وجهة نظر

ديمقراطية بلا ديموس: نحو تفعيل المخيال الديمقراطي وإعادة تأسيس الفعل السياسي

تتردّد في الخطاب الفرنسي عبارة «فرنسا ديمقراطية» بوصفها حقيقة نهائية لا تحتاج إلى برهان. هذا التكرار البافلوفي لا يعبّر عن يقين سياسي بقدر ما يعبّر عن جمودٍ مخيالي يجعل من الديمقراطية شعارًا أكثر منها بنيةً قابلة للفحص. وبصفتي مراقبًا غير فرنسي، لا أجد في هذه العبارة سوى آلية لغوية تُستخدم لإخماد السؤال بدل فتحه. لذلك، لا أتعامل معها بوصفها حقيقة، بل بوصفها مادة للتحليل.

فالادعاء بأن فرنسا ديمقراطية يفترض وجود ديموس فاعل، أي جماعة سياسية تمتلك القدرة على الحكم الذاتي. لكنّ النظام الانتخابي الفرنسي يقوم على مسلّمة أنثروبولوجية مضادة: الشعب غير مؤهّل للحكم، ويجب أن يُسلَّم إلى نخبة تُمنح صفات استثنائية تبرّر سلطتها. يُقدَّم المنتخب ككائن فوق-اجتماعي: كفاءة خارقة، نزاهة مطلقة، وحرص أسطوري على المصلحة العامة. غير أنّ هذه الرواية، حين تُعرض على المواطنين، لا تُنتج احتجاجًا، بل تُنتج ضحكًا. والضحك هنا ليس سخرية سياسية، بل إعلان موتٍ رمزيّ للمخيال الذي يمنح المنتخب شرعيته.

هذا الضحك هو لحظة انصراف مفهومي: الجماعة لا تثور، بل تكفّ عن الاعتقاد في الأسس التي يقوم عليها النظام. وهكذا يتفتّت الأساس الأنثروبولوجي للديمقراطية التمثيلية، لا عبر الثورة، بل عبر انسحابٍ هادئ ينسف البنية من جذورها. ما نراه اليوم ليس أزمة عابرة، بل تفكّك نظام لم يعد قادرًا على تبرير نفسه.

الدولة كاحتكار للشرعية: انهيار الجهاز الأيديولوجي

من منظور نظرية الدولة، يتبيّن أن عبارة «فرنسا ديمقراطية» ليست وصفًا للواقع، بل ممارسة سلطوية تهدف إلى احتكار تعريف الشرعية. الدولة، كما يصفها فيبر، لا تحتكر العنف فحسب، بل تحتكر أيضًا تعريف ما هو شرعي. حين تقول الدولة إنها ديمقراطية، فهي لا تصف نفسها بقدر ما تفرض على الجماعة طريقةً محدّدة لتخيّل ذاتها.

النظام الانتخابي يعمل كجهاز أيديولوجي بالمعنى الألتوسيري: فهو ينتج صورةً عن المنتخب باعتباره كائنًا استثنائيًا، ويُنتج في المقابل صورةً عن الشعب باعتباره غير مؤهّل للحكم. هذه الثنائية ليست بريئة؛ إنها شرطٌ لاستمرار النظام. لكنّ الضحك الشعبي يسحب من النخبة رأس مالها الرمزي، فينهار الجهاز الأيديولوجي الذي كان يبرّر التمثيل.

ومع فوكو، يمكن فهم الديمقراطية الانتخابية بوصفها تقنية لإدارة السكان أكثر منها آلية للسيادة الشعبية. الدولة تنظّم المشاركة، وتضبط المجال السياسي، وتحدّد ما يمكن اعتباره فعلاً سياسيًا مشروعًا. لكن حين ينسحب الديموس من هذا التنظيم، يصبح النظام الانتخابي جهازًا بلا جمهور، بلا اعتقاد، بلا شرعية.

الفعل السياسي: من التعطيل إلى التأسيس

نظرية الفعل السياسي تكشف أن ما يحدث ليس مجرّد أزمة تمثيل، بل أزمة قدرة جماعية على الفعل. الفعل السياسي، في جوهره، ليس التصويت ولا الاحتجاج، بل القدرة على التدخّل في تحديد قواعد العيش المشترك. حين يضحك المواطنون، فهم لا ينسحبون من السياسة، بل يمارسون فعلاً سياسيًا مضادًا: فعلاً يعطّل اللعبة بدل أن يشارك فيها.

الفعل السياسي التمثيلي يتفكّك حين يفقد الناس ثقتهم في قنواته. التصويت يصبح طقسًا إداريًا، والتمثيل يصبح تقنية حكم، والسيادة تتحوّل إلى خطاب فارغ. الضحك هنا هو لحظة إعلان أن الممكن السياسي لم يعد ما تقوله الدولة، بل ما تتخيّله الجماعة خارج مؤسساتها.

بهذا المعنى، تفعيل المخيال الديمقراطي هو فعل سياسي تأسيسي: إنه ليس إصلاحًا للنظام الانتخابي، بل إعادة ابتكار الفعل السياسي نفسه. إنه انتقال من المشاركة في قواعد جاهزة إلى ابتكار قواعد جديدة. إنه عودة الديموس إلى دوره الأصلي: ليس كجمهور يُمثَّل، بل كجماعة تُؤسّس.

نحو مخيال ديمقراطي جديد

إعادة تفعيل المخيال الديمقراطي لا تعني التعلّق بصورة مثالية، بل تعني استعادة القدرة التأسيسية للجماعة — القدرة على ابتكار نظام آخر، أو تعديل القائم جذريًا، أو إعادة تعريف السيادة من أساسها. الديمقراطية ليست حالة؛ إنها فعل تأسيسي مستمر. إنها لا توجد إلا حين يجرؤ الشعب على الاعتقاد بأنه قادر على صياغة قواعده بنفسه.

الديمقراطية الفرنسية، كما يكشف هذا التحليل، ليست ديمقراطية ناقصة، بل ديمقراطية بلا ديموس. إنها دولة فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية، ونظام انتخابي فقد المخيال الذي يمنحه معنى. الضحك الشعبي ليس انسحابًا، بل هو فعل سياسي يعيد فتح الممكن الديمقراطي.

ربما تكون هذه اللحظة، أخيرًا، مناسبة لنبدأ من جديد في التخيّل: لا لترميم ما تهالك، بل لتأسيس ما لم يوجد بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *