وجهة نظر

مئوية تفتيش الشغل بالمغرب (1926-2026)

قرن من الإسهام في بناء الدولة الاجتماعية ومواكبة التحولات الاقتصادية وترسيخ دولة الحق والقانون

تقديم عام:

تكتسي سنة 2026 دلالة خاصة في تاريخ التشريع الاجتماعي المغربي، إذ تصادف مرور مئة سنة على إرساء جهاز تفتيش الشغل بالمغرب، باعتباره إحدى أقدم المؤسسات الإدارية التي ارتبط وجودها بتنظيم العلاقات المهنية. فمنذ إحداثه بموجب ظهير 13 يوليوز 1926 المنشور بالجريدة الرسمية رقم 725 ظل هذا الجهاز يواكب مختلف التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، متأثرا بتطور التشريع الاجتماعي، وبالتحولات الاقتصادية، وبالتزامات المغرب الدولية، إلى أن أصبح اليوم أحد أهم الفاعلين في تنفيذ السياسة العمومية في مجال الشغل وتعزيز السلم الاجتماعي. ولا تمثل هذه المئوية مجرد مناسبة لاستحضار الإرث التاريخي لهذه المؤسسة، بل تشكل فرصة لإعادة تقييم مسارها المؤسساتي، وقياس قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها عالم الشغل، واستشراف آفاق تطويرها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة.

وقد جاء إحداث جهاز تفتيش الشغل في سياق دولي اتسم بتعاظم الاهتمام بحماية الأجراء عقب إنشاء منظمة العمل الدولية سنة 1919، وما رافق ذلك من إقرار مبادئ تدعو إلى إرساء أجهزة وطنية تتولى السهر على التطبيق الفعلي للتشريعات الاجتماعية، باعتبار أن فعالية القانون لا تتحقق بمجرد سن قواعده، وإنما بوجود مؤسسات تضمن احترامها وإنفاذها. ومن هذا المنطلق، شكل جهاز تفتيش الشغل منذ نشأته أداة لتكريس الشرعية القانونية داخل أماكن العمل، وحلقة وصل بين التشريع والواقع العملي، بما يحقق التوازن بين حماية الأجراء وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.

وقد عرف المغرب، خلال العقود الأخيرة، تحولات دستورية واقتصادية واجتماعية عميقة، توجت بإقرار دستور سنة 2011، الذي كرس في تصديره وفي عدد من مقتضياته خيار دولة الحق والقانون، وربط التنمية بصيانة الحقوق والحريات، وأقر مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما عزز مكانة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجعل من العمل اللائق، والعدالة الاجتماعية، والحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي، مرتكزات أساسية لبناء نموذج تنموي أكثر إنصافا. وقد ازدادت أهمية هذه المقتضيات مع إطلاق الأوراش الملكية الكبرى، وفي مقدمتها ورش تعميم الحماية الاجتماعية وترسيخ الدولة الاجتماعية وفق النموذج التنموي الجديد، وهو ما ألقى على عاتق جهاز تفتيش الشغل مسؤوليات متجددة تتجاوز الرقابة التقليدية إلى الإسهام في تنزيل السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي، وضمان الامتثال للتشريع الاجتماعي، وتعزيز الأمن القانوني داخل المقاولة.

ويأتي هذا التحول في ظل بيئة مهنية تتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة التغير، بفعل العولمة، والاقتصاد الرقمي، وظهور أشكال جديدة للتشغيل، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وتزايد متطلبات الامتثال للمعايير الدولية للعمل، الأمر الذي جعل من جهاز تفتيش الشغل فاعلا استراتيجيا في تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الاجتماعية، وتعزيز تنافسية المقاولة، ودعم جاذبية الاستثمار.

المحور الأول: تفتيش الشغل بالمغرب: مئة سنة من البناء القانوني والمؤسساتي

يشكل الاحتفاء بمئوية تفتيش الشغل بالمغرب (1926-2026) مناسبة مؤسساتية لاستحضار المسار التاريخي الذي قطعه هذا الجهاز، واستجلاء مكانته ضمن البنية الإدارية والقانونية للدولة. فمرور قرن على إحداث جهاز تفتيش الشغل لا يعكس مجرد استمرارية مرفق إداري، وإنما يجسد تطور مؤسسة لعبت أدوارا متنامية في حماية الحقوق الاجتماعية، وضمان احترام تشريع الشغل، والمساهمة في تحقيق التوازن داخل سوق الشغل. ومن ثم، فإن دراسة البناء القانوني والمؤسساتي لهذا الجهاز تقتضي تجاوز البعد التاريخي الوصفي، للوقوف على التحولات التي عرفتها وظائفه وموقعه داخل منظومة الحكامة الاجتماعية كموضوع حديث في أدبيات قانون الشغل.

لقد ارتبط إحداث جهاز تفتيش الشغل بالمغرب بالسياق الدولي الذي شهد بروز الحاجة إلى آليات فعالة لضمان احترام تشريعات الشغل، في إطار المبادئ التي أرستها منظمة العمل الدولية. وفي هذا الإطار، لم يكن ظهور هذه المؤسسة مجرد استجابة لمتطلبات تنظيمية داخلية، وإنما جاء نتيجة انخراط المغرب في المنظومة الدولية للشغل، ومصادقته على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، الأمر الذي جعل وظيفة مفتش الشغل من الوظائف القليلة التي يستمد تنظيمها وأهدافها من المرجعية الدولية قبل الوطنية. كما أضحت هذه المؤسسة إحدى الآليات التي يقاس بها مدى احترام الدولة لالتزاماتها في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، سواء أمام أجهزة منظمة العمل الدولية أو في إطار آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

ولا تقتصر خصوصية جهاز تفتيش الشغل على مرجعيته القانونية الدولية، بل تمتد إلى طبيعته المؤسساتية باعتباره جهازا يمارس اختصاصاته باستقلالية عن مختلف أشكال التأثير أو التدخل، بما ينسجم مع المبادئ التي كرستها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. ويضم هذا الجهاز، إلى جانب مفتشي الشغل، مهندسي وأطباء الشغل، الذين يمارس كل منهم اختصاصاته في نطاق تكاملي يهدف إلى حماية بيئة العمل وضمان احترام التشريع الاجتماعي. وتبرز هذه الخصوصية أن البناء المؤسساتي للجهاز لم يقم على تصور إداري تقليدي، وإنما على تصور وظيفي يجعل منه مؤسسة متعددة الاختصاصات، تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والتقنية والاجتماعية والصحية.

وعلى امتداد قرن من الزمن، عرف جهاز تفتيش الشغل تحولات عميقة مست بنيته القانونية والمؤسساتية، تماشيا مع تطور التشريع الاجتماعي وتوسع تدخل الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي. فبعد أن ارتبط دوره في بداياته بمراقبة احترام القواعد الأساسية للعمل، اتجه تدريجيا نحو الاضطلاع بمهام أكثر تعقيدا، فرضتها التحولات التي عرفها سوق الشغل وتزايد الرهانات المرتبطة بالحماية الاجتماعية والسلم الاجتماعي والاستثمار. وأصبح هذا الجهاز أحد المكونات الأساسية للدولة الاجتماعية الحديثة، بالنظر إلى ما يضطلع به من أدوار وقائية وتنظيمية ورقابية تتجاوز المفهوم التقليدي للتفتيش.

ويستند البناء القانوني لجهاز تفتيش الشغل إلى منظومة متكاملة من القواعد الوطنية والدولية، تتصدرها اتفاقيتا منظمة العمل الدولية رقم 81 بشأن تفتيش العمل في الصناعة والتجارة، ورقم 129 بشأن تفتيش العمل في الفلاحة، إلى جانب المقتضيات الواردة في مدونة الشغل ومختلف النصوص الخاصة المنظمة لمجالات الضمان الاجتماعي، والصحة والسلامة المهنية، وحوادث الشغل، وعمال المنازل، وقانون الإضراب، وغيرها من التشريعات ذات الصلة. وقد أفرز هذا التعدد التشريعي إطارا قانونيا واسعا لا يحدد فقط اختصاصات جهاز التفتيش، وإنما يعكس أيضا المكانة التي يحتلها داخل منظومة حماية الحقوق الاجتماعية. غير أن هذا التنوع التشريعي، رغم أهميته، يطرح تحديات مرتبطة بتشتت النصوص وتعدد مرجعياتها، وهو ما يجعل من الإحاطة بها وتفعيلها بصورة منسجمة أحد أبرز الرهانات.

وإذا كان التنظيم القانوني يمثل الإطار الناظم لاختصاصات جهاز تفتيش الشغل، فإن البناء المؤسساتي يعكس المكانة التي أصبح يحتلها داخل السياسات العمومية. فالمؤسسة لم تعد مجرد جهاز لمراقبة تطبيق القانون، وإنما أصبحت فاعلا محوريا في تنزيل برامج الدولة في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية، وتوفير المعطيات اللازمة لصناعة القرار العمومي، ومواكبة التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني. ومن ثم، فإن تطور البناء المؤسساتي للجهاز ارتبط بتعاظم مسؤولياته واتساع دائرة تدخله، بما جعله أحد الأعمدة الأساسية للحكامة الاجتماعية الحديثة كما سبقت الإشارة إليه.

كما أن مئوية تفتيش الشغل تؤكد أن تطور هذه المؤسسة لم يكن معزولا عن التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب، خاصة في ظل ترسيخ مفهوم الدولة الاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من توفير آليات فعالة لحماية حقوق الأجراء، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضمان الحقوق الأساسية في العمل. ولذلك أصبح جهاز تفتيش الشغل يشكل حلقة وصل بين الإدارة والمقاولة والأجراء، وأداة لتنزيل السياسات الاجتماعية والاقتصادية للدولة، بما يعزز الأمن القانوني والاستقرار المهني داخل المقاولة، ويكرس احترام القانون باعتباره أساسا للعلاقات المهنية السليمة بشكل يواكب مستجدات ميثاق الاستثمار وما يتعلق بتعزيز التنافسية.

إن استحضار مئة سنة من البناء القانوني والمؤسساتي لجهاز تفتيش الشغل يكشف أن هذه المؤسسة انتقلت من جهاز ذي وظيفة رقابية إلى مؤسسة عمومية ذات أبعاد قانونية واجتماعية واقتصادية متداخلة، تؤدي دورا محوريا في حماية النظام العام الاجتماعي، وضمان استقرار علاقات الشغل، ومواكبة التحولات التي يعرفها سوق الشغل. ولذلك فإن فهم هذا التطور التاريخي والمؤسساتي يشكل مدخلا ضروريا لاستيعاب التحول النوعي الذي عرفته وظائف واختصاصات جهاز تفتيش الشغل.

المحور الثاني: التحول النوعي في وظائف واختصاصات جهاز تفتيش الشغل

لم يعد جهاز تفتيش الشغل، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، مجرد جهاز رقابي يقتصر دوره على التحقق من مدى احترام مقتضيات تشريع الشغل، بل شهد تطورا نوعيا في وظائفه واختصاصاته، انتقل به من منطق الرقابة التقليدية إلى منطق التدبير الشامل لعلاقات الشغل. ويعكس هذا التحول اتساع نطاق تدخل الدولة في المجال الاجتماعي والاقتصادي، وتزايد الحاجة إلى مؤسسات قادرة على التوفيق بين متطلبات حماية الحقوق الاجتماعية، وتحقيق التنافسية الاقتصادية، وضمان استقرار المقاولة. لذلك أصبحت وظيفة مفتش الشغل اليوم تتسم بالتعدد والتكامل، بحيث تجمع بين الاختصاصات القانونية، والإدارية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتقنية، وهو ما جعلها من أكثر الوظائف العمومية تعقيدا وتشابكا.

ويظل الاختصاص الرقابي النواة الأساسية التي يقوم عليها عمل جهاز تفتيش الشغل، غير أن هذا الاختصاص لا ينحصر فقط في ضبط المخالفات التي تعد مرحلة ضرورية عند الاقتضاء، وإنما يقوم على فلسفة وقائية تهدف إلى ضمان الامتثال الطوعي للتشريع الاجتماعي، ومواكبة المقاولات في تصحيح أوضاعها القانونية، وهو الذي يستنفذ الجهد الأكبر. فالزيارات الميدانية التي ينجزها مفتش الشغل لا تستهدف فقط التثبت من احترام مقتضيات مدونة الشغل، وإنما تشمل كذلك مراقبة شروط الصحة والسلامة المهنية، وتتبع تسجيل الأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتحقق من استفادتهم من مختلف الحقوق القانونية، مع تحرير التقارير والتنبيهات وتتبع تنفيذ الملاحظات المسجلة، بما يجعل الرقابة أداة لتعزيز الامتثال القانوني أكثر منها وسيلة للزجر.

وبموازاة الوظيفة الرقابية، اضطلع جهاز تفتيش الشغل باختصاصات ذات طبيعة شبه قضائية، تجعله فاعلا أساسيا في إنفاذ القانون. فمفتش الشغل يحرر محاضر مخالفات تشريع الشغل، ويمارس صلاحيات الضابطة القضائية في الحدود التي يقررها القانون، قبل إحالة هذه المحاضر على النيابة العامة المختصة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات زجرية. وتمنح هذه الوظيفة للجهاز مكانة خاصة داخل منظومة العدالة الاجتماعية، باعتباره حلقة وصل بين الرقابة الإدارية والقضاء الزجري، رغم ما يرافق ذلك من مسؤوليات جسيمة وما يثار بشأن الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية للمفتش أثناء مباشرته لهذه الاختصاصات.

ومن أبرز مظاهر التحول الوظيفي كذلك تنامي الدور الاجتماعي والتصالحي الذي يضطلع به جهاز تفتيش الشغل، حيث أصبح الحفاظ على السلم الاجتماعي أحد أهم مقاصد تدخله. فالمفتش لا يتدخل بعد نشوء النزاع فحسب، وإنما يسعى إلى الوقاية منه، واحتواء بوادره، وتقريب وجهات النظر بين المشغلين والأجراء، سواء في النزاعات الفردية أو الجماعية، كما يشارك في أشغال لجان البحث والمصالحة على المستويين الإقليمي والوطني. وقد أظهرت المعطيات العملية الأثر الملموس لهذا الدور، من خلال تسوية عشرات الآلاف من النزاعات بمبالغ كبيرة تبين المجهود المنجز، وإرجاع آلاف الأجراء إلى عملهم، وتفادي مئات الإضرابات، بما خفف العبء عن القضاء، وأسهم في استقرار المقاولات وحماية الاقتصاد الوطني.

كما لم يعد مفتش الشغل مجرد مراقب أو مصالح، بل أصبح مستشارا قانونيا وموجها لمختلف الفاعلين في علاقات الشغل. فهو يقدم الإرشاد للمشغلين والأجراء، ويجيب عن استفساراتهم، ويوضح لهم كيفية تطبيق النصوص القانونية، بما يحد من النزاعات المستقبلية ويعزز ثقافة الامتثال للقانون. وتكتسي هذه الوظيفة أهمية خاصة بالنظر إلى تعقد التشريع الاجتماعي وتعدد مصادره، الأمر الذي يجعل الإرشاد القانوني وسيلة فعالة للوقاية من المخالفات قبل وقوعها.

وامتد التحول الوظيفي ليشمل مجالات جديدة فرضتها طبيعة الاقتصاد الحديث، فأصبح جهاز تفتيش الشغل يضطلع بمهام تنسيقية مع القضاء، والإدارات العمومية، والمنظمات النقابية، والهيئات المهنية والجمعوية، إلى جانب إصدار قرارات إدارية وتأشيرات ورخص مختلفة، وإنجاز الإحصائيات، والمشاركة في تنفيذ البرامج الحكومية، فضلا عن مساهمته في تتبع المقاولات الناشئة، وتأطير انتقال الوحدات الإنتاجية من القطاع غير المهيكل إلى القطاع المنظم. كما يمارس أدوارا تقنية في مجال الصحة والسلامة المهنية، ويتدخل في تدبير الانتخابات المهنية، وإنجاح المفاوضة الجماعية، وتعزيز المساواة المهنية، ومحاربة ظاهرة تشغيل الأطفال، وحماية الفئات التي خصها المشرع بضمانات إضافية، كالأجراء ذوي الاحتياجات الخاصة، والنساء، والأحداث، والأجراء الأجانب، وعمال المنازل، والممثلين النقابيين ومناديب الأجراء. وهو ما يعكس انتقال جهاز التفتيش من وظيفة أحادية إلى وظيفة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاجتماعية والاقتصادية.

وتتجلى أهمية هذا التحول أيضا في البعد الاقتصادي والاستراتيجي الذي أضحى يميز عمل جهاز تفتيش الشغل، إذ أصبح يسهم في محاربة القطاع غير المهيكل، والحد من التهرب الاجتماعي، وتعزيز تنافسية المقاولة، وحماية مصداقية الاقتصاد الوطني، فضلا عن مواكبة السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية، وتوفير المعطيات اللازمة لصناع القرار. كما يمتد دوره إلى تنزيل إلتزامات المغرب الدولية في مجال الشغل، والمساهمة في تنفيذ المعايير المرتبطة بتنظيم التظاهرات الاقتصادية والرياضية الدولية، والتبليغ عن الجرائم ذات الصلة بعالم الشغل، كالاتجار بالبشر، والعمل الجبري، واستغلال الأطفال. ويبرز هذا الامتداد أن جهاز تفتيش الشغل أصبح فاعلا مؤسساتيا يتجاوز حدود علاقة الشغل الثنائية، ليؤدي أدوارا ذات أبعاد اقتصادية وحقوقية ودولية.

ويخلص هذا التطور إلى أن جهاز تفتيش الشغل لم يعد مجرد جهاز لتطبيق القانون، وإنما تحول إلى مؤسسة متعددة الوظائف والاختصاصات، تضطلع بأدوار رقابية، وقضائية، وتصالحية، وإرشادية، وإدارية، وتقنية، واقتصادية، واستراتيجية، بما يجعله أحد أهم الفاعلين في تدبير سوق الشغل وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. غير أن اتساع هذه الاختصاصات وتنامي المسؤوليات الملقاة على عاتقه يثيران تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة الإمكانات القانونية والبشرية والمادية واللوجستيكية المتاحة له، وهو ما يقتضي تقييم فعالية الجهاز والوقوف على الإكراهات التي تحد من أدائه.

المحور الثالث: فعالية جهاز تفتيش الشغل ورهانات تحديثه في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية

إن مرور مئة سنة على إحداث جهاز تفتيش الشغل بالمغرب يتيح فرصة لتقييم مدى فعالية هذه المؤسسة في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التي عرفها سوق الشغل. فلا تقاس نجاعة جهاز تفتيش الشغل بمجرد اتساع اختصاصاته أو تعدد النصوص القانونية المنظمة له، وإنما بمدى نجاحه في ضمان التطبيق الفعلي للتشريع الاجتماعي، وحماية الحقوق الأساسية للأجراء، وتعزيز السلم الاجتماعي، وترسيخ الأمن القانوني داخل المقاولة. كما أن تطور وظائفه وتوسع مجالات تدخله جعلاه أحد أهم الفاعلين في تنزيل السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي، الأمر الذي يفرض تقييم أدائه في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب.

وقد أثبت جهاز تفتيش الشغل، من خلال الممارسة العملية، فعاليته في الاضطلاع بالأدوار المنوطة به، سواء عبر الزيارات الميدانية للمقاولات، أو معالجة النزاعات الفردية والجماعية، أو التدخل لإرجاع الأجراء إلى عملهم، أو الحد من توقف المقاولات بسبب النزاعات الاجتماعية، فضلا عن مواكبة المشغلين في احترام التزاماتهم القانونية. وقد انعكس ذلك إيجابا على استقرار العلاقات المهنية، وحماية مناصب الشغل، وتعزيز جاذبية الاستثمار، بما يؤكد أن أثر تدخل جهاز تفتيش الشغل لم يعد يقتصر على إنفاذ التشريع الاجتماعي، وإنما امتد إلى الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسيخ مناخ الثقة داخل سوق الشغل.

ورغم هذه النتائج، فإن فعالية جهاز تفتيش الشغل ما تزال تواجه تحديات متعددة تحد من قدرته على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة. فمن الناحية التشريعية، أدى اتساع المنظومة القانونية التي يسهر الجهاز على تطبيقها، وتعدد النصوص المنظمة لعلاقات الشغل، واستحداث إلتزامات قانونية جديدة، إلى تعقيد المهام الموكولة إليه، في وقت لم يواكب فيه الإطار القانوني هذا التطور بالشكل الكافي. كما أن تعدد الاختصاصات، دون مراجعة موازية للتنظيم الإداري، أدى إلى تراكم المسؤوليات، بما يؤثر على جودة التدخل وسرعة الاستجابة.

ويبرز كذلك الخصاص المسجل في الموارد البشرية باعتباره أحد أهم العوامل المؤثرة في مردودية الجهاز، بالنظر إلى عدم تناسب عدد مفتشي الشغل مع اتساع النسيج الاقتصادي وتوزعه المجالي، وتزايد عدد المقاولات، وتنوع الأنشطة الإنتاجية. ويترتب عن ذلك ارتفاع العبء المهني الملقى على عاتق المفتش، بما ينعكس على وتيرة المراقبة، وتتبع تنفيذ الملاحظات، والقدرة على التدخل الوقائي والاستباقي.

ولا تقل الإكراهات اللوجستيكية والتقنية أهمية عن غيرها، إذ ما يزال غياب وسائل التنقل، وضرورة تجويد البنيات الرقمية والمعلوماتية، تشكل عائقا أمام تطوير الأداء، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على مساطر إدارية لا تواكب متطلبات الإدارة الرقمية الحديثة.

ومن بين التحديات التي تفرض نفسها أيضا، الحاجة إلى تعزيز الوضعية القانونية والمهنية والمادية لمفتشي الشغل، بالنظر إلى طبيعة المهام الحساسة التي يباشرونها، وما قد يتعرضون له من ضغوط أو اعتداءات أثناء أداء وظائفهم. ويستوجب ذلك توفير حماية قانونية فعالة، وتحسين ظروف العمل، وتطوير نظام التحفيز، بما يعزز استقلالية الجهاز ويكرس الضمانات اللازمة لممارسة مهامه بكل حياد وفعالية، انسجاما مع مقتضيات اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 81 بشأن تفتيش الشغل في الصناعة والتجارة، ورقم 129 بشأن تفتيش الشغل في الفلاحة.

وأمام هذه التحديات، لم يعد تحديث جهاز تفتيش الشغل خيارا تنظيميا، بل أصبح ضرورة مؤسساتية تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي الاقتصاد الرقمي، وظهور أنماط جديدة للتشغيل، واتساع ورش الحماية الاجتماعية، وما يرافق ذلك من إلتزامات وطنية ودولية متزايدة. ويقتضي هذا التحديث مراجعة الإطار القانوني المنظم للجهاز بما يواكب تطور اختصاصاته، ويكرس استقلاليته الوظيفية، ويعزز ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية ذات الصلة.

ويظل الاستثمار في العنصر البشري الركيزة الأساسية لأي إصلاح مرتقب، وذلك من خلال تدعيم الموارد البشرية، وتطوير برامج التكوين الأساسي والمستمر، وتمكين المفتشين من مواكبة المستجدات التشريعية والتقنية، إلى جانب تحسين أوضاعهم المهنية والمادية، بما يضمن الرفع من كفاءتهم وقدرتهم على الاضطلاع بالمهام المتزايدة التي أصبحت تفرضها التحولات المتسارعة في سوق الشغل.

وبالموازاة مع ذلك، أصبح التحول الرقمي يشكل مدخلا أساسيا لتحديث جهاز تفتيش الشغل، من خلال اعتماد منظومات معلوماتية متكاملة لتدبير مهام مفتش الشغل، وتبادل المعطيات بين مختلف الإدارات والمؤسسات، فضلا عن توظيف الذكاء الاصطناعي بالشكل المناسب والملائم.

ولا يكتمل هذا الإصلاح دون تعزيز التعاون والتنسيق بين جهاز تفتيش الشغل وباقي المؤسسات المعنية بإنفاذ التشريع الاجتماعي، والانفتاح على التجارب المقارنة والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية في مجالات التفتيش بما يسهم في تطوير النموذج المغربي مع مراعاة خصوصياته القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

ونخلص مما سبق إلى أن فعالية جهاز تفتيش الشغل لم تعد تقاس فقط بقدرته على مراقبة تطبيق التشريع الاجتماعي، وإنما بمدى جاهزيته لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي مع انطلاق القرن الثاني من مسيرة هذه المؤسسة لا يكمن في الحفاظ على أدوارها التقليدية فحسب، بل في إرساء نموذج مؤسساتي حديث، أكثر استقلالية ومرونة وكفاءة، قادر على تعزيز الأمن القانوني والاجتماعي، وترسيخ ثقافة الامتثال، والإسهام بفعالية في بناء الدولة الاجتماعية وتكريس دولة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *