيث لم يعتبر الشيوعيون “علاجا لنظام سيدي محمد”، مما يفسر إخراج شخصيات مثل علي يعتة من واجهة التأثير في ترتيبات الخلافة.

أما على مستوى الطيف الإسلامي، فقد استثمر إدريس البصري، وزير الداخلية القوي آنذاك، جزءا من الحركات الإسلامية ليس فقط لكبح جماح اليسار في الجامعات ومواقع التأثير، بل كدرع قوي للدفاع عن المؤسسة الملكية إبان محاولات التحول، حيث انقسمت الحركات الإسلامية على نفسها، ونجح الملك الراحل في سحق التوجهات الراديكالية، واستطاع توريث صفة “أمير المؤمنين” للملك محمد السادس وسط تأييد وتوافق حتى من قبل خصوم الأمس، ليكون هذا النجاح الباهر ثمرة تخطيط دام لسبعة وعشرين عاما.

2. الإعداد الاستراتيجي والميداني لولي العهد: استنساخ سيناريو 1985

إن قراءة الماضي لا تكتمل إلا بإسقاطها على الترتيبات الحالية، حيث يمثل ضمان استمرارية القيادة العسكرية والأمنية حجر الزاوية في بقاء الدولة المغربية. وفي هذا السياق الدقيق، يأتي تعيين ولي العهد الأمير الحسن كمنسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، كإعادة إنتاج دقيقة وحرفية لسيناريو عام 1985، حين عُين الملك محمد السادس (ولي العهد آنذاك) في المنصب ذاته من طرف والده الراحل الحسن الثاني.

ويحمل هذا التعيين دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز البعد الرمزي أو البروتوكولي؛ فالمنصب يُعد بمثابة “مركز التحكم غير المرئي” داخل المؤسسة العسكرية، وتشمل مهامه ربط وتنسيق كافة المكاتب العسكرية، وتنظيم تدفق المعلومات الاستراتيجية، وضمان انسجام واتساق القرارات بين مختلف مكونات القوات المسلحة الملكية. ويتيح هذا الموقع إدماج ولي العهد بشكل مباشر ويومي في الآلة المعقدة لصنع القرار العسكري والاستراتيجي، مما يمنحه خبرة عملية وميدانية في إدارة الأزمات وبناء الاستراتيجيات من الداخل، بدلا من الاكتفاء بالتكوين النظري.
وإذا كانت تحديات الثمانينيات العسكرية مرتبطة بالسياق الكلاسيكي للحروب وتوازنات الحرب الباردة، فإن شاغل المنصب اليوم يواجه جيلا جديدا ومعقدا من التهديدات. فالبيئة الأمنية المعاصرة تتسم بصعود الحروب السيبرانية، وتكنولوجيا الطائرات المسيرة (الدرونز)، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة القوات الذكية، فضلا عن تحديات أمنية إقليمية تتزايد خطورتها في منطقة الساحل والصحراء، والعداء المستحكم من لدن الجزائر.

إن هذا التموقع العسكري المبكر لولي العهد يبعث برسالتين حاسمتين: رسالة داخلية تؤكد على الاستمرارية المؤسساتية والمناعة الذاتية للدولة العميقة، ورسالة خارجية تعبر عن الاستقرار وقوة الدولة المغربية في التخطيط لمستقبلها السيادي، وعدم ترك الوضع للصدفة أو لتقلبات المزاج الحزبي. إنها خطوة حاسمة في هندسة الانتقال تضمن ولاء وطاعة كبار الضباط والمؤسسة العسكرية برمتها للعرش، استمرارا للعقيدة العسكرية التي رسخها الملك محمد السادس بعد تراجع دور القانونيين لصالح الأمنيين والعسكريين في دوائر القرار الاستراتيجي المحيطة بالقصر.

3. الضمانات الدستورية لانتقال العرش: تفكيك الفصول 43 و44 وهندسة مجلس الوصاية

إلى جانب الترتيبات الأمنية والعسكرية، تكلفت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 بتأطير مرحلة انتقال السلطة بنصوص قطعية تقصي أية هوامش للفراغ الدستوري أو التنازع السياسي، حيث يقرر الفصل (43) من الدستور أن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية الملك محمد السادس، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا، مكرسا بذلك استمرارية الشرعية التاريخية والروابط الدموية التي تؤسس لنظام السلطنة والملكية الوراثية.

غير أن العبقرية الدستورية تتجلى بشكل أوضح في معالجة وضعية الطوارئ المرتبطة بسن الملك، حيث يعالج الفصل (44) هذه الإشكالية بنصه على أن الملك يعتبر غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة الثامنة عشرة من عمره، وإلى أن يبلغ هذا السن، يمارس “مجلس الوصاية” اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية، باستثناء ما يتعلق بمراجعة الدستور، على أن يستمر المجلس في عمله كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره. ولضمان عدم تحول هذه الفترة الانتقالية إلى مطية للصراعات الحزبية أو التجاذبات السياسية، تمت صياغة تركيبة “مجلس الوصاية” بدقة بالغة بموجب القانون التنظيمي رقم 90.15. وببلوغه السن القانوني، فإن ولي العهد قد تجاوز مقتضيات تفعيل عمل مجلس الوصاية عند وفاة الملك، ليصبح ملكا مباشرة بحكم الدستور والشرعية التاريخية.

إن التدقيق في هذه التركيبة المندمجة يوضح أنها لا تمثل فقط آلية قانونية لحماية شخص الملك القاصر، بل هي تجسيد مادي لتكتل جميع روافد الدولة العميقة (القانونية، السياسية، القضائية، والدينية) لضمان عبور آمن لأية مرحلة انتقالية. إنها مؤسسة لدرء الأزمات بامتياز، تمنع انفراد أية جهة بالقرار السيادي، وتؤطر الفاعلين الحزبيين ضمن مسار مرسوم سلفا. وكما ينص القانون التنظيمي 90.15، يصدر المجلس قراراته بمثابة أوامر في شكل ظهائر، مما يضمن سيرورة السيادة دون توقف أو إرباك.

III. الديمقراطية المعطلة وتآكل الوساطة الحزبية: من التأطير إلى الريع

مقابل هذه المناعة المؤسساتية العالية للملكية، يعيش المشهد الحزبي والسياسي في بلادنا أزمة بنيوية خانقة تنذر بانهيار الثقة المجتمعية في كل ما يمت بصلة للديمقراطية التمثيلية. إننا أمام لعبة ديمقراطية معطلة تحولت لمسلسل لا ينتهي، ولديمقراطية باتت هدفا للتضليل والتخدير السياسي للناخبين، ومناسبة لتبادل الريع واستباحة المال العام.

وتعتبر الأحزاب السياسية، في النظرية الدستورية والديمقراطية (كما لدى هانز كيلسن)، المحرك الجوهري للعملية الديمقراطية وحلقة الوصل لتمثيل الإرادة الشعبية وتأطير المواطنين. لكن الواقع ببلادنا يكشف عن تشوه عميق في هذه الوظيفة. لقد بينت تقارير ودراسات “مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية” (CERSS) بالرباط، والذي يصنف كأول مركز بحثي مغاربي والـ 11 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن الحقل الحزبي خضع لهيمنة تاريخية لوزارة الداخلية، من التأسيس حتى التدبير الإداري والحل، وقد أفضت هذه الهيمنة، بالإضافة إلى الانتهازية الداخلية للنخب، إلى إفراغ الأحزاب من حمولتها الإيديولوجية وبرامجها التنموية.

كما تحولت الانتخابات إلى محطات زمنية يتناوب فيها بعض النخب، التي شابتها شبهات الفساد وتضارب المصالح، وتكرس فيها منطق “الترحال السياسي” وغياب الالتزام والتعاقد الأخلاقي بين المنتخب والمواطنين. وقد اقترحت دراسات المركز ضرورة إدراج تعديلات دستورية وقانونية صارمة تسقط المقاعد البرلمانية عن ممارسي الترحال لضمان حد أدنى من المصداقية، إلا أن الممارسة الواقعية استمرت في إنتاج نفس الأعطاب.

في هذا السياق، يتنامى شعور العزوف وتآكل الثقة السياسية لدى فئة الشباب بشكل خاص، كما تؤكد المبادرات الحوارية الميدانية أن أزمة الثقة بين الشباب والسياسة لا تعالج بالشعارات، وأن جل الأحزاب أصبحت عاجزة عن استيعاب النقد والاختلاف، مما يعيق تجديد النخب ويهمش الكفاءات لصالح الولاءات العائلية والمصلحية. إن هذا الواقع يؤسس لانهيار “النسيج الوطني للوساطة”، ويجعل من الديناميات الاحتجاجية (مثل حراك 20 فبراير وحراك الريف وحراك “جيل زد”) تعبيرا مباشرا عن غياب فضاء مؤسساتي قادر على استيعاب وتأطير غضب الشارع.
ومع توالي المحطات الانتخابية، منذ صعود حزب العدالة والتنمية عقب التعديلات الدستورية لسنة 2011، ثم تراجعه الكاسح وتشكيل الأغلبية الحكومية الحالية بقيادة التجمع الوطني للأحرار، تبين أن الحكومات تكتفي بإدارة أزماتها الداخلية، وأن المشهد يخيم عليه “زواج الضرورة” بين مكونات الأغلبية، وتشتت تام في صفوف المعارضة. هذا العقم الحزبي ترك حياة المواطنين جامدة لا تتغير، بل تتقهقر أمام توالي الأزمات الاقتصادية وتداعيات جائحة كوفيد-19، مما رسخ القناعة بأن صناديق الاقتراع لا تفرز مؤسسات قادرة على إحداث الفارق في حياة الناس.

IV. السياق الجيوسياسي ومخاطر الانهيار: الحاجة الوجودية لدولة قوية

إن العجز المستحكم لجل الأحزاب السياسية لا يشكل مجرد مشكلة داخلية، بل يمثل تهديدا وجوديا بالنظر إلى التحديات الجيوسياسية العالمية والإقليمية التي تحيط ببلادنا. إن الأمم اليوم تقف على شفا حفرة من حروب وصراعات ستعصف بأركانها، محولة شعوبها إلى بؤساء كما حصل في الحربين العالميتين وقبلهما، وما شهدته المنطقة غداة أحداث “الربيع العربي” من مآس إنسانية فظيعة شملت حروبا أهلية، ونهبا، واغتصابا، وتعذيبا، وقتلا على الهوية وتفتيتا للكيانات الدولتية.

إن بلادنا لا تعيش في معزل عن هذا المحيط المشتعل؛ فالمنطقة المغاربية والساحل الإفريقي تعجان بالتهديدات، وهناك عداء جيوسياسي مستحكم من لدن المؤسسة العسكرية في الجزائر وحلفائها في القادرة الإفريقية، خاصة جنوب إفريقيا، وبعض العواصم العربية والأوروبية، واستمرار للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، ناهيك عن انهيار دول الساحل، مالي نموذجا والوضع المضطرب في السينغال، وتحولها إلى مرتع للجماعات المسلحة والتدخلات العسكرية الأجنبية. في خضم هذه الأعاصير، لا يمكن الركون إلى “أحزاب مقاس” منشغلة بتبادل الاتهامات والمناصب لتأمين بقاء الدولة.

إن استمرار اللعبة السياسية العبثية، المبنية على التحكيم التكتيكي بين لاعبين حزبيين لا يحترمون قواعد اللعبة الديمقراطية ولا يلتزمون بأخلاقها وأهدافها، سينتهي حتما بانهيار كل شيء: السلم الاجتماعي، واستقرار الدولة، وتعرض نظام الحكم لمكر التاريخ، ولو بعد حين. لذلك، تبرز الحاجة الوجودية الملحة لدولة قوية تقود كل شيء. دولة تتحكم بزمام الجيش، والاقتصاد، والمجتمع، والأمن، والاستخبارات، والدبلوماسية، والمشاريع الكبرى والعلاقات الدولية. هذه القيادة لا يمكن أن تتوفر إلا تحت نظام حكم يتمثل في “الملكية”، ليس كحكم للترضيات الحزبية، بل كملكية تنفيذية وقائدة تضع السيادة والسلم الاجتماعي فوق كل اعتبار.

V. تفكيك سردية “الملكية البرلمانية” ومركزية “الملكية التنفيذية الحاكمة”

شكلت التعديلات الدستورية لسنة 2011 محطة مفصلية أعادت ترتيب العلاقة بين المؤسسة الملكية وباقي الفاعلين، استجابة لزخم الحراك الشعبي الإقليمي والمحلي. وفي غمرة هذا النقاش، تعالت أصوات من داخل الأحزاب السياسية، خاصة ذات المرجعية اليسارية والإسلامية، تنادي بإقرار “الملكية البرلمانية” كأفق للتحول الديمقراطي. يستند هذا المطلب، في الفقه الدستوري المقارن، إلى نموذج يكون فيه الملك رمزا يسود ولا يحكم، بينما تتركز السلطة التنفيذية والتشريعية في يد رئيس الحكومة المنبثق عن الأغلبية البرلمانية، والذي يتعاقد مع الشعب لتنفيذ برامجه.

إلا أن التحليل العميق للوثيقة الدستورية، ولطبيعة الممارسة السياسية وتاريخ السلطنة في بلادنا، يكشف عن اصطدام هذا المطلب بجدار “الخصوصية المغربية” وضرورات الاستقرار. فالمؤسسة الملكية تلعب دورا محوريا، يستمد جذوره من نظام السلطنة الذي تمأسس منذ عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، مرتكزا على الإرادة السلطانية والبيعة الشرعية التي لا يحدها أو يقيدها بالكامل أي جهاز تنفيذي آخر. وعلى الرغم من تفويض جزء كبير من الصلاحيات لرئيس الحكومة بموجب دستور 2011، ظلت الملكية تحصن نفسها بترسانة من الصلاحيات الحصرية التي تجعل منها “ملكية تنفيذية” فعلية وليست شكلية.

يتضح من هذا أن الهندسة الدستورية لم تتخل عن منطق “الملكية الحاكمة”، بل إن العمق السياسي لهذا المفهوم ينطلق من أسبقية وسمو المؤسسة الملكية، الملتزمة بـ “تعاقد تاريخي” أعمق من الدستور المكتوب، والمتمثل في صون الوحدة الترابية والهوية الحضارية للأمة. إن دعاة “الملكية البرلمانية” يتناسون أن تسليم مفاتيح الدولة بالكامل لأحزاب تعاني من الهشاشة والعقم التنظيمي والإفلاس الأخلاقي، سيعني تعريض الأمن القومي للدولة للاختراق والارتهان لمنطق المساومات، وهو ما اعتبره باحثون ومفكرون مخاطرة تفتقد للعمق الاستراتيجي.

فالخلاص لا يكمن في تقزيم دور الملكية لتكتفي بلعب دور التحكيم بين لاعبين غير ملتزمين برهانات الدولة وانتظارات الشعب، بل في تدخلها المباشر والقوي لتحكم وتوجه بوصلة النهضة. إن التطور الديمقراطي يجب أن يتم في ظل ملكية ضامنة وقائدة، تحمي حقوق المواطنين وتضمن استمرار المشاريع الكبرى دون الارتهان للإيقاع الانتخابي البطيء والمتذبذب.

VI. البديل الاستراتيجي: صعود النخبة “التكنوسياسية” وخيار الإنجاز

أمام انسداد أفق الوساطة الحزبية، وعجز المنتخبين عن مواكبة الدينامية الملكية في إطلاق الأوراش الكبرى، اتجهت الدولة نحو تفعيل مسار مواز يعتمد على “النخب التكنوقراطية”، أو ما نسميه بالنخبة “التكنوسياسية”. هذا الخيار ليس بدعة مستجدة، بل هو امتداد تاريخي للدور الذي لعبه “الفقيه” و”الكاتب السلطاني” كأدوات تكنوقراطية في النظام المخزني التقليدي، لتدبير شؤون الدولة بكفاءة وخبرة.

لقد برزت معالم هذا التحول بقوة في مطلع الألفية الثالثة، حين انتهت تجربة التناوب الديمقراطي بتعيين التكنوقراطي إدريس جطو وزيرا أولا خلفا لليوسفي، حيث كان هذا القرار إيذانا بانتهاء مرحلة تدبير الانتقال السياسي عبر الإدماج الحزبي، والبدء في مرحلة إعادة ضبط المجال العام وفق معايير الفعالية والتدبير الإداري والاقتصادي المباشر.

اليوم، وفي ظل حكومة عزيز أخنوش (المشكلة عقب انتخابات 2021)، تكرس هذا النهج بشكل أوضح، حيث أسندت أهم حقائب السيادة، والتي تدير الشرايين الحيوية للدولة، إلى وزراء تكنوقراط لا انتماء حزبي لهم، مثل وزارة الداخلية (عبد الوافي لفتيت)، ووزارة الخارجية (ناصر بوريطة)، ووزارة الأوقاف (أحمد التوفيق)، والأمانة العامة للحكومة (محمد الحجوي)، وإدارة الدفاع الوطني (عبد اللطيف لوديي). أكثر من ذلك، لجأت الدولة إلى استقطاب كفاءات تكنوقراطية و”صبغها” بالألوان الحزبية للضرورة الهيكلية، حيث تم تعيين شكيب بنموسى، ومحسن جازولي، وفوزي لقجع في وزارات التربية الوطنية، الاستثمار، والميزانية على التوالي، وهم في الجوهر شخصيات تقنية وإدارية عليا تنفذ الرؤية الاستراتيجية للقصر.

إن هذا الاعتماد المتزايد على النخبة “التكنوسياسية” يمثل استجابة حتمية لتعقد إدارة الشأن العام، فالتحديات المرتبطة بالتنمية المستدامة، وفتح الاستثمارات الأجنبية، وتدبير الأزمات الصحية (كجائحة كورونا)، وإدارة ملف قضيتنا الوطنية والدبلوماسية الهجومية، تتطلب بيانات، وفهم عميق للواقع الدولي، ومؤشرات، وخبرة تقنية دقيقة لا تمتلكها النخب الحزبية الغارقة في الشعبوية والمزايدات. هذه النخبة “التكنوسياسية” الجديدة يجب أن تهب نفسها للدولة، وتعمل بتنسيق مباشر مع المحيط الملكي لتنزيل النموذج النهضوي الجديد، متجاوزة بطء المساطر البرلمانية المعتادة والمشاريع التنموية الظرفية والتوافقية، وهو ما يعزز مكانة الاقتصاد الوطني، ويجذب استثمارات الشركات والمؤسسات الدولية وفق شروط الإدارة الحديثة.

VII. “الملكية المواطنة”: صمام الأمان والتعاقد الاجتماعي المباشر

توازيا مع تحصين بنية الدولة بأجهزة أمنية تعمل برؤية تجمع بين الاحتياجات المحلية والتطورات “الجيو-أمنية” الدولية والإقليمية وبـ “التكنوسياسيين”، طورت المؤسسة الملكية فلسفة حكم متقدمة تقوم على مفهوم “الملكية المواطنة”. هذا المفهوم يعكس تصورا يتجاوز المهام التقليدية والبروتوكولية نحو الانخراط الفعلي والملموس في خدمة المواطن والاستماع لهمومه ولتطلعات الدولة خارج الحدود، مؤسسا لتعاقد اجتماعي مباشر يتجاوز الوسائط الحزبية التي فقدت مصداقيتها.

فمنذ اعتلائه العرش، أبان الملك محمد السادس عن حضور قوي في تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، مبتعدا عن العزلة في الأبراج العاجية، حيث تجسدت الروح المواطنة للملكية عبر مبادرات كبرى استهدفت جبر الضرر الاجتماعي، انطلاقا من إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) لانتشال الفئات الهشة، وصولا إلى الورش الملكي الضخم الرامي إلى تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية لكافة المغاربة.

إن الملكية المواطنة تعي جيدا خطورة الفقر والتهميش على استقرار الدولة، وكما جاء في أحد الخطابات الملكية: “يعلم الله أنني أتألم شخصيا، ما دامت فئة من المغاربة، ولو أصبحت واحدا في المائة، تعيش في ظروف صعبة…”. هذا الانخراط العاطفي والمؤسساتي يجعل المواطن يشعر بأن العرش هو الملاذ الأخير والحامي الفعلي لحقوقه عندما تتخلى عنه الحكومات الحزبية.

VIII. ترتيبات العهد القادم وحتمية التدخل الملكي

مما سبق استعراضه وتفكيكه من معطيات تاريخية، ودستورية، وسياسية، يمكن الجزم بأن المخاوف المتعلقة بانتقال نظام الحكم في المغرب لا تجد لها سندا في الواقع المؤسساتي والأمني المحكم الذي تبنيه الدولة يوما بعد يوم. إن انتقال العرش مستقبلا إلى الملك الحسن الثالث، كما كان الشأن في عهد الملك محمد السادس، مؤطر بضمانات دستورية متينة (الفصلان 43 و44 ومجلس الوصاية)، وبرؤية استراتيجية عميقة تجلت بوضوح في إدماج ولي العهد في قلب القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، مستنسخة أعظم تجارب الاستمرارية والتمرس على قيادة الدولة في الحرب والسلم.

بيد أن الخطر الحقيقي على استمرارية الدولة واستقرارها لا يكمن في الآليات العليا لانتقال العرش، بل في البنية التحتية للممارسة السياسية. إن الاستمرار في مسايرة لعبة الديمقراطية التمثيلية المعطلة، والارتهان لنخب حزبية يعاني جلها من الإفلاس التنظيمي وتحركها نزعات الريع وتكريس المصالح الشخصية، ينذر بعواقب وخيمة. فهذه الأحزاب، جلها، حرفت بوصلتها من خدمة المجتمع ومساعدة الدولة إلى خدمة طبقتها الطفيلية، مما كرس حالة من الجمود والتراجع في حياة المواطنين، وغذى ديناميات الاحتجاج والعزوف. ففي ظل التحديات الجيوسياسية القاهرة، من بؤر التوتر المشتعلة في الساحل الإفريقي، إلى العداء الجزائري، وصولا إلى تحولات النظام العالمي التي تنذر بحروب مدمرة، لم يعد هناك مجال لاستمرار هذه “اللعبة العبثية”. إنه يتحتم على الملكية، وباعتبارها الضامن الأسمى لسيادة الأمة وكيانها، أن تتحلل من عبء هذه الكائنات الحزبية المعطلة للنهضة والإبداع والعمران.

الخلاص والسبيل الوحيد لإنقاذ البلاد، مجتمعا ودولة ونظام حكم، يكمن في تولي الملكية مهمة القيادة التنفيذية الشاملة والواضحة، مدعومة بنخبة وطنية “تكنوسياسية” ذات كفاءة ومروءة، مخلصة للوطن ولتراثه. هذه النخبة، المكونة من خبراء أمنيين واقتصاديين ومهندسين ودبلوماسيين وسياسيين وتكنوقراط ورجال دولة، هي الأقدر على تنزيل المشاريع التنموية الكبرى، وحماية الأمن القومي، وترسيخ أسس “الملكية المواطنة” التي تضع سعادة المواطن وكرامته ورسوخ الدولة وعلو شأنها فوق كل اعتبار. إن فترة التحضير لانتقال الحكم إلى الملك الحسن الثالث تمثل الفرصة الاستراتيجية الأخيرة لإرساء قواعد دولة قوية ومتحررة من مسرحيات السياسة الفاشلة؛ دولة تستمد شرعيتها من الإنجاز الميداني، والتحام العرش بالشعب من جديد، بعيدا عن ديمقراطية التخدير والمزاد العلني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *