منتدى العمق

آفاق التنمية السوسيو-اقتصادية والثقافية والسياسية بمدينة وإقليم خريبكة

تُعد الجغرافية البشرية من أهم العلوم التي تدرس العلاقة بين الإنسان والمجال، وتبحث في كيفية توظيف الموارد والمؤسسات و
الإمكانات البشرية من أجل تحقيق تنمية شاملة ومستدامة. ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل مدينة وإقليم خريبكة لا يرتبط فقط بإنجاز المشاريع العمرانية، وإنما يتوقف أيضا على جودة الرأسمال البشري، وفعالية المؤسسات، وحسن التدبير، وترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية.

وتبشر المؤشرات الحالية باستكمال عدد من المشاريع المهمة مستقبلا، من بينها مشروع المنجم الأخضر، والمحطة الطرقية، وتزفيت شارع 21 غشت، وهي مشاريع من شأنها تحسين البنية التحتية، والرفع من جاذبية المدينة، وتوفير ظروف أفضل للتنقل والاستثمار والخدمات. كما أن طمر أسلاك الكهرباء ذات التوتر العالي المارة بشارعي محمد السادس والروداني سيشكل خطوة مهمة لتحسين المشهد الحضري وتعزيز السلامة وجودة الفضاء العام.

وفي المجال الاقتصادي، تبرز أهمية فرض احترام القانون داخل المجال التجاري، وذلك من خلال التصدي للبيع والشراء وسط الطرقات والشوارع، باعتبار أن أول شروط ممارسة التجارة هو كراء محل والحصول على التراخيص القانونية. كما أن مراقبة المتاجر والمقاهي والمطاعم التي ترفع الأسعار دون سند قانوني، مع فرض الغرامات والجزاءات عند الاقتضاء، من شأنه حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتعزيز المنافسة الشريفة. ويظل كذلك إتقان أصحاب المهن والحرف لأعمالهم ومحاربة كل مظاهر الغش عاملا أساسيا في بناء الثقة وتحسين جودة الخدمات.

ومن جهة أخرى، تظل الأسرة المؤسسة الأولى في بناء الإنسان، لذلك فإن من الضروري أن يحرص الآباء والأمهات على متابعة دراسة أبنائهم وبناتهم، وتوفير تربية حسنة لهم، وتوجيههم نحو التفوق العلمي، مع ترشيد استعمال الإنترنت والحد من الإفراط فيه حتى لا يتحول إلى إدمان يؤثر في التحصيل الدراسي والتوازن النفسي. كما أن تشجيع التلاميذ والطلبة على قراءة الكتب والمجلات والروايات خلال العطلة الصيفية، وتنمية عادة المطالعة والكتابة، وإتمام الدراسة إلى أعلى المستويات، كلها عوامل تساهم في الرفع من جودة الرأسمال البشري.

وفي السياق نفسه، فإن نشر الوعي والمعرفة والثقافة مسؤولية جماعية تقع على عاتق الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين والدينيين والسياسيين، سواء عبر الأنشطة الميدانية أو عبر الوسائط الرقمية، بهدف تكوين مواطن واع بحقوقه وواجباته، قادر على المساهمة في تنمية مجتمعه بصورة إيجابية.

كما يضطلع المجتمع المدني بدور مهم في تحقيق العدالة المجالية، وذلك من خلال إنشاء فروع لبعض الجمعيات داخل الأحياء الشعبية، وتأطير الأطفال والشباب، وتنظيم حصص للدعم الدراسي بأثمنة رمزية، إضافة إلى تنظيم حملات طبية داخل بعض الأحياء الشعبية بمدينة خريبكة وبعض الجماعات الترابية بالإقليم، بما يسهم في تقريب الخدمات الاجتماعية والصحية من المواطنين.

أما على المستوى الثقافي، فمن الضروري تطوير أساليب الإعلان والتواصل الخاصة بالأنشطة الثقافية، إذ يلاحظ أن كثيرا من الفعاليات المنظمة بمدينة خريبكة لا يتم التعريف بها بالشكل الكافي، مما يؤدي إلى ضعف الحضور وغياب عدد كبير من المثقفين والمهتمين. ولذلك فإن اعتماد وسائل تواصل أكثر فعالية من شأنه توسيع المشاركة وإغناء الحياة الثقافية.
ويمتلك إقليم خريبكة كذلك مؤهلات واعدة في مجال السياحة العلمية والمنجمية والإيكولوجية، إضافة إلى دراسة المستحاثات، وهي مجالات يمكن أن تسهم في تنويع الاقتصاد المحلي، وتشجيع البحث العلمي، واستقطاب الزوار والباحثين، مع تثمين الخصوصيات الطبيعية والجيولوجية للإقليم.
وفي الجانب الإداري والاجتماعي، تقتضي التنمية تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والإدارية، وتوفير ظروف عمل مريحة للموظفين، مع وضع جميع وسائل العمل الضرورية رهن إشارتهم. كما أن تسوية وضعية الموظفين الذين حصلوا على شواهد الإجازة والماستر، وترقيتهم وفق الشهادات المحصل عليها، من شأنه تعزيز التحفيز والرفع من مردودية الإدارة.

وتبقى التنمية الجيدة رهينة أيضا بجودة الحكامة، وذلك من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفق معايير الاستحقاق وتكافؤ الفرص، مع مضاعفة جهود المسؤولين والمنتخبين والفاعلين الترابيين لخدمة الساكنة، وجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، خلال ما تبقى من الولاية الحالية وفي الولاية المقبلة.

كما أن للأحزاب السياسية وشبيباتها مسؤولية أساسية في تأطير المواطنين، وتنظيم الندوات والورشات التثقيفية الهادفة داخل مقراتها وفي الفضاءات الثقافية، بما يعزز المشاركة المواطنة ويرفع من مستوى الوعي بالشأن العام.

ولا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون مواطن إيجابي يؤدي واجباته ويطالب بحقوقه بالوسائل المشروعة. فكلما ارتفع مستوى المشاركة المدنية، وتعزز الوعي بالحقوق والواجبات، وتوطدت قيم المسؤولية والانضباط، اقترب المجتمع من تحقيق التنمية المنشودة.

وأخيرا، فإن مواجهة غلاء المعيشة تقتضي أيضا ترشيد الاستهلاك، والاقتصاد في النفقات، والابتعاد عن كثرة المشتريات غير الضرورية، بما يساعد الأسر على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي.

إن آفاق التنمية بمدينة وإقليم خريبكة تظل واعدة إذا تضافرت جهود الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأسر والمواطنين. فالتنمية ليست مجرد مشاريع عمرانية أو اقتصادية، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يقوم على الإنسان الواعي، والمؤسسات الفعالة، والحكامة الجيدة، وسيادة القانون، والعدالة، والثقافة، والمعرفة، والعمل الجاد من أجل بناء مستقبل أفضل لجميع ساكنة خريبكة و إقليمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *