وجهة نظر

عندما تصبح الوساطة والمصالحة أفضل من التقاضي

الفكرة الأساسية 

يقوم هذا المقال على الدعوة إلى ترسيخ ثقافة الصلح والوساطة باعتبارهما وسيلتين فعالتين لتعزيز السلم المجتمعي وحل النزاعات بطرق ودية، مع التأكيد على الاحترام الكامل لدور القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، باعتبارهما الجهتين المختصتين بتطبيق القانون وضمان سيادته. وفي المقابل، فإن توسيع نطاق اللجوء إلى الوساطة والتوفيق، في الحالات التي يجيزها القانون، من شأنه أن يسهم في إيجاد حلول سريعة وعادلة للعديد من النزاعات، والحد من تفاقم الخلافات، وتخفيف العبء عن المحاكم، وتسريع وتيرة الفصل في القضايا، بما يحقق العدالة الناجزة ويخدم مصلحة المجتمع المغربي. وتخفيف العبء عن المحاكم.

نص المقال الكامل  

لا يختلف اثنان على أن القضاء هو صمام أمان المجتمع، وهو الملاذ الذي يلجأ إليه المواطنون لحماية حقوقهم وحسم النزاعات وفق القانون. غير أن المتتبع لواقع المحاكم في المغرب، كما هو الحال في عدد من الدول العربية والإسلامية، يلاحظ الكم الهائل من القضايا المعروضة أمامها، حتى أصبحت رفوف المحاكم تعج بالملفات، وأصبح المتقاضون ينتظرون أشهراً، بل وأحياناً سنوات، قبل صدور الأحكام النهائية.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل كل هذه القضايا كان لابد أن تصل إلى المحاكم؟

في اعتقادي، الجواب هو: لا.

فالكثير من النزاعات تبدأ بسيطة جداً، ويمكن أن تنتهي في ساعات أو أيام قليلة إذا وجد العقلاء، وسادت الحكمة، وتوفرت الإرادة الصادقة للإصلاح بين الناس. لكن ما يحدث في بعض الأحيان هو العكس تماماً، إذ يتدخل أشخاص بدلاً من أن يطفئوا نار الخلاف، يزيدونها اشتعالاً، فيشجعون أحد الطرفين على التصعيد بعبارات من قبيل: “لا تتنازل عن حقك”، “ارفع عليه دعوى”، “دعه يندم”، “المحكمة ستنصفك”. وهكذا تتحول مشكلة بسيطة كان يمكن حلها بالحوار إلى نزاع قضائي قد يستمر سنوات.

ولنأخذ أمثلة من الواقع: خلاف بين جارين بسبب حدود قطعة أرض، أو شجار بسيط بين شخصين، أو نزاع بين أفراد من العائلة حول الإرث، أو خلاف بين تاجر وزبون، أو سوء تفاهم بين شريكين. كثير من هذه القضايا يمكن أن تُحل بجلسة صلح، أو بوساطة أشخاص مشهود لهم بالحكمة، أو من خلال آليات الوساطة التي يقرها القانون، دون الحاجة إلى سنوات من التقاضي.

ولا يقتصر الأمر على المتخاصمين ومن يحيط بهم، بل إن المجتمع كله مدعو إلى ترسيخ ثقافة الإصلاح. كما أن من المفيد تعزيز آليات الوساطة والتوفيق في مختلف المراحل التي يسمح بها القانون، حتى تُمنح الأطراف فرصة حقيقية للتفاهم قبل أن تتحول الخلافات إلى دعاوى قضائية طويلة.

إن القضاء يجب أن يتفرغ للقضايا التي تستوجب بالفعل الفصل القضائي، كالقضايا الجنائية الخطيرة، والنزاعات القانونية المعقدة، والقضايا التي يتعذر فيها الوصول إلى اتفاق. أما الخلافات البسيطة، فمن مصلحة الجميع أن تُحل بالحوار والوساطة والمصالحة متى كان ذلك ممكناً.

ولذلك، فإن نشر ثقافة الصلح ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو خيار حضاري يخفف العبء عن المحاكم، ويقلل من كلفة التقاضي، ويحافظ على العلاقات الأسرية والاجتماعية، ويحد من الاحتقان والكراهية بين الناس.

مقترحات وتوصيات

🔹نشر ثقافة الحوار والوساطة داخل المجتمع، بدءاً من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام.

🔹تشجيع الأطراف المتنازعة على اللجوء إلى الصلح قبل رفع الدعوى كلما كان ذلك ممكناً قانوناً.

🔹تعزيز دور مراكز الوساطة والتحكيم وتوسيع الاستفادة منها.

🔹تنظيم حملات توعية تبين مزايا الحلول الودية مقارنة بالتقاضي الطويل.

🔹تشجيع المحامين، في القضايا المناسبة، على السعي أولاً إلى إيجاد حلول توافقية تحقق مصلحة موكليهم وتحافظ على العلاقات الاجتماعية.

🔹توفير تكوين مستمر في تقنيات الوساطة وحل النزاعات لفائدة مختلف المتدخلين في هذا المجال.

🔹ترسيخ ثقافة التسامح والتنازل المتبادل، لأن التنازل أحياناً عن جزء يسير من المصلحة قد يجنب الجميع سنوات من النزاع والخسائر.

إن المجتمع الذي تنتشر فيه ثقافة الصلح هو مجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً. والقضاء سيظل دائماً الضامن للحقوق وسيادة القانون، لكن نجاح المجتمع لا يقاس بعدد القضايا المعروضة على المحاكم، بل بقدرته على حل أكبر عدد ممكن من خلافاته بالحكمة والحوار والوساطة، في إطار القانون واحترام حقوق جميع الأطراف.

أعتقد أن هذه الفكرة تستحق أن تتحول إلى ورش وطني، لأن تخفيف العبء عن المحاكم لا يتحقق فقط بتوفير المزيد من القضاة والمحاكم، وإنما أيضاً ببناء ثقافة مجتمعية تجعل الصلح هو الخيار الأول، والتقاضي هو الحل الأخير عندما تستنفد كل فرص التوافق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *